LOGINالمشهد الرابع : قبلة جليد الموت
ماجد
في العتمة الباردة بتاعت شقته اللي كانت شبه القبر أكتر من كونها بيت، كان ماجد قاعد قدام مكتبه الخشب القديم. النور الضعيف اللي طالع من الأباجورة اللي جنبه يادوب كاسر سواد الأوضة، ونازل بخط أصفر على شوية صور وتقارير متنعكشة على المكتب. صور "غالية الغمري" كانت مالية المكان؛ غالية وهي خارجة من شركتها، غالية وهي واقفة في بلكونة بيتها، غالية بملامحها المرهقة وعينيها اللي شايلة حزن غامض.
كان بيدرسها.. بيفكك تفاصيلها زي ما بيفكك بندقية القنص بتاعته. الخطة اللي راسمها قايمة على إنه يخترق حياتها، ينسج حواليها خيوط من الوهم، يخليها تقع في حبه وتأمنله على ضهرها، وبعدين... ينهي حياتها.
صباعه وقف فوق صورة من صورها. سأل نفسه في هدوء مبيقطعهوش غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة: ياترى هقدر أعملها؟ هقدر أمثل الحب ببراعة تكفي إني أخدع ست ذكية وحذرة زيها؟
ابتسامة سخرية، باردة زي التلج، اترسمت على شفايفه. سحب درج المكتب التحتاني، ومد إيده في زاوية متدارية عشان يطلع ملف جلد قديم. فتحه بالراحة، وعدى الكام ورقة اللي في الأول لحد ما سحب قصاصة جرنال فرنساوي مصفرة، فات عليها أكتر من سنة ونص.
المانشيت العريض بالبنط الأسود كان بيصرخ: "مصرع سيدة الأعمال الشابة نسرينا الوكيل في حادث أليم بعد سقوط عربيتها من منحدر جبلي في جبال الألب."
تحت العنوان، كانت في صورة لبنت آية في الجمال. "نسرينا".. البنت اللي شعرها قصير زي الولاد، بملامحها المتمردة، وعينيها اللي كانت بتلمع بالغرور وحب الحياة. ماجد مشى صباعه السبابة على صورتها، محسش بأي نغزة ندم، ولا حتى جفنه رَف. كان بيبصلها زي ما النجار بيبص لحتة خشب حولها لتراب.
عقله اتسحب في دوامة الذكريات، ورجع بالزمن لورا... لهناك، للمكان اللي بدأ فيه كل حاجة.
(قبل سنة ونص - فلاش باك)
التكليف كان واضح، والمبلغ المدفوع خيالي. العميل مكنش حد غريب، كان عم "نسرينا"، الراجل اللي كان عايز يكوش على إمبراطورية العيلة كلها، وبنت أخوه المتمردة كانت العقبة الوحيدة في طريقه. الشرط الوحيد للعملية كان صارم: لازم تبان كأنها حادثة موت طبيعي أو قضاء وقدر. ممنوع الرصاص، ممنوع السموم العادية، ممنوع الطعنات.
ماجد درس هدفه كويس أوي. نسرينا مكنتش بنت عادية؛ كانت جامحة، بتعشق الأدرينالين، بتزهق من الرجالة بسرعة، ودايماً بتدور على الخطر. ماجد فهم إن السلاح الوحيد عشان يقتلها من غير ما يثير الشبهات هو "الحب". الحب اللي هيعميها، ويخليها تسلمله رقبتها بمزاجها.
بدأ ماجد يرمي شباكه. مظهرلهاش في صورة الشاب التقليدي اللي هيموت عليها، بالعكس، ظهر كأنه "تحدي". اتعمد يتجاهلها في الحفلات الهاي كلاس اللي كانت بتروحها، كان بيبصلها بنظرات باردة بتخترق غرورها، وده اللي استفز أنوثتها وخلاها هي اللي تقرب. ولما قربت، اتحول لحرباية بتتشكل على هيئة كل حاجة هي بتتمناها.
لعب دور العاشق الغامض المثقف، الراجل اللي فاهم تمردها ومش بيحاول يروضها. شاركها جنونها، نط معاها بالباراشوت، غطس معاها في المحيطات، وكان بيهمسلها بكلمات عشق بالفرنساوي اللي هي بتعشقه، كلمات كانت بتخرج من شفايفه سخنة ومولعة، في حين إن قلبه من جوه كان حتة تلج.
ماجد فاكر كويس إزاي كانت بتبصله بعد شهر واحد بس من معرفتهم. النظرة المخطوفة دي، عينيها اللي بتلمع بالوله، والابتسامة اللي بتترسم على وشها أول ما تسمع صوته. كانت بتحبه بجنون، كانت بتدوب بين إيديه، بتحكيله كل أسرارها ومخاوفها، وبتعيط على صدره كأنها طفلة. وهو؟ لمساتها مكنتش بتحرك فيه خلية واحدة. مكنش بيشوف في شعرها القصير غير "الهدف"، ومكنش بيشوف في عينيها الحلوة غير العد التنازلي لنهاية المهمة. كان بيمثل ببراعة شيطانية مرعبة، بيقلد المشاعر البشرية من غير ما يحس بـ ذرة منها.
وبعدين جت اللحظة الحاسمة. رحلة سرية لفرنسا، أقنعها بيها عشان يكونوا بعيد عن عيون العيلة والصحافة.
في الليلة دي، اللي كان البرد فيها بيقص المسمار، ساق ماجد العربية الرياضية الفخمة وطالع بيها في الطرق المتعرجة بتاعة جبال الألب. التلج كان مغطي قمم الجبال، والسكون لافف الدنيا من حواليهم. اختار مكان مقطوع تماماً، نقطة عمياء لا فيها كاميرات ولا بتعدي منها عربيات إلا فين وفين. وقف العربية على حافة جرف عالي، بيبص على وادي عميق غرقان في الضلمة.
نسرينا كانت قاعدة جنبه في كرسي اللي جنب السواق، لافة نفسها بالبالطو الفرو بتاعها، وعينيها مبرقة من الانبهار بجمال المنظر وقسوة الطبيعة. لفت وشها ناحيته، خدودها كانت محمرة من كتر البرد، وابتسامتها شايلة كل العشق اللي ممكن ست تشيله لراجل.
"المكان ده سحر يا ماجد.. حاسة كأننا لوحدنا في العالم ده،" همست نسرينا بصوت بيرتعش شوية من البرد والمشاعر.
ابتسملها ماجد ابتسامته الساحرة المعتادة. "إحنا فعلاً لوحدنا.. أنتي وأنا وبس."
مد إيده اليمين عشان يملس على خصلات شعرها القصير، ولمس خدها بحنية رهيبة. نسرينا غمضت عينيها مستمتعة بلمسته، وسندت براسها على كف إيده في استسلام تام. وفي اللحظة دي، في الوقت اللي كانت إيده اليمين بتديها الدفا والأمان، إيده الشمال، اللي كانت متدارية في جيب بالطوه الأسود الطويل، كانت بتتحرك بآلية صامتة ومميتة.
سحب من جيبه حقنة طبية صغيرة، مجهزها من قبلها. مكنش فيها سم، دي كانت أداة اغتيال مثالية مابتسيبش أي أثر في تقارير الطب الشرعي؛ حقنة مليانة "هوا". مجرد فقاعة هوا صغيرة في الوريد الرئيسي كفيلة إنها تعمل جلطة هوائية سريعة، توقف عضلة القلب في ثواني ويبان الموضوع كأنه سكتة قلبية مفاجئة.
خبى الحقنة ببراعة في كف إيده الشمال، وقرب منها أكتر. نسرينا حوطت رقبته بإيديها، واتنفست ريحة البيرفيوم بتاعه. بصلها في عينيها بنظرة بانتلها مليانة شغف، لكنها في الحقيقة كانت فاضية من كل حاجة.
مال عليها، وطبع على شفايفها بوسة فرنساوي جامحة، بوسة كلها شغف، عميقة ومولعة. نسرينا اتنهدت في حضنه، فقدت إحساسها بالزمان والمكان، ريحت راسها لورا على مسند الكرسي، وسلمتله روحها بالكامل في لحظة ذروة عاطفية معشتش زيها في حياتها.
وفي عز ما شفايفهم كانت ملتحمة، وفي اللحظة اللي وصلت فيها نشوتها وثقتها فيه لأقصى درجاتها.. إيد ماجد الشمال اتحركت زي لدغة التعبان.
حدد وريد رقبتها البارز بدقة جراح محترف، وبحركة سريعة، صلبة، مفهاش ريحة التردد، غرز سن الإبرة الرفيع في رقبتها، وضغط على المكبس عشان يضخ الهوا القاتل مباشر في مجرى دمها.
نسرينا شهقت شهقة مكتومة جوه بقه. عينيها وسعت فجأة برعب وصدمة ماتتوصفش. عضلات جسمها اتشنجت بعنف، إيديها اللي كانت حاضنة رقبته حاولت تزقه وتبعده، بس هو ثبتها بقوة مرعبة، وهو لسه محتفظ ببروده الجليدي.
راقبها من مسافة صفر. شاف الجلطة الهوائية وهي بتضرب قلبها. شاف ملامحها الحلوة وهي بتتشوه من الوجع والاختناق الداخلي. شاف نظرة الكسرة، عدم الفهم، والخذلان المطلق في عينيها وهي بتبصله في ثوانيها الأخيرة. مبربش.. متهزش.. مبعدش وشه. فضل باصص للنور وهو بيطفي في عينيها بالبطيء، لحد ما دراعاتها نزلت بضعف، وجسمها ارتخى تماماً، وفارقت الحياة.
سحب الحقنة من رقبتها، ومسح نقطة الدم الصغيرة أوي اللي سابتها الإبرة. اتأمل وشها الباهت اللي مفيهوش حياة لثواني. مكنتش بالنسبة له حبيبة ماتت بين إيديه، كانت مجرد "مهمة خلصت بنجاح".
نزل من العربية بهدوء تام. الجو كان تلج، وهوا الجبل بيعوي حواليه. لف حوالين العربية، فتح الباب اللي جنبها، وسحب جثتها عشان يقعدها مكان السواق. حط إيديها الباردة على الدريكسيون. فتح الشباك سنة بسيطة. مد إيده للفتيس وحركه ببرود، وبعدين رفع فرامل اليد مؤقتاً.
خرج من العربية، ووقف وراها. زق العربية بقوة، فنزل فرامل اليد، وبدأت العربية تندفع بالبطيء ناحية حافة الجرف السحيق.
مخافش، ولا جري، ولا حتى بعد. وقف على الحافة بالظبط، حط إيديه في جيوب البالطو، وراقب العربية وهي بتقع في الهاوية الضلمة. ثواني من الصمت المرعب، بعدها صوت خبطة فظيعة في الصخور اللي تحت، وبعدين كورة نار ضخمة ودخان طلعت من قاع الوادي، نورت وش ماجد البارد، وانعكست نارها في عينيه الميتة.
اتأكد إن كل حاجة اتحرقت. لف بالبطيء، وبدأ يمشي في طريق الرجوع الطويل وسط الجبل، وكأنه كان في تمشية مسائية وخلصت. الحادثة اتسجلت بعد كده كحادث سير مأساوي بسبب إن سيدة الأعمال فقدت السيطرة على الدريكسيون، وممكن تكون جاتلها أزمة قلبية من الخوف قبل ما تقع. العم استلم إمبراطوريته، وماجد استلم ملايينه في حسابات متأمنة، ونسرينا الوكيل اتمسحت من الوجود، ومن ذاكرته.
(الرجوع للحاضر)
ماجد طبق قصاصة الجرنال المصفرة بالراحة، ورجعها جوه الملف الجلد، وقفل الدرج بالمفتاح.
أخد نفس عميق من سيجارته، ونفخ الدخان التقيل في هوا الأوضة المكتوم. نقل عينيه تاني للصور المتنعكشة بتاعت "غالية الغمري".
ابتسم لنفسه بسخرية من الشكوك العبيطة اللي جاتله من شوية. ليه افتكر للحظة إنه ممكن يفشل؟ الحب ده مجرد تفاعل كيميائي في دماغ الضحية، وهو كيميائي محترف بيعرف إزاي يخلط المقادير ببراعة عشان يخلق الوهم المثالي.
تمتم بصوت واطي وأجش، وكأنه بيلقي تعويذة الموت على الصورة: "الستات كلهم شبه بعض يا غالية.. بيدوروا على الأمان في عالم يخوف، وأنا بعرف ألبس قناع الأمان كويس. هكونلك كل اللي بتتمنيه، هخليكي تتنفسي بوجودي، هخليكي تفتحيلي أبواب حصنك العالي بمزاجك.. وفي اللحظة اللي هتحطي فيها راسك على صدري وتغمضي عينيكي متطمنة، هكون أنا نهايتك المكتوبة."
طفى سيجارته في الطفاية القزاز بحركة قاطعة.
"تمثيل الحب عليكي هيكون أسهل من شرب الماية. أنا الآلة.. والآلة مابتضعفش، ومابتحسش، ومابتقعش في الفخ."
قالها بثقة مطلقة، ويقين مفيش بعده. مكنش يعرف في اللحظة الضلمة دي في شقته، إن القدر كان واقف في الزاوية بيضحك بسخرية من كلامه. مكنش يعرف إن جبل التلج اللي ساكن صدره، واللي صمد قدام جمال وجنون نسرينا وألف ضحية غيرها، هيدوب تماماً قدام نظرة واحدة حقيقية من عيون غالية. مكنش يعرف إنه المرة دي، هو اللي هيشرب من كاس الحب المسموم، وإن البوسة الجاية، مش هتقتل غالية... دي هتبعثه هو حي، عشان يموت بعدها ألف مرة.
لما راوية اترمت في حضنه وهي بتنهار، طبع بوسة باردة على راسها، وقالها بصوت هادي خبيث: "خلاص يا راوية.. اهدي. تعالي نضرب سوا الأول عشان نفوق، وبعدين نتكلم ونصفي كل حاجة." ماجد طول عمره، رغم كل قذارته وجرايمه، عمره ما شم ولا ضرب أي نوع من المخدرات. كان عنده رفض قاطع لأي حاجة ممكن تغيب عقله أو تخليه يفقد السيطرة على حواسه كقاتل محترف. بس في اللحظة دي، مثّل قدامها ببراعة. عمل خطين على الترابيزة الإزاز، عمل نفسه بيسحب الخط الأول وهو بيكتم نفسه وبيمسح مناخيره بسرعة، وبعدين شاورلها على الخط التاني. راوية، اللي كانت ملهوفة على الجرعة وملهوفة على رضاه، نزلت وسحبت الخط كله في ثانية وهي في حضنه، ساندة ضهرها على صدره. الثواني اللي بعدها كانت أبشع من أي فيلم رعب. بمجرد ما البودرة دخلت مجرى التنفس، جهازها المناعي انفجر. الحساسية المفرطة ضربت كل خلية في جسمها في جزء من الثانية. نفسها اتكتم فجأة كأن حد لف حبل مشنقة حوالين رقبتها. بدأت تكح بعنف مرعب، عينيها وسعت وجحظت برعب وهي بتحاول تسحب أي ذرة أكسجين مش لاقية. جسمها بدأ يتشنج في حضنه، الحنجرة قفلت تماماً، ولون وشها اللي كان أبيض، بدأ يقلب للأحم
يوم كمان عدى.. يوم جديد بيسحب وراه ديل من التوتر والقلق اللي بياكل في الأعصاب. شمس بتطلع وشمس بتغيب، والمافيا كأنها اتبخرت. مفيش رصاصة انضربت، مفيش رسالة تهديد وصلت، مفيش حتى حركة غريبة رصدتها كاميرات المراقبة اللي مالية فيلا الشيخ زايد. السكون كان مرعب، أثقل من أي هجوم مسلح.ماجد كان عارف كويس أوي إن السكوت ده مش استسلام.. دي "لعبة أعصاب". حرب نفسية قذرة من أقذر حروب العالم السفلي. هما عارفين إنه قاعد متأهب، حاطط إيده على الزناد، مستنيهم يغلطوا.. فقرروا يحبسوه جوه دماغه. يسيبوه ياكل في روحه لحد ما ينهار لوحده ويسلم، أو يغلط غلطة تكلفه حياته وحياة غالية.في صالة الفيلا الواسعة، كان قاعد على كنبة مريحة، حاطط اللاب توب بتاعه على رجله، فاتح شاشات مشفرة وأكواد بتجري قدام عينيه مبيفهمهاش غيره. وعلى بعد خطوتين منه، كانت "غالية" قاعدة على كرسيها المريح، حاطة اللاب توب بتاعها قدامها، غرقانة في شغلها ومراجعة شوية تصميمات للشركة بعد ما قررت تحاول ترجع لشغلها من البيت عشان متفكرش في الخوف. وجودها جنبه كان هو الحبل اللي رابط عقله بالدنيا، بس حتى الحبل ده مكنش قادر يمنع دماغه من إنها تغوص في بحر أ
ماجد وغالية لعنة البقاء (قبلة على خريطة الوجع) خيوط شمس الصبح كانت بتتسحب بخجل من ورا ستاير فيلا "الشيخ زايد". الليلة اللي فاتت مكنتش مجرد ليلة، دي كانت زلزال قلب كيان "ماجد". خبر حمل غالية كان زي وردة بيضا طلعت فجأة في نص مقبرة ضلمة. كان واقف قدام الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على الجنينة الفاضية، مدي ضهره للسرير. كان قالع التيشيرت بتاعه، وعضلات ضهره العريضة مشدودة كأنه شايل جبل على كتافه. كان باصص للفراغ، بس عقله كان شغال بأقصى سرعة بيحسب خطوات "الموت المزيف" اللي لازم ينفذه عشان يحمي الروح اللي بتتخلق جوه غالية. على السرير، غالية بدأت تفوق من النوم. فتحت عينيها ببطء، وابتسامة راضية اترسمت على شفايفها لما افتكرت إنها أخيراً هتبقى أم، وإن ماجد، الراجل اللي بيديها كل الأمان ده، هيكون أب لابنها. رفعت راسها من على المخدة، وشافته واقف قدام الشباك. ضوء الشمس الصافي كان ضارب في ضهره، ولأول مرة من يوم ما اتجوزوا، النور كان كاشف كل تفصيلة فيه. ظهر ماجد مكنش طبيعي. كان عبارة عن لوحة قاسية من العذاب. خريطة من الندوب المتداخلة؛ خطوط بيضا متعرجة وعميقة كأنها آثار كرباج قديم أكل من اللحم
تعميد الدم ماجد ماجد بلع ريقه بصعوبة في الحاضر، وشدد من حضنه لغالية كأنه بيستخبى فيها. إزاي وصلوا للمرحلة دي؟ إزاي الروح البشرية بتنسلخ وتتحول للكتلة الشيطانية دي؟الذاكرة مكنتش بترْحَم، سحبته لورا أكتر.. لليلة اللي اتخلق فيها "الشبحي" واتخلقت فيها "ليزا". ليلة تعميد الدم.في عالم الجريمة المنظمة، الولاء مبيثبتش بالكلام، ولا بوعود كدابة. الولاء بيثبت بقطع آخر عرق بينبض بالرحمة جوه قلبك.لما ماجد سافر فرنسا وهو عنده ٢٣ سنة، هربان من ماضيه وميت من جواه، اتلقفه "تايلور".. قاتل مأجور محترف، وأسطورة من أساطير المنظمة. تايلور كان بالنسبة لماجد "الأب الروحي"، دربه، علمه إزاي يمسك السلاح، إزاي يقتل من غير ما يسيب أثر، وإزاي يفصل عقله عن قلبه تماماً.تايلور كان متجوز "صوفيا"، ست عادية، رقيقة ومسالمة، عاشت مخدوعة سنين متعرفش حقيقة جوزها، لحد ما بنتهم "ليزا" كملت ١٣ سنة. يومها صوفيا اكتشفت الحقيقة المرعبة، شافت الدم اللي على إيدين جوزها، ومقدرتش تستحمل. النور اللي جواها انطفى من الرعب، هربت في نص الليل وسابت بنتها لجحيم أبوها. ومن يومها، ليزا كبرت وهي بتشرب القسوة والكره من تايلور، وبتتحول لنس
ماجد وليزا في عالم "الشبحي"، الجنون ملوش سقف، ومفيش قاع ممكن تنزل فيه وتقول إنك وصلت لأبشع حاجة. القذارة في العالم ده ملهاش نهاية، والروح البشرية بتنسلخ من أي ذرة رحمة لحد ما تتحول لكتلة من الغرائز الميتة والبرود المطلق.ولما ليزا، القاتلة المحترفة اللي بتجري في عروقها مية نار بدل الدم، قالت لماجد في شقتهم الباردة في باريس إنها حامل وإنها مش عايزة الطفل، ماجد بعقليته المبرمجة على السرية توقع إن الموضوع هينتهي في عيادة سرية تحت الأرض، أو عند طبيب فاسد بيعمل عمليات الإجهاض المشبوهة في الخبا، زي ما بيحصل دايماً في الدواير بتاعتهم.لكن ليزا تايلور كان ليها رأي تاني خالص.تاني يوم الصبح، تليفونه رن. صوتها كان طالع من السماعة مليان دلع غريب، دلع مريض ومخيف ميليقش بواحدة رايحة تنهي حياة حتة منها. قالتله بنبرة كأنها بتعزمه على سهرة:"ديفيد.. تعالى معايا. محضرة ليك حفلة صغيرة في الفيلا بتاعتي في نيس، قولت تيجي تقعد معايا وتسليني."ماجد ساق عربيته على طريق الساحل الفرنسي ناحية مدينة نيس. الشمس كانت بتلمع على سطح البحر المتوسط، والجو كان يدي إحساس بالحياة والجمال، لكن جوه عربيته وجوه صدره كان ف
لعنة الماضي كانت غرفة النوم غرقانة في هدوء مريح، هدوء بيشبه الجنة اللي ماجد لطالما اعتقد إنه محرم عليه دخولها. نور الأباجورة الخافت كان بيرمي ظلال دافية على الحيطان، وصوت أنفاس "غالية" المنتظمة كان هو المزيكا الوحيدة اللي بتلعب في المكان. كانت نايمة في حضنه، ساندة راسها على صدره العريض، ووشها الصافي المريح خالي من أي هموم، كأنها طفلة لقت أمانها الوحيد بين دراعاته. إيده كانت محاوطة كتفها، وإيده التانية كانت مستقرة بخفة وحذر شديد على بطنها.. المكان اللي شايل حتة منه، طفله اللي بيتكون في النور بعيد عن مستنقع الدم اللي عاش فيه. بس ماجد مكنش نايم. عينيه كانت مفتوحة على آخرها، بتبص للسقف في صمت مرعب.رغم الدفا اللي مالي الأوضة، ورغم ريحة الياسمين اللي بتفوح من شعر غالية وبتطمن كل ذرة في كيانه، كان في برد قاسي بيزحف جوه عروقه. برد ملوش علاقة بالطقس، لكنه برد الذاكرة. كل ما يبص لبطن غالية ويحس بنبض الحياة اللي جواها، عقله كان بيسحبه غصب عنه لزمن تاني، ولست تانية، ولنسخة من نفسه بيتمنى لو يقدر يحرقها ويطير رمادها في الهوا.في لحظة، ريحة الياسمين اختفت من مناخيره، وحلت مكانها ريحة تانية خالص







