LOGINالمشهد الثاني
غالية
عِبء الإمبراطورية
الاجتماع مكنش مجرد قعدة عمل، كان أقرب لساحة إعدام، والكل مستني يشوف مين اللي هيلف حبل المشنقة حوالين رقبة التاني.
ترابيزة الاجتماعات الطويلة اللي من خشب الماهوجني كانت بتعكس وشوش أعضاء مجلس الإدارة؛ رجالة كبار في السن، حيتان سوق بقالهم سنين بيسنوا سكاكينهم، وكلهم باصين لـ "غالية" بنظرات بتخلط بين الاستخفاف عشان سنها، والطمع في الكرسي اللي قاعدة عليه.
غالية كانت قاعدة على رأس الترابيزة، ضهرها مفرود زي المسطرة، ملامحها متجمدة، وعينيها بتطق شرار وهي بتبص في الورق اللي قدامها. خبطت بملف تقيل على الترابيزة بصوت رن في الأوضة كلها، خلى كام واحد فيهم يتنفض من مكانه.
"الأرقام دي مبتكدبش يا سادة!" صوتها طلع حاسم، قاطع زي السيف، مفيش فيه أي رعشة. "عجز في الميزانية يتخطى الملايين، حسابات وهمية، ومشاريع اتضخت فيها سيولة ملهاش أي ورق رسمي يثبت راحت فين. إحنا مش في أزمة... إحنا على وشك كارثة، والمصيبة إن كلكم كنتوا عارفين ومحدش فتح بقه طول ما والدي كان عايش!"
واحد من الأعضاء الكبار، راجل أصلع بكرش ونظرات خبيثة، اتنحنح وقال بصوت بيحاول يبان فيه الحكمة: "يا بنتي.. أقصد يا بشمهندسة غالية، والدك الله يرحمه كان ليه طريقته في إدارة السوق. دي مجرد كبوة، وإحنا بخبرتنا نقدر..."
قاطعته غالية بحدة، وهي بتقف وتسند بإيديها الاتنين على الترابيزة، مقربة وشها منهم كأنها بتتحدام كلهم: "خبرتكم دي هي اللي وصلتنا للورطة دي! من النهاردة مفيش حاجة اسمها (طريقة والدي). الشركة دي بتاعتي دلوقتي، واللي خايف على فلوسه ومحفظته، الباب يفوت جمل. يقدم استقالته ويسحب أسهمه، بس اللي هيكمل معايا، هيمشي على مسطرتي... ومسطرتي مفيهاش تلاعب. الاجتماع انتهى!"
لمت ورقها بحركة سريعة، وادتلهم ضهرها قبل ما حد فيهم يلحق يرد. خرجت من أوضة الاجتماعات، وصوت كعبها العالي بيخبط في أرضية الممر الرخام بإيقاع سريع وعصبي. الموظفين والسكرتارية كانوا بيبعدوا عن طريقها وعينيهم في الأرض. في عيون الكل، هي "الإمبراطورة الحديدية"، البنت اللي استلمت إمبراطورية بتنهار ووقفتها على حيلها بأسنانها.
وصلت لمكتبها، زقت الباب القزاز التقيل، وأول ما الباب اتقفل وراها، وعزلها عن العالم اللي بره... القناع وقع.
كتافها المفرودة انحنت مرة واحدة كأن جاذبية الأرض تضاعفت. رمت الملف على المكتب العريض، ووقفت في نص الأوضة تتنفس بصعوبة، كأن الأكسجين خلص. قلعت جزمتها الكعب العالي اللي كانت بتعذبها طول اليوم، ومشت حافية على السجاد الغالي لحد ما وصلت للكرسي الجلد بتاع والدها.
قعدت عليه، لمت رجليها لصدرها زي طفلة تايهة، وبصت للوحة الكبيرة المتعلقة على الحيطة قدامها. صورة والدها. راجل بملامح قوية وابتسامة واثقة.
"ليه يا بابا؟" همست غالية بصوت مخنوق، والدموع اللي كانت حابساها بالعافية قدام مجلس الإدارة بدأت تتجمع في عينيها. "ليه سيبتلي كل الخراب ده؟ ليه خبيت عليا؟ كنت فاكراك السند والضهر، اكتشفت إنك سيبتلي حقل ألغام وطلبت مني أمشي فيه من غير خريطة."
الأزمة المالية مكنتش مجرد فلوس ضاعت؛ الأزمة الحقيقية كانت في الثقة اللي اتكسرت. غالية طول عمرها كانت بتشوف أبوها أسطورة، مثل أعلى مببيغلطش. لكن الورق اللي اكتشفته النهارده دمر الصورة دي. حسابات سرية، تحويلات لجهات مجهولة، عداوات هو صنعها وسابها هي تحاسب على مشاريبها. حست إنها متعرفش الراجل اللي في الصورة ده، وبدأت تسأل نفسها: "إيه كمان مخبيه عني؟ إيه الأسرار التانية اللي مدفونة في تاريخ الشركة دي؟"
لفت بالكرسي ناحية الإزاز البانوراما اللي كاشف المدينة كلها من فوق. السما كانت سودة، والمطر بدأ يخبط على الإزاز بعنف.
الوحدة. دي كانت أكتر حاجة بتنهش في روحها دلوقتي. الإمبراطورية دي كلها عبارة عن سجن من دهب. كل اللي حواليها يا إما بيطمعوا في فلوسها، يا إما بيستنوا اللحظة اللي هتقع فيها عشان ينهشوا لحمها. حتى العرسان اللي بيتقدمولها، مبتشوفش في عينيهم غير طمع في أسهم الشركة أو رغبة في السيطرة على "الوريثة".
سندت راسها على الإزاز البارد، وغمضت عينيها. "أنا تعبت.." قالتها بصوت طالع من أعمق حتة في قلبها. "نفسي في ضهر بجد. حد أقدر أرمي عليه همي من غير ما أخاف إنه يساومني بيه. حد ميبصليش على إني (غالية هانم صاحبة الشركات)، حد يشوف غالية البنت اللي بتخاف وبتتعب وبتحتاج تطبطب عليها."
التفكير كان بياكل في دماغها، وحست إن حيطان المكتب بتضيق عليها وتخنقها. التكييف كان شغال، بس هي كانت حاسة بكتمة رهيبة. بصت لساعتها، كانت داخلة على نص الليل. الموظفين كلهم مشيوا من بدري.
قررت إنها لازم تخرج. لازم تشم هوا نضيف بعيد عن ريحة الورق والفلوس والمؤامرات دي كلها.
لبست جزمتها، وراحت ناحية الشماعة. سحبت بالطو أسود طويل لبسته فوق طقم الشغل، وخدت شمسيتها السودة. مكنتش عايزة سواق، ولا عايزة حرس. كانت محتاجة تسوق عربيتها بنفسها، وتضيع في شوارع المدينة اللي بتغسلها المطرة، يمكن المطرة تغسل معاها شوية من الهم اللي على قلبها.
خرجت من باب الشركة الرئيسي. الهوا الساقع خبط في وشها أول ما الباب الدوار طلعها لبرة. وقفت على السلم ثواني، المطرة كانت شديدة، والشارع فاضي تماماً إلا من كام عربية مركونة بعيد.
انحنت كتافها من التعب الحقيقي، التعب اللي مبتسمحش لنفسها تبينه قدام حد. أخدت نفس طويل، تنهيدة شايلة وزن سنين من المسؤولية المبكرة، وطلعتها في الهوا البارد فعملت سحابة دخان بيضا.
فتحت شمسيتها، ونزلت السلالم بخطوات تقيلة ناحية عربيتها في الجراج المكشوف.
كانت بتبص في الأرض، غرقانة في دوامة أفكارها ومشاكلها، بتدور على أي بصيص أمان في حياتها الجاية. مكنتش تعرف، ومكنش ممكن تتخيل، إن الأمان اللي بتتمناه... أو بالأصح، الخطر اللي متخفي في صورة أمان، كان قاعد على بعد أمتار منها.
مكنتش تعرف إن في عربية غامقة مركونة في الضلمة، وفيها راجل عينيه مابتنزلش من عليها. راجل بيراقب كل حركة، كل تنهيدة، وكل خطوة بتخطيها. غالية كانت فاكرة نفسها وحيدة تماماً في الليلة دي، ومكنتش مدركة أبداً إنها بقت الهدف رقم واحد في حياة أكتر قاتل محترف عرفته المدينة.
فتحت باب عربيتها، وركبت، وقفلت على نفسها، وهي بتتحرك لعالمها المجهول... اللي "ماجد" كان مستنيها فيه.
لما راوية اترمت في حضنه وهي بتنهار، طبع بوسة باردة على راسها، وقالها بصوت هادي خبيث: "خلاص يا راوية.. اهدي. تعالي نضرب سوا الأول عشان نفوق، وبعدين نتكلم ونصفي كل حاجة." ماجد طول عمره، رغم كل قذارته وجرايمه، عمره ما شم ولا ضرب أي نوع من المخدرات. كان عنده رفض قاطع لأي حاجة ممكن تغيب عقله أو تخليه يفقد السيطرة على حواسه كقاتل محترف. بس في اللحظة دي، مثّل قدامها ببراعة. عمل خطين على الترابيزة الإزاز، عمل نفسه بيسحب الخط الأول وهو بيكتم نفسه وبيمسح مناخيره بسرعة، وبعدين شاورلها على الخط التاني. راوية، اللي كانت ملهوفة على الجرعة وملهوفة على رضاه، نزلت وسحبت الخط كله في ثانية وهي في حضنه، ساندة ضهرها على صدره. الثواني اللي بعدها كانت أبشع من أي فيلم رعب. بمجرد ما البودرة دخلت مجرى التنفس، جهازها المناعي انفجر. الحساسية المفرطة ضربت كل خلية في جسمها في جزء من الثانية. نفسها اتكتم فجأة كأن حد لف حبل مشنقة حوالين رقبتها. بدأت تكح بعنف مرعب، عينيها وسعت وجحظت برعب وهي بتحاول تسحب أي ذرة أكسجين مش لاقية. جسمها بدأ يتشنج في حضنه، الحنجرة قفلت تماماً، ولون وشها اللي كان أبيض، بدأ يقلب للأحم
يوم كمان عدى.. يوم جديد بيسحب وراه ديل من التوتر والقلق اللي بياكل في الأعصاب. شمس بتطلع وشمس بتغيب، والمافيا كأنها اتبخرت. مفيش رصاصة انضربت، مفيش رسالة تهديد وصلت، مفيش حتى حركة غريبة رصدتها كاميرات المراقبة اللي مالية فيلا الشيخ زايد. السكون كان مرعب، أثقل من أي هجوم مسلح.ماجد كان عارف كويس أوي إن السكوت ده مش استسلام.. دي "لعبة أعصاب". حرب نفسية قذرة من أقذر حروب العالم السفلي. هما عارفين إنه قاعد متأهب، حاطط إيده على الزناد، مستنيهم يغلطوا.. فقرروا يحبسوه جوه دماغه. يسيبوه ياكل في روحه لحد ما ينهار لوحده ويسلم، أو يغلط غلطة تكلفه حياته وحياة غالية.في صالة الفيلا الواسعة، كان قاعد على كنبة مريحة، حاطط اللاب توب بتاعه على رجله، فاتح شاشات مشفرة وأكواد بتجري قدام عينيه مبيفهمهاش غيره. وعلى بعد خطوتين منه، كانت "غالية" قاعدة على كرسيها المريح، حاطة اللاب توب بتاعها قدامها، غرقانة في شغلها ومراجعة شوية تصميمات للشركة بعد ما قررت تحاول ترجع لشغلها من البيت عشان متفكرش في الخوف. وجودها جنبه كان هو الحبل اللي رابط عقله بالدنيا، بس حتى الحبل ده مكنش قادر يمنع دماغه من إنها تغوص في بحر أ
ماجد وغالية لعنة البقاء (قبلة على خريطة الوجع) خيوط شمس الصبح كانت بتتسحب بخجل من ورا ستاير فيلا "الشيخ زايد". الليلة اللي فاتت مكنتش مجرد ليلة، دي كانت زلزال قلب كيان "ماجد". خبر حمل غالية كان زي وردة بيضا طلعت فجأة في نص مقبرة ضلمة. كان واقف قدام الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على الجنينة الفاضية، مدي ضهره للسرير. كان قالع التيشيرت بتاعه، وعضلات ضهره العريضة مشدودة كأنه شايل جبل على كتافه. كان باصص للفراغ، بس عقله كان شغال بأقصى سرعة بيحسب خطوات "الموت المزيف" اللي لازم ينفذه عشان يحمي الروح اللي بتتخلق جوه غالية. على السرير، غالية بدأت تفوق من النوم. فتحت عينيها ببطء، وابتسامة راضية اترسمت على شفايفها لما افتكرت إنها أخيراً هتبقى أم، وإن ماجد، الراجل اللي بيديها كل الأمان ده، هيكون أب لابنها. رفعت راسها من على المخدة، وشافته واقف قدام الشباك. ضوء الشمس الصافي كان ضارب في ضهره، ولأول مرة من يوم ما اتجوزوا، النور كان كاشف كل تفصيلة فيه. ظهر ماجد مكنش طبيعي. كان عبارة عن لوحة قاسية من العذاب. خريطة من الندوب المتداخلة؛ خطوط بيضا متعرجة وعميقة كأنها آثار كرباج قديم أكل من اللحم
تعميد الدم ماجد ماجد بلع ريقه بصعوبة في الحاضر، وشدد من حضنه لغالية كأنه بيستخبى فيها. إزاي وصلوا للمرحلة دي؟ إزاي الروح البشرية بتنسلخ وتتحول للكتلة الشيطانية دي؟الذاكرة مكنتش بترْحَم، سحبته لورا أكتر.. لليلة اللي اتخلق فيها "الشبحي" واتخلقت فيها "ليزا". ليلة تعميد الدم.في عالم الجريمة المنظمة، الولاء مبيثبتش بالكلام، ولا بوعود كدابة. الولاء بيثبت بقطع آخر عرق بينبض بالرحمة جوه قلبك.لما ماجد سافر فرنسا وهو عنده ٢٣ سنة، هربان من ماضيه وميت من جواه، اتلقفه "تايلور".. قاتل مأجور محترف، وأسطورة من أساطير المنظمة. تايلور كان بالنسبة لماجد "الأب الروحي"، دربه، علمه إزاي يمسك السلاح، إزاي يقتل من غير ما يسيب أثر، وإزاي يفصل عقله عن قلبه تماماً.تايلور كان متجوز "صوفيا"، ست عادية، رقيقة ومسالمة، عاشت مخدوعة سنين متعرفش حقيقة جوزها، لحد ما بنتهم "ليزا" كملت ١٣ سنة. يومها صوفيا اكتشفت الحقيقة المرعبة، شافت الدم اللي على إيدين جوزها، ومقدرتش تستحمل. النور اللي جواها انطفى من الرعب، هربت في نص الليل وسابت بنتها لجحيم أبوها. ومن يومها، ليزا كبرت وهي بتشرب القسوة والكره من تايلور، وبتتحول لنس
ماجد وليزا في عالم "الشبحي"، الجنون ملوش سقف، ومفيش قاع ممكن تنزل فيه وتقول إنك وصلت لأبشع حاجة. القذارة في العالم ده ملهاش نهاية، والروح البشرية بتنسلخ من أي ذرة رحمة لحد ما تتحول لكتلة من الغرائز الميتة والبرود المطلق.ولما ليزا، القاتلة المحترفة اللي بتجري في عروقها مية نار بدل الدم، قالت لماجد في شقتهم الباردة في باريس إنها حامل وإنها مش عايزة الطفل، ماجد بعقليته المبرمجة على السرية توقع إن الموضوع هينتهي في عيادة سرية تحت الأرض، أو عند طبيب فاسد بيعمل عمليات الإجهاض المشبوهة في الخبا، زي ما بيحصل دايماً في الدواير بتاعتهم.لكن ليزا تايلور كان ليها رأي تاني خالص.تاني يوم الصبح، تليفونه رن. صوتها كان طالع من السماعة مليان دلع غريب، دلع مريض ومخيف ميليقش بواحدة رايحة تنهي حياة حتة منها. قالتله بنبرة كأنها بتعزمه على سهرة:"ديفيد.. تعالى معايا. محضرة ليك حفلة صغيرة في الفيلا بتاعتي في نيس، قولت تيجي تقعد معايا وتسليني."ماجد ساق عربيته على طريق الساحل الفرنسي ناحية مدينة نيس. الشمس كانت بتلمع على سطح البحر المتوسط، والجو كان يدي إحساس بالحياة والجمال، لكن جوه عربيته وجوه صدره كان ف
لعنة الماضي كانت غرفة النوم غرقانة في هدوء مريح، هدوء بيشبه الجنة اللي ماجد لطالما اعتقد إنه محرم عليه دخولها. نور الأباجورة الخافت كان بيرمي ظلال دافية على الحيطان، وصوت أنفاس "غالية" المنتظمة كان هو المزيكا الوحيدة اللي بتلعب في المكان. كانت نايمة في حضنه، ساندة راسها على صدره العريض، ووشها الصافي المريح خالي من أي هموم، كأنها طفلة لقت أمانها الوحيد بين دراعاته. إيده كانت محاوطة كتفها، وإيده التانية كانت مستقرة بخفة وحذر شديد على بطنها.. المكان اللي شايل حتة منه، طفله اللي بيتكون في النور بعيد عن مستنقع الدم اللي عاش فيه. بس ماجد مكنش نايم. عينيه كانت مفتوحة على آخرها، بتبص للسقف في صمت مرعب.رغم الدفا اللي مالي الأوضة، ورغم ريحة الياسمين اللي بتفوح من شعر غالية وبتطمن كل ذرة في كيانه، كان في برد قاسي بيزحف جوه عروقه. برد ملوش علاقة بالطقس، لكنه برد الذاكرة. كل ما يبص لبطن غالية ويحس بنبض الحياة اللي جواها، عقله كان بيسحبه غصب عنه لزمن تاني، ولست تانية، ولنسخة من نفسه بيتمنى لو يقدر يحرقها ويطير رمادها في الهوا.في لحظة، ريحة الياسمين اختفت من مناخيره، وحلت مكانها ريحة تانية خالص







