LOGIN
رواية ظلام العاشق بقلم الكاتبة نور البشرى
بعض الحكايات لا تحكي
ولكنها تشرق في الظلام
بدقات صادقة
لم تكن الحياة يوما اختياره ولكنه اختار ولأول مرة
حياته …..
المشهد الأول
ماجد
المشهد الأول: عقد في الضلمة
الأوضة مكنش فيها أي نور غير لمبة مكتب يتيمة، رامية دايرة ضوء أصفر باهت على ترابيزة خشب متهالكة، وسايبة باقي المكان غرقان في عتمة تخنق. ريحة الرطوبة مخلوطة بدخان سجاير محروق كانت مالية الجو، لايقة جداً على طبيعة الصفقات المشبوهة اللي بتتم في البدرومات المستخبية عن عيون المدينة.
الناحية التانية من النور، كان قاعد الراجل المجهول. وشه مكنش باين، مجرد ضل تقيل وصوت مليان مرارة وحقد سنين. فجأة، إيد خفية طلعت من تحت البالطو الأسود بتاعه، وزقت ملف بني تخين على الترابيزة لحد ما وقف بالظبط على حرف دايرة النور.
الضل اتكلم بصوت مبحوح، الكراهية بتنقط منه: "أبوها خد مني كل حاجة.. دمر إمبراطوريتي، وشتت عيلتي، ومات قبل ما أردله القلم قلمين. بس هو ساب وراه نقطة ضعفه الوحيدة.. ورثه المتدلع."
على الجانب التاني من الترابيزة، كان قاعد ماجد.
مفيش رمش واحد اتهز في وشه القاسي اللي عامل زي حتة الجرانيت. كان لابس بالطو أسود مخليه حتة من ضلمة الأوضة، وعينيه... عينيه كانت زي بير ملوش قرار، فاضية من أي إحساس بشري. مكنش شايف في الراجل اللي قاعد قدامه غير "عميل"، ومكنش شايف في الملف غير "مأمورية". عقله اتبرمج على كده من سنين؛ آلة دقيقة بتحصد الأرواح، مبتبقاش عندها أسئلة، مبتتعاطفش، ومبتغلطش.
ماجد مد إيده، اللي كان لابس فيها جوانتي جلد أسود، وسحب الملف. فتحه بالراحة. أول حاجة عينه جت عليها كانت صورة متصورة في السر.
"غالية".
قرا الاسم المكتوب تحت الصورة في سره. شابة في أواخر العشرينات، ملامحها فيها ميكس غريب بين القوة والضعف. في الصورة، كانت لابسة طقم شغل شيك جداً، وواقفة بكبرياء مصطنع قدام كاميرات الصحافة. ماجد قلب الصفحة، وعينيه بتسحب السطور بسرعة زي الكمبيوتر؛ جداول مواعيدها، أرقام عربياتها، أسماء الحراس، والأماكن اللي بتروحها.
"عايزها تتعذب قبل ما تموت،" العميل الخفي كمل كلامه، وصوته بيترعش بنشوة انتقام مريضة. "عايز إمبراطورية أبوها تتهد فوق دماغها، وبعدين تطلع روحها وهي متأكدة إن ذنوب أبوها هي اللي قتلتها."
ماجد قفل الملف بخبطة خفيفة، وشاله في الجيب الداخلي لبالطوه.
وبصوت بارد زي تلج الشتا قال: "التفاصيل العاطفية دي متخصنيش. الهدف واضح. وخط السير مدروس. فين الدفعة الأولى؟"
الراجل زق شنطة صغيرة بس تقيلة على الترابيزة. "الفلوس أهي. نصها دلوقتي، والنص التاني لما أشوف صورتها في صفحة الوفيات."
ماجد وقف من غير ما ينطق ولا كلمة زيادة. خد الشنطة، ولف عشان يخرج من البدروم. مكنش في لزوم للوداع، في عالمه، الكلمة الزيادة ممكن تمنها يكون حياتك.
الساعة كانت حداشر ونص بالليل، وسما المدينة كانت بتعيط بغزارة. مطر سيول بيغسل الأسفلت الأسود وبيعمل برك مية بتعكس نور عواميد الشوارع البرتقالي.
جوه عربيته الغامقة المركونة في زاوية ميتة قصاد البوابة الرئيسية لشركة غالية، ماجد كان قاعد بيراقب. موتور العربية كان مطفي، وإزاز الشبابيك متغطي بنقط المطر اللي متشبكة زي دموع باردة. مكنش حاسس بالبرد. درجة حرارة جسمه كانت دايماً بتتكيف مع برودة قلبه.
كان حاطط قدامه على الكرسي اللي جنبه صورها، ورسم كروكي هو اللي عامله بإيده لمداخل ومخارج الشركة. درسها زي ما الصياد بيدرس فريسته. عرف إنها بتفضل في مكتبها بعد ما كل الموظفين بيمشوا، بتحاول تعافر وتسد الثغرات اللي أبوها سابها. عرف كمان إنها بترفض تمشي بحرس شخصي جوه المبنى عشان تحس بشوية حرية كدابة.
"مجرد هدف روتيني كمان،" ماجد تمتم لنفسه، وعينيه متثبتة على الباب الإزاز الدوار.
فجأة، الباب اتفتح.
وخرجت غالية.
من ورا عدسة المنظار بتاعه، ماجد راقبها. مكنتش باينة خالص زي الإمبراطورة اللي شافها في صور الجرايد. كانت لابسة بالطو طويل، وشايلة شمسية سودة. وقفت تحت المطر ثواني قبل ما تفتح الشمسية. في اللحظة القصيرة دي، دفاعاتها كلها انهارت. قناع القوة وقع. كتافها انحنت شوية وكأنها شايلة جبال من الهموم اللي محدش شايفها. غمضت عينيها، وطلعت تنهيدة طويلة طلعت في الهوا البارد زي سحابة دخان بيضا.
كان باين عليها إنها وحيدة... وحيدة بشكل يوجع القلب.
حاجة غريبة حصلت جوه عربية ماجد في اللحظة دي. نغزة خفية، مش مفهومة، خبطت في صدره اللي كان فاكره فاضي. فكه اتشد، وحس بحرارة غريبة بتسري في طراطيف صوابعه. انكسارها المستخبي تحت المطر لمس وتر مدفون في أعمق حتة في ذاكرته. هي شبهه في وحدتها؟ هل انكسارها فكره بعيل صغير وقف في يوم من الأيام تحت المطر يعيط على عيلته اللي اتدبحت قدامه؟
بؤبؤ عينه ضاق. خد نفس عميق، وكأنه بيطرد الهاجس السخيف ده من راسه.
"مفيش حاجة... ده مجرد إرهاق،" أقنع نفسه بصرامة. هو دفن "الإنسان" اللي جواه من زمان أوي، ومش هيسمح لواحدة ست، مجرد هدف في ملف أسود، إنها تنبش القبر ده تاني.
غالية فتحت شمسيتها أخيراً، واتحركت بخطوات تقيلة ناحية عربيتها في الجراج المكشوف. ماجد فضل مراقبها لحد ما ركبت ونورت كشافات العربية.
مكنش ناوي يقتلها الليلة. الليلة دي كانت للرصد بس. أما بكرة... فده ميعاد الصدفة اللي هتخليها تقع في شبكته برجلها. ماجد لف مفتاح عربيته، والموتور زأر بهدوء في عز سكون الليل. ابتسم ببرود، ابتسامة مفهاش أي معنى من معاني الفرحة، بس كلها وعيد.
"استمتعي بليلتك يا غالية... عشان اللي جاي عاصفة مش هتعرفي تهربي منها."
اتحرك بعربيته في الاتجاه العكسي، والضلمة والمطر بلعوه، سايب وراه الخطة اللي فصولها هتبدأ تتكتب كترجمتها لواقع من صباحية بكرة.
بعد خمسة وأربعين دقيقة، الأسفلت الناعم خلص وبدأ طريق ترابي مكسر. ماجد وقف عربيته قدام مبنى خرساني ضخم، مخزن قديم ومتهالك، بوابته الحديد مصدية. المكان كان مقطوع تماماً، مفيش فيه غير صوت الهوا والمطر اللي بيخبط في سقف الصاج. نزل ماجد من العربية. فتح الشنطة اللي ورا، وقلع جاكيت البدلة الشيك ورماه بإهمال. سحب جاكيت جلد أسود تقيل ولبسه، وبعدين طلع جوانتي جلد أسود وبدأ يلبسه بالراحة، بيشد أطرافه على صوابعه بعناية قاتل بيستعد لعمله الحقيقي. زق الباب الحديد التقيل اللي عمل صوت تزييق مزعج، ودخل جوه المخزن المضلم. ريحة العفن والرطوبة كانت تخنق، بس ماجد مكنش مهتم. في نص المخزن الواسع، وتحت لمبة صغيرة مدلدلة من السقف بسلك عريان، كان في كرسي خشب.وعلى الكرسي، كان في راجل. الراجل كان متكتف بحبال تخينة ملفوفة حوالين جسمه وإيديه ورجليه. وشه كان وارم، بينزف من مناخيره، وعلى بقه لزق عريض مانعه يصوت. عينين الراجل كانت مبرقة برعب ميتوصفش أول ما سمع صوت خطوات ماجد بتقرب منه في العتمة. ماجد مشي ناحيته بخطوات إيقاعية، بطيئة، ومرعبة. منطقش ولا كلمة. وقف قدام الراجل، وبصله من فوق ببرود تام. عينين ما
المشهد الخامس صدفة مدروسةماجد شوارع المدينة كانت بتغسل نفسها تحت مطر مابيقفش، وكاوتش عربية "ماجد" كان بيشق برك الماية في هدوء قاتل، ماشي ورا النور الأحمر بتاع كشافات عربية "غالية". كان سايب مسافة محسوبة بالملي بينه وبينها؛ لا هو قريب أوي فيلفت الانتباه، ولا بعيد أوي فيتوه منها في زحمة الليل. عقله كان شغال زي كمبيوتر فائق الدقة، بيحلل سرعة عربيتها، حالة الأسفلت المزحلق، وزوايا الرؤية في التقاطعات. الموضوع مكنش مجرد حادثة عابرة، دي كانت "نقلة العسكري" الأولى في رقعة الشطرنج اللي هتحدد مسار اللعبة كلها. كان محتاج خبطة قوية كفاية عشان تجبرها تقف وتنزل من عربيتها، وفي نفس الوقت خفيفة كفاية عشان يضمن إنها متتخدش خدش واحد... لسه محتاجها عايشة عشان بقية فصول خطة الانتقام. في التقاطع اللي جاي، غالية هدت سرعتها شوية لأن الإشارة كانت هتقلب أحمر. ماجد ابتسم ببرود، نظرة عينيه كانت فاضية من أي روح. "دلوقتي." همست لنفسه. داس على دواسة البنزين فجأة، وكسر الدركسيون بمليمترات مدروسة، وبعدين كبس فرامل بقوة في آخر لحظة عشان يخلي عربيته تزحف على الأسفلت المبلول. صوت احتكاك الكاوتش... وبعده خ
المشهد الرابع : قبلة جليد الموتماجد في العتمة الباردة بتاعت شقته اللي كانت شبه القبر أكتر من كونها بيت، كان ماجد قاعد قدام مكتبه الخشب القديم. النور الضعيف اللي طالع من الأباجورة اللي جنبه يادوب كاسر سواد الأوضة، ونازل بخط أصفر على شوية صور وتقارير متنعكشة على المكتب. صور "غالية الغمري" كانت مالية المكان؛ غالية وهي خارجة من شركتها، غالية وهي واقفة في بلكونة بيتها، غالية بملامحها المرهقة وعينيها اللي شايلة حزن غامض. كان بيدرسها.. بيفكك تفاصيلها زي ما بيفكك بندقية القنص بتاعته. الخطة اللي راسمها قايمة على إنه يخترق حياتها، ينسج حواليها خيوط من الوهم، يخليها تقع في حبه وتأمنله على ضهرها، وبعدين... ينهي حياتها. صباعه وقف فوق صورة من صورها. سأل نفسه في هدوء مبيقطعهوش غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة: ياترى هقدر أعملها؟ هقدر أمثل الحب ببراعة تكفي إني أخدع ست ذكية وحذرة زيها؟ ابتسامة سخرية، باردة زي التلج، اترسمت على شفايفه. سحب درج المكتب التحتاني، ومد إيده في زاوية متدارية عشان يطلع ملف جلد قديم. فتحه بالراحة، وعدى الكام ورقة اللي في الأول لحد ما سحب قصاصة جرنال فرنساوي مصفرة،
المشهد الثالثأدهمالمُنافس الصامت في الدور التلاتين من ناطحة سحاب بتطل على النيل، كان مكتب "أدهم" أشبه بقلعة منعزلة فوق السحاب. الإزاز البانوراما كان بيعكس أضواء القاهرة اللي بتغسلها المطرة، بس جوه المكتب، مكنش فيه غير لغة الأرقام. على الشاشة الكبيرة المتعلقة على الحيطة، كانت مؤشرات البورصة بتنزل بأسهم حمرا زي الدم. سهم "مجموعة الغمري" - شركة غالية - كان بينهار بسرعة مرعبة بعد تسريب أخبار الأزمة المالية اللي سابها والدها. "أدهم بيه، دي فرصتنا اللي مستنيينها من سنين!"صوت "شريف"، مدير التطوير وصاحب أدهم المقرب، قطع الصمت اللي في المكتب. شريف كان واقف قدام الشاشة وعينيه بتلمع بطمع السوق المعتاد. "الشركة بتاعتهم بتنزف. لو دخلنا دلوقتي واشترينا أسهم الأغلبية من الباطن، هنقدر نستحوذ على الإمبراطورية اللي أبوك الله يرحمه قعد عمره كله يحاول يوقعها ومقدرش. الضربة دي هتخلينا ملوك السوق بلا منازع!" أدهم كان واقف مديهم ضهره، باصص للمطرة من ورا الإزاز. كان لابس بدلة كحلي متفصلة بالملي على جسمه الرياضي، وإيديه الاتنين في جيوب بنطلونه. ملامحه الرجولية الحادة كانت هادية جداً، بس من جواه كان
المشهد الثانيغاليةعِبء الإمبراطورية الاجتماع مكنش مجرد قعدة عمل، كان أقرب لساحة إعدام، والكل مستني يشوف مين اللي هيلف حبل المشنقة حوالين رقبة التاني. ترابيزة الاجتماعات الطويلة اللي من خشب الماهوجني كانت بتعكس وشوش أعضاء مجلس الإدارة؛ رجالة كبار في السن، حيتان سوق بقالهم سنين بيسنوا سكاكينهم، وكلهم باصين لـ "غالية" بنظرات بتخلط بين الاستخفاف عشان سنها، والطمع في الكرسي اللي قاعدة عليه. غالية كانت قاعدة على رأس الترابيزة، ضهرها مفرود زي المسطرة، ملامحها متجمدة، وعينيها بتطق شرار وهي بتبص في الورق اللي قدامها. خبطت بملف تقيل على الترابيزة بصوت رن في الأوضة كلها، خلى كام واحد فيهم يتنفض من مكانه. "الأرقام دي مبتكدبش يا سادة!" صوتها طلع حاسم، قاطع زي السيف، مفيش فيه أي رعشة. "عجز في الميزانية يتخطى الملايين، حسابات وهمية، ومشاريع اتضخت فيها سيولة ملهاش أي ورق رسمي يثبت راحت فين. إحنا مش في أزمة... إحنا على وشك كارثة، والمصيبة إن كلكم كنتوا عارفين ومحدش فتح بقه طول ما والدي كان عايش!" واحد من الأعضاء الكبار، راجل أصلع بكرش ونظرات خبيثة، اتنحنح وقال بصوت بيحاول يبان فيه الحكمة:
رواية ظلام العاشق بقلم الكاتبة نور البشرى بعض الحكايات لا تحكي ولكنها تشرق في الظلام بدقات صادقة لم تكن الحياة يوما اختياره ولكنه اختار ولأول مرةحياته …..المشهد الأولماجدالمشهد الأول: عقد في الضلمةالأوضة مكنش فيها أي نور غير لمبة مكتب يتيمة، رامية دايرة ضوء أصفر باهت على ترابيزة خشب متهالكة، وسايبة باقي المكان غرقان في عتمة تخنق. ريحة الرطوبة مخلوطة بدخان سجاير محروق كانت مالية الجو، لايقة جداً على طبيعة الصفقات المشبوهة اللي بتتم في البدرومات المستخبية عن عيون المدينة.الناحية التانية من النور، كان قاعد الراجل المجهول. وشه مكنش باين، مجرد ضل تقيل وصوت مليان مرارة وحقد سنين. فجأة، إيد خفية طلعت من تحت البالطو الأسود بتاعه، وزقت ملف بني تخين على الترابيزة لحد ما وقف بالظبط على حرف دايرة النور.الضل اتكلم بصوت مبحوح، الكراهية بتنقط منه: "أبوها خد مني كل حاجة.. دمر إمبراطوريتي، وشتت عيلتي، ومات قبل ما أردله القلم قلمين. بس هو ساب وراه نقطة ضعفه الوحيدة.. ورثه المتدلع."على الجانب التاني من الترابيزة، كان قاعد ماجد.مفيش رمش واحد اتهز في وشه القاسي اللي عامل زي حتة الجرانيت.







