تسجيل الدخولساد صمتٌ ثقيل أرجاء الممر عقب جملة كريس الحسمة، بينما خيم الهدوء على الحراس الواقفين. ابتسم جاكسون بنصف ثغر وهو يكتف يديه، ملتفتاً نحو كريس بأسلوبه الماكر المعتاد حين تبتعد الأجواء عن الصرامة المباشرة: — "يا رجل... 'تحت حمايتي'؟ نبرة الملك هذه لا تليق إلا بسياديك، لكنني أخشى أنك جعلت نصف الحراس يفكرون في تقاعد مبكر من شدة الرعب." غمزه جاكسون بلطف، ثم التفت إلى سيلينا بنبرة مرحة يحاول بها كسر ثقل الموقف: — "سيلينا، إن احتجتِ لإلغاء هذا القرار الملكي، فأنا أعرف ثغرة في الممر الخلفي... لكن أظن أن صاحبنا سينسف القصر بأكمله إن لم يركِ أمامه." لم تجبه سيلينا بضحك، بل اكتفت بنظرة مشدودة، وما إن دلفا إلى الغرفة وأُغلق الباب حتى التفتت إلى كريس وقالت بنبرة هادئة ورزينة: — "لم يكن عليك أن تفوه بتلك الجملة أمام الحراس والجميع يا كريس." تطلع كريس إليها بملامح جادة، ونبس بصارم القول: — "كان عليّ أن أفعل ذلك كي يفهم الشخص الذي يراقبنا شيئاً واحداً لا غير." سألته: — "وما هو؟" أجابها وعيناه مثبتتان على وجهها: — "أن تهديده لكِ لن يدفعني للابتعاد عنكِ خطوة واحدة." ردت عليه سيلينا بثبات وثقة
استقر صمتٌ ثقيل عقب قراءة تلك الرسالة الشيطانية، وظل كريس واقفاً في منتصف الجناح والورقة تئن بين أصابعه القاسية. كانت سيلينا ما تزال قريبة منه، وكفها الدافئة مثبتة فوق يده المرتجفة بغضب. التفت إليها كريس فجأة، وعيناه المحمرتان تنطقان بصرامة حازمة: — "من الآن... لن تبتعدي عني خطوة واحدة." لم تجادله سيلينا أو تتحدّ كعادتها السابقة، فقد أصبحت تفهم نبرته جيداً وتستشعر الخوف الخفي الخافي خلف سلطته المعتادة. اكتفت بالنظر إلى عينيه بصلابة هادئة ونبست: — "لا داعي لتُصدر هذا كأمر يا كريس... أنا أعلم حجم الخطر ولن أتحرك من هنا." توقف كريس لثوانٍ أمام هدوئها وثباتها؛ كانت سيلينا تطوع مواقفها بقوة واثقة جعلته يشعر بلين دفاعاته أمامها، ونبس بنبرة خفيضة ومبحوحة: — "أحتاج أن تبقي بجانبي يا سيلينا... لا يمكنني التفكير وأنتِ بعيدة." في تلك اللحظة، انقبض قلب سيلينا؛ إذ لاحظت أن نبرته خلت من القسوة الجافة، وتبدلت بحاجة صادقة ومكتومة لقربها تجعل سلطته تتلاشى أمامه شيئاً فشيئاً. دُفع الباب ودخل جاكسون بملامح جادة ليخبرهما أن الرسالة قد تكون مجرد محاولة خبيثة من جوزيف لاستفزازه وجره إلى مربع الانفع
استقر الهدوء القاتل في أرجاء الجناح، هدوءٌ أثقل من أن يُطاق عقب رؤية تلك الصورة الملتقطة من داخل الممر. ظل كريس محجماً عن أي اندفاع عشوائي، مثبتًا عينيه المحمرتين على الباب المفتوح جزئياً، في حين كان جاكسون يراقب صمته المريب بيقين تام أن هدوء كريس الصارم هذا هو أولى علامات الخطر القاتل. نبس كريس بصوت خفيض وحاد كالسيف: — "من كان في هذا الممر خلال الساعة الماضية يا جاكسون؟" سارع جاكسون بمراجعة سجلات الحراسة والكاميرات الداخلية عبر هاتفه، ثم رفع رأسه بملامح مشدودة: — "عدة أشخاص مروا بالقرب من الجناح؛ حراس التبديل، بعض العاملين، وحتى أفراد من طاقم الرعاية... النطاق متسع ولا يمكننا تحديد الخائن مباشرة دون أدلة قطعية." دون لحظة تردد، أصدر كريس أوامره القاطعة بإبعاد جميع العاملين والحراس غير الضروريين فوراً عن محيط الجناح. ثم التفت ببطء نحو سيلينا، مشيراً بيسر يده السليمة بنبرة آمرة: — "ابتعدي عن الباب والنافذة... واجلسي في الزاوية." رفضت سيلينا أن تُعامل كجدار أو كائن عاجز يخضع للأوامر، فرفعت رأسها ونظرت في عينيه بصلابة: — "أنا أفهم حجم الخطر يا كريس... لا تعاملني كأنني شيء
في غرفة المراقبة السفلية، كان جاكسون يقف خلف شاشة العرض الرئيسية وعيناه مثبّتتان بحدة على حركة العدسة الحرارية. الرجل المجهول على طرف الغابة لم يكن يتحرك أو يبحث عن مدخل للثغرات، بل كان ثابتاً كالتمثال، موطّداً مناظيره المكبرة باتجاه النافذة الزجاجية العلوية للجناح الخاص بكريس وسيلينا. أشار جاكسون بيده إلى الحارس المشرف على الاتصالات الميدانية: — "لا تطلقوا النار، ولا تقتربوا منه... أريد أن أعرف ماذا ينتظر بالضبط." بعد ثوانٍ معدودة، أضاءت الشاشة الفرعية بوميض خفيف؛ كان الرجل قد رفع جهازاً صغيراً يبدو كملتقط إشارات مدمج، ليقوم بتشغيل كاميرا ذات زاوية عالية الدقة، ويرسل إشارات متقطعة نحو جهة مجهولة. أدرك جاكسون فوراً أن هدف الغريب ليس اقتحاماً مسلحاً أو هجوماً مباشراً، بل عملية رصد وتوثيق لشيء دقيق يحدث بالداخل. في الجناح العلوي، دُفع الباب ببطء. دخل جاكسون ملامحه خالية من أي مزاح، ووجه كلامه فوراً نحو كريس المستلقي على الفراش. ما إن استمع كريس لنصف التفاصيل، حتى اندفع بجسده بآلية غريزية ليقف، لا بدافع المواجهة، بل لأن أول خاطرة ضربت عقله المجهد كانت أن سيلينا مكشوفة وفي زاوية رؤية
كان السكون يسيطر على أرجاء الجناح، سكونٌ حذر يتبادله الاثنان بعد الحديث الأخير الذي قطع على كريس أوهام المصالحة الشاملة. كان كريس مستلقياً على الفراش، لكن وجهه الشاحب كالموت وأنفاسه الثقيلة كانا يشيان بحجم نزيف الأمس؛ كان فقدان الدم الحاد يجعله يُصارع طنينًا مستمرًا في أذنيه وغشاوة تتسلل إلى رؤيته بين لحظة وأخرى. ورغم ذلك، كانت عيناه تزيغان بثقل نحو هاتفه الموضوع على الطاولة الجانبية، منتظراً بقلق مكتوم أي تحديث ميداني من جاكسون. على الطرف الآخر، كانت سيلينا تنقل خطواتها بين النافذة وطاولة الأدوية بصمت. لم تكن تبخل عليه برعايتها، لكنها ظلت ترسم حدوداً واضحة بين عنايتها ببدنه وبين استعادة قربه. لاحظ كريس نظراتها المتكررة نحو النافذة، فنبس بصوت مبحوح، خافت ومجهد: — "إن كنتِ متعبة وتريدين الذهاب لترتاحي... فلن أمنعكِ." التفتت إليه سيلينا، وعيناها تنطقان بغضب مكتوم لم ينطفئ بعد، وقالت ببرود حاسم: — "سأبقى هنا حتى يتأكد الطبيب أن حالة جرحك استقرت كلياً. لا تفسر وجودي بأي طريقة أخرى." لم يرد كريس، بل اكتفى بتأمل الشحوب الرقيق في وجهها، وفي نظراته يقين صامت بأنها تقنع نفسها بجديد لا ت
كان الجو داخل الغرفة مشحوناً بهدوءٍ حذر، كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. كانت سيلينا تتحرك بخطوات هادئة ومحسوبة؛ تبدل الماء، وتتأكد من مواعيد الدواء، لكنها تعمدت أن تبقي مسافة قاسية بينهما. لم تقترب من حافة السرير، ولم تنادِه بتلك الأسماء التي اعتاد عليها، بل كانت حركاتها تؤكد شيئاً واحداً: العناية موجودة، لكن المسامحة لم تأتِ بعد. أما كريس، فكان يحاول إخفاء ضعفه بكل ما أوتي من قوة. كان يراقبها بصمت، ويتحمل برودها بكبرياء مجروح، متقبلاً أن هذا هو الثمن الطبيعي لما فعله. في منتصف النهار، دخل الطبيب لتفقد جرحه، وطلب منه أن يتحرك قليلاً لتبديل الضمادات. وما إن حاول كريس الاستناد على ذراعه، حتى ضربه ألمٌ حاد كأنه طعنة خنجر. انقبض فكه بقوة، وتغير لون وجهه إلى الشحوب، لكنه كتم أنينه وغرس أصابعه في الفراش كي لا تلاحظ سيلينا شيئاً. غير أن سيلينا، التي كانت تراقبه من طرف عينها، لاحظت توتر رقابته والعرق الخفيف الذي ظهر على جبينه. عرفت فوراً أنه يكابر، وأنه يتظاهر بالصلابة فقط كي لا يظهر ضعيفاً أمامهما. اقتربت منه لتعطيه دواءه. كانت يد كريس ترتجف بضعف واضح، وحين حاول الإمساك بكأس الماء، انزلق







