Home / الرومانسية / رواية ظلام العاشق / الحلقة الرابعة ... قبلة جليد الموت

Share

الحلقة الرابعة ... قبلة جليد الموت

last update publish date: 2026-09-09 06:46:22

المشهد الرابع : قبلة جليد الموت

ماجد  

في العتمة الباردة بتاعت شقته اللي كانت شبه القبر أكتر من كونها بيت، كان ماجد قاعد قدام مكتبه الخشب القديم. النور الضعيف اللي طالع من الأباجورة اللي جنبه يادوب كاسر سواد الأوضة، ونازل بخط أصفر على شوية صور وتقارير متنعكشة على المكتب. صور "غالية الغمري" كانت مالية المكان؛ غالية وهي خارجة من شركتها، غالية وهي واقفة في بلكونة بيتها، غالية بملامحها المرهقة وعينيها اللي شايلة حزن غامض.  

كان بيدرسها.. بيفكك تفاصيلها زي ما بيفكك بندقية القنص بتاعته. الخطة اللي راسمها قايمة على إنه يخترق حياتها، ينسج حواليها خيوط من الوهم، يخليها تقع في حبه وتأمنله على ضهرها، وبعدين... ينهي حياتها.  

صباعه وقف فوق صورة من صورها. سأل نفسه في هدوء مبيقطعهوش غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة: ياترى هقدر أعملها؟ هقدر أمثل الحب ببراعة تكفي إني أخدع ست ذكية وحذرة زيها؟  

ابتسامة سخرية، باردة زي التلج، اترسمت على شفايفه. سحب درج المكتب التحتاني، ومد إيده في زاوية متدارية عشان يطلع ملف جلد قديم. فتحه بالراحة، وعدى الكام ورقة اللي في الأول لحد ما سحب قصاصة جرنال فرنساوي مصفرة، فات عليها أكتر من سنة ونص.  

المانشيت العريض بالبنط الأسود كان بيصرخ: "مصرع سيدة الأعمال الشابة نسرينا الوكيل في حادث أليم بعد سقوط عربيتها من منحدر جبلي في جبال الألب."  

تحت العنوان، كانت في صورة لبنت آية في الجمال. "نسرينا".. البنت اللي شعرها قصير زي الولاد، بملامحها المتمردة، وعينيها اللي كانت بتلمع بالغرور وحب الحياة. ماجد مشى صباعه السبابة على صورتها، محسش بأي نغزة ندم، ولا حتى جفنه رَف. كان بيبصلها زي ما النجار بيبص لحتة خشب حولها لتراب.  

عقله اتسحب في دوامة الذكريات، ورجع بالزمن لورا... لهناك، للمكان اللي بدأ فيه كل حاجة.  

(قبل سنة ونص - فلاش باك)  

التكليف كان واضح، والمبلغ المدفوع خيالي. العميل مكنش حد غريب، كان عم "نسرينا"، الراجل اللي كان عايز يكوش على إمبراطورية العيلة كلها، وبنت أخوه المتمردة كانت العقبة الوحيدة في طريقه. الشرط الوحيد للعملية كان صارم: لازم تبان كأنها حادثة موت طبيعي أو قضاء وقدر. ممنوع الرصاص، ممنوع السموم العادية، ممنوع الطعنات.  

ماجد درس هدفه كويس أوي. نسرينا مكنتش بنت عادية؛ كانت جامحة، بتعشق الأدرينالين، بتزهق من الرجالة بسرعة، ودايماً بتدور على الخطر. ماجد فهم إن السلاح الوحيد عشان يقتلها من غير ما يثير الشبهات هو "الحب". الحب اللي هيعميها، ويخليها تسلمله رقبتها بمزاجها.  

بدأ ماجد يرمي شباكه. مظهرلهاش في صورة الشاب التقليدي اللي هيموت عليها، بالعكس، ظهر كأنه "تحدي". اتعمد يتجاهلها في الحفلات الهاي كلاس اللي كانت بتروحها، كان بيبصلها بنظرات باردة بتخترق غرورها، وده اللي استفز أنوثتها وخلاها هي اللي تقرب. ولما قربت، اتحول لحرباية بتتشكل على هيئة كل حاجة هي بتتمناها.  

لعب دور العاشق الغامض المثقف، الراجل اللي فاهم تمردها ومش بيحاول يروضها. شاركها جنونها، نط معاها بالباراشوت، غطس معاها في المحيطات، وكان بيهمسلها بكلمات عشق بالفرنساوي اللي هي بتعشقه، كلمات كانت بتخرج من شفايفه سخنة ومولعة، في حين إن قلبه من جوه كان حتة تلج.  

ماجد فاكر كويس إزاي كانت بتبصله بعد شهر واحد بس من معرفتهم. النظرة المخطوفة دي، عينيها اللي بتلمع بالوله، والابتسامة اللي بتترسم على وشها أول ما تسمع صوته. كانت بتحبه بجنون، كانت بتدوب بين إيديه، بتحكيله كل أسرارها ومخاوفها، وبتعيط على صدره كأنها طفلة. وهو؟ لمساتها مكنتش بتحرك فيه خلية واحدة. مكنش بيشوف في شعرها القصير غير "الهدف"، ومكنش بيشوف في عينيها الحلوة غير العد التنازلي لنهاية المهمة. كان بيمثل ببراعة شيطانية مرعبة، بيقلد المشاعر البشرية من غير ما يحس بـ ذرة منها.  

وبعدين جت اللحظة الحاسمة. رحلة سرية لفرنسا، أقنعها بيها عشان يكونوا بعيد عن عيون العيلة والصحافة.  

في الليلة دي، اللي كان البرد فيها بيقص المسمار، ساق ماجد العربية الرياضية الفخمة وطالع بيها في الطرق المتعرجة بتاعة جبال الألب. التلج كان مغطي قمم الجبال، والسكون لافف الدنيا من حواليهم. اختار مكان مقطوع تماماً، نقطة عمياء لا فيها كاميرات ولا بتعدي منها عربيات إلا فين وفين. وقف العربية على حافة جرف عالي، بيبص على وادي عميق غرقان في الضلمة.  

نسرينا كانت قاعدة جنبه في كرسي اللي جنب السواق، لافة نفسها بالبالطو الفرو بتاعها، وعينيها مبرقة من الانبهار بجمال المنظر وقسوة الطبيعة. لفت وشها ناحيته، خدودها كانت محمرة من كتر البرد، وابتسامتها شايلة كل العشق اللي ممكن ست تشيله لراجل.  

"المكان ده سحر يا ماجد.. حاسة كأننا لوحدنا في العالم ده،" همست نسرينا بصوت بيرتعش شوية من البرد والمشاعر.  

ابتسملها ماجد ابتسامته الساحرة المعتادة. "إحنا فعلاً لوحدنا.. أنتي وأنا وبس."  

مد إيده اليمين عشان يملس على خصلات شعرها القصير، ولمس خدها بحنية رهيبة. نسرينا غمضت عينيها مستمتعة بلمسته، وسندت براسها على كف إيده في استسلام تام. وفي اللحظة دي، في الوقت اللي كانت إيده اليمين بتديها الدفا والأمان، إيده الشمال، اللي كانت متدارية في جيب بالطوه الأسود الطويل، كانت بتتحرك بآلية صامتة ومميتة.  

سحب من جيبه حقنة طبية صغيرة، مجهزها من قبلها. مكنش فيها سم، دي كانت أداة اغتيال مثالية مابتسيبش أي أثر في تقارير الطب الشرعي؛ حقنة مليانة "هوا". مجرد فقاعة هوا صغيرة في الوريد الرئيسي كفيلة إنها تعمل جلطة هوائية سريعة، توقف عضلة القلب في ثواني ويبان الموضوع كأنه سكتة قلبية مفاجئة.  

خبى الحقنة ببراعة في كف إيده الشمال، وقرب منها أكتر. نسرينا حوطت رقبته بإيديها، واتنفست ريحة البيرفيوم بتاعه. بصلها في عينيها بنظرة بانتلها مليانة شغف، لكنها في الحقيقة كانت فاضية من كل حاجة.  

مال عليها، وطبع على شفايفها بوسة فرنساوي جامحة، بوسة كلها شغف، عميقة ومولعة. نسرينا اتنهدت في حضنه، فقدت إحساسها بالزمان والمكان، ريحت راسها لورا على مسند الكرسي، وسلمتله روحها بالكامل في لحظة ذروة عاطفية معشتش زيها في حياتها.  

وفي عز ما شفايفهم كانت ملتحمة، وفي اللحظة اللي وصلت فيها نشوتها وثقتها فيه لأقصى درجاتها.. إيد ماجد الشمال اتحركت زي لدغة التعبان.  

حدد وريد رقبتها البارز بدقة جراح محترف، وبحركة سريعة، صلبة، مفهاش ريحة التردد، غرز سن الإبرة الرفيع في رقبتها، وضغط على المكبس عشان يضخ الهوا القاتل مباشر في مجرى دمها.  

نسرينا شهقت شهقة مكتومة جوه بقه. عينيها وسعت فجأة برعب وصدمة ماتتوصفش. عضلات جسمها اتشنجت بعنف، إيديها اللي كانت حاضنة رقبته حاولت تزقه وتبعده، بس هو ثبتها بقوة مرعبة، وهو لسه محتفظ ببروده الجليدي.  

راقبها من مسافة صفر. شاف الجلطة الهوائية وهي بتضرب قلبها. شاف ملامحها الحلوة وهي بتتشوه من الوجع والاختناق الداخلي. شاف نظرة الكسرة، عدم الفهم، والخذلان المطلق في عينيها وهي بتبصله في ثوانيها الأخيرة. مبربش.. متهزش.. مبعدش وشه. فضل باصص للنور وهو بيطفي في عينيها بالبطيء، لحد ما دراعاتها نزلت بضعف، وجسمها ارتخى تماماً، وفارقت الحياة.  

سحب الحقنة من رقبتها، ومسح نقطة الدم الصغيرة أوي اللي سابتها الإبرة. اتأمل وشها الباهت اللي مفيهوش حياة لثواني. مكنتش بالنسبة له حبيبة ماتت بين إيديه، كانت مجرد "مهمة خلصت بنجاح".  

نزل من العربية بهدوء تام. الجو كان تلج، وهوا الجبل بيعوي حواليه. لف حوالين العربية، فتح الباب اللي جنبها، وسحب جثتها عشان يقعدها مكان السواق. حط إيديها الباردة على الدريكسيون. فتح الشباك سنة بسيطة. مد إيده للفتيس وحركه ببرود، وبعدين رفع فرامل اليد مؤقتاً.  

خرج من العربية، ووقف وراها. زق العربية بقوة، فنزل فرامل اليد، وبدأت العربية تندفع بالبطيء ناحية حافة الجرف السحيق.  

مخافش، ولا جري، ولا حتى بعد. وقف على الحافة بالظبط، حط إيديه في جيوب البالطو، وراقب العربية وهي بتقع في الهاوية الضلمة. ثواني من الصمت المرعب، بعدها صوت خبطة فظيعة في الصخور اللي تحت، وبعدين كورة نار ضخمة ودخان طلعت من قاع الوادي، نورت وش ماجد البارد، وانعكست نارها في عينيه الميتة.  

اتأكد إن كل حاجة اتحرقت. لف بالبطيء، وبدأ يمشي في طريق الرجوع الطويل وسط الجبل، وكأنه كان في تمشية مسائية وخلصت. الحادثة اتسجلت بعد كده كحادث سير مأساوي بسبب إن سيدة الأعمال فقدت السيطرة على الدريكسيون، وممكن تكون جاتلها أزمة قلبية من الخوف قبل ما تقع. العم استلم إمبراطوريته، وماجد استلم ملايينه في حسابات متأمنة، ونسرينا الوكيل اتمسحت من الوجود، ومن ذاكرته.  

(الرجوع للحاضر)  

ماجد طبق قصاصة الجرنال المصفرة بالراحة، ورجعها جوه الملف الجلد، وقفل الدرج بالمفتاح.  

أخد نفس عميق من سيجارته، ونفخ الدخان التقيل في هوا الأوضة المكتوم. نقل عينيه تاني للصور المتنعكشة بتاعت "غالية الغمري".  

ابتسم لنفسه بسخرية من الشكوك العبيطة اللي جاتله من شوية. ليه افتكر للحظة إنه ممكن يفشل؟ الحب ده مجرد تفاعل كيميائي في دماغ الضحية، وهو كيميائي محترف بيعرف إزاي يخلط المقادير ببراعة عشان يخلق الوهم المثالي.  

تمتم بصوت واطي وأجش، وكأنه بيلقي تعويذة الموت على الصورة: "الستات كلهم شبه بعض يا غالية.. بيدوروا على الأمان في عالم يخوف، وأنا بعرف ألبس قناع الأمان كويس. هكونلك كل اللي بتتمنيه، هخليكي تتنفسي بوجودي، هخليكي تفتحيلي أبواب حصنك العالي بمزاجك.. وفي اللحظة اللي هتحطي فيها راسك على صدري وتغمضي عينيكي متطمنة، هكون أنا نهايتك المكتوبة."  

طفى سيجارته في الطفاية القزاز بحركة قاطعة.  

"تمثيل الحب عليكي هيكون أسهل من شرب الماية. أنا الآلة.. والآلة مابتضعفش، ومابتحسش، ومابتقعش في الفخ."  

قالها بثقة مطلقة، ويقين مفيش بعده. مكنش يعرف في اللحظة الضلمة دي في شقته، إن القدر كان واقف في الزاوية بيضحك بسخرية من كلامه. مكنش يعرف إن جبل التلج اللي ساكن صدره، واللي صمد قدام جمال وجنون نسرينا وألف ضحية غيرها، هيدوب تماماً قدام نظرة واحدة حقيقية من عيون غالية. مكنش يعرف إنه المرة دي، هو اللي هيشرب من كاس الحب المسموم، وإن البوسة الجاية، مش هتقتل غالية... دي هتبعثه هو حي، عشان يموت بعدها ألف مرة.  

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة السادسة ... دم بارد

    بعد خمسة وأربعين دقيقة، الأسفلت الناعم خلص وبدأ طريق ترابي مكسر. ماجد وقف عربيته قدام مبنى خرساني ضخم، مخزن قديم ومتهالك، بوابته الحديد مصدية. المكان كان مقطوع تماماً، مفيش فيه غير صوت الهوا والمطر اللي بيخبط في سقف الصاج. نزل ماجد من العربية. فتح الشنطة اللي ورا، وقلع جاكيت البدلة الشيك ورماه بإهمال. سحب جاكيت جلد أسود تقيل ولبسه، وبعدين طلع جوانتي جلد أسود وبدأ يلبسه بالراحة، بيشد أطرافه على صوابعه بعناية قاتل بيستعد لعمله الحقيقي. زق الباب الحديد التقيل اللي عمل صوت تزييق مزعج، ودخل جوه المخزن المضلم. ريحة العفن والرطوبة كانت تخنق، بس ماجد مكنش مهتم. في نص المخزن الواسع، وتحت لمبة صغيرة مدلدلة من السقف بسلك عريان، كان في كرسي خشب.وعلى الكرسي، كان في راجل. الراجل كان متكتف بحبال تخينة ملفوفة حوالين جسمه وإيديه ورجليه. وشه كان وارم، بينزف من مناخيره، وعلى بقه لزق عريض مانعه يصوت. عينين الراجل كانت مبرقة برعب ميتوصفش أول ما سمع صوت خطوات ماجد بتقرب منه في العتمة. ماجد مشي ناحيته بخطوات إيقاعية، بطيئة، ومرعبة. منطقش ولا كلمة. وقف قدام الراجل، وبصله من فوق ببرود تام. عينين ما

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة الخامسة ... صدفة مدروسة

    المشهد الخامس صدفة مدروسةماجد شوارع المدينة كانت بتغسل نفسها تحت مطر مابيقفش، وكاوتش عربية "ماجد" كان بيشق برك الماية في هدوء قاتل، ماشي ورا النور الأحمر بتاع كشافات عربية "غالية". كان سايب مسافة محسوبة بالملي بينه وبينها؛ لا هو قريب أوي فيلفت الانتباه، ولا بعيد أوي فيتوه منها في زحمة الليل. عقله كان شغال زي كمبيوتر فائق الدقة، بيحلل سرعة عربيتها، حالة الأسفلت المزحلق، وزوايا الرؤية في التقاطعات. الموضوع مكنش مجرد حادثة عابرة، دي كانت "نقلة العسكري" الأولى في رقعة الشطرنج اللي هتحدد مسار اللعبة كلها. كان محتاج خبطة قوية كفاية عشان تجبرها تقف وتنزل من عربيتها، وفي نفس الوقت خفيفة كفاية عشان يضمن إنها متتخدش خدش واحد... لسه محتاجها عايشة عشان بقية فصول خطة الانتقام. في التقاطع اللي جاي، غالية هدت سرعتها شوية لأن الإشارة كانت هتقلب أحمر. ماجد ابتسم ببرود، نظرة عينيه كانت فاضية من أي روح. "دلوقتي." همست لنفسه. داس على دواسة البنزين فجأة، وكسر الدركسيون بمليمترات مدروسة، وبعدين كبس فرامل بقوة في آخر لحظة عشان يخلي عربيته تزحف على الأسفلت المبلول. صوت احتكاك الكاوتش... وبعده خ

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة الرابعة ... قبلة جليد الموت

    المشهد الرابع : قبلة جليد الموتماجد في العتمة الباردة بتاعت شقته اللي كانت شبه القبر أكتر من كونها بيت، كان ماجد قاعد قدام مكتبه الخشب القديم. النور الضعيف اللي طالع من الأباجورة اللي جنبه يادوب كاسر سواد الأوضة، ونازل بخط أصفر على شوية صور وتقارير متنعكشة على المكتب. صور "غالية الغمري" كانت مالية المكان؛ غالية وهي خارجة من شركتها، غالية وهي واقفة في بلكونة بيتها، غالية بملامحها المرهقة وعينيها اللي شايلة حزن غامض. كان بيدرسها.. بيفكك تفاصيلها زي ما بيفكك بندقية القنص بتاعته. الخطة اللي راسمها قايمة على إنه يخترق حياتها، ينسج حواليها خيوط من الوهم، يخليها تقع في حبه وتأمنله على ضهرها، وبعدين... ينهي حياتها. صباعه وقف فوق صورة من صورها. سأل نفسه في هدوء مبيقطعهوش غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة: ياترى هقدر أعملها؟ هقدر أمثل الحب ببراعة تكفي إني أخدع ست ذكية وحذرة زيها؟ ابتسامة سخرية، باردة زي التلج، اترسمت على شفايفه. سحب درج المكتب التحتاني، ومد إيده في زاوية متدارية عشان يطلع ملف جلد قديم. فتحه بالراحة، وعدى الكام ورقة اللي في الأول لحد ما سحب قصاصة جرنال فرنساوي مصفرة،

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة الثالثة ... المنافس الصامت

    المشهد الثالثأدهمالمُنافس الصامت في الدور التلاتين من ناطحة سحاب بتطل على النيل، كان مكتب "أدهم" أشبه بقلعة منعزلة فوق السحاب. الإزاز البانوراما كان بيعكس أضواء القاهرة اللي بتغسلها المطرة، بس جوه المكتب، مكنش فيه غير لغة الأرقام. على الشاشة الكبيرة المتعلقة على الحيطة، كانت مؤشرات البورصة بتنزل بأسهم حمرا زي الدم. سهم "مجموعة الغمري" - شركة غالية - كان بينهار بسرعة مرعبة بعد تسريب أخبار الأزمة المالية اللي سابها والدها. "أدهم بيه، دي فرصتنا اللي مستنيينها من سنين!"صوت "شريف"، مدير التطوير وصاحب أدهم المقرب، قطع الصمت اللي في المكتب. شريف كان واقف قدام الشاشة وعينيه بتلمع بطمع السوق المعتاد. "الشركة بتاعتهم بتنزف. لو دخلنا دلوقتي واشترينا أسهم الأغلبية من الباطن، هنقدر نستحوذ على الإمبراطورية اللي أبوك الله يرحمه قعد عمره كله يحاول يوقعها ومقدرش. الضربة دي هتخلينا ملوك السوق بلا منازع!" أدهم كان واقف مديهم ضهره، باصص للمطرة من ورا الإزاز. كان لابس بدلة كحلي متفصلة بالملي على جسمه الرياضي، وإيديه الاتنين في جيوب بنطلونه. ملامحه الرجولية الحادة كانت هادية جداً، بس من جواه كان

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة الثانية .. عبء الإمبراطورية

    المشهد الثانيغاليةعِبء الإمبراطورية الاجتماع مكنش مجرد قعدة عمل، كان أقرب لساحة إعدام، والكل مستني يشوف مين اللي هيلف حبل المشنقة حوالين رقبة التاني. ترابيزة الاجتماعات الطويلة اللي من خشب الماهوجني كانت بتعكس وشوش أعضاء مجلس الإدارة؛ رجالة كبار في السن، حيتان سوق بقالهم سنين بيسنوا سكاكينهم، وكلهم باصين لـ "غالية" بنظرات بتخلط بين الاستخفاف عشان سنها، والطمع في الكرسي اللي قاعدة عليه. غالية كانت قاعدة على رأس الترابيزة، ضهرها مفرود زي المسطرة، ملامحها متجمدة، وعينيها بتطق شرار وهي بتبص في الورق اللي قدامها. خبطت بملف تقيل على الترابيزة بصوت رن في الأوضة كلها، خلى كام واحد فيهم يتنفض من مكانه. "الأرقام دي مبتكدبش يا سادة!" صوتها طلع حاسم، قاطع زي السيف، مفيش فيه أي رعشة. "عجز في الميزانية يتخطى الملايين، حسابات وهمية، ومشاريع اتضخت فيها سيولة ملهاش أي ورق رسمي يثبت راحت فين. إحنا مش في أزمة... إحنا على وشك كارثة، والمصيبة إن كلكم كنتوا عارفين ومحدش فتح بقه طول ما والدي كان عايش!" واحد من الأعضاء الكبار، راجل أصلع بكرش ونظرات خبيثة، اتنحنح وقال بصوت بيحاول يبان فيه الحكمة:

  • رواية ظلام العاشق    الحلقة الأولى عقد مع الضلمة

    رواية ظلام العاشق بقلم الكاتبة نور البشرى بعض الحكايات لا تحكي ولكنها تشرق في الظلام بدقات صادقة لم تكن الحياة يوما اختياره ولكنه اختار ولأول مرةحياته …..المشهد الأولماجدالمشهد الأول: عقد في الضلمة​الأوضة مكنش فيها أي نور غير لمبة مكتب يتيمة، رامية دايرة ضوء أصفر باهت على ترابيزة خشب متهالكة، وسايبة باقي المكان غرقان في عتمة تخنق. ريحة الرطوبة مخلوطة بدخان سجاير محروق كانت مالية الجو، لايقة جداً على طبيعة الصفقات المشبوهة اللي بتتم في البدرومات المستخبية عن عيون المدينة.​الناحية التانية من النور، كان قاعد الراجل المجهول. وشه مكنش باين، مجرد ضل تقيل وصوت مليان مرارة وحقد سنين. فجأة، إيد خفية طلعت من تحت البالطو الأسود بتاعه، وزقت ملف بني تخين على الترابيزة لحد ما وقف بالظبط على حرف دايرة النور.​الضل اتكلم بصوت مبحوح، الكراهية بتنقط منه: "أبوها خد مني كل حاجة.. دمر إمبراطوريتي، وشتت عيلتي، ومات قبل ما أردله القلم قلمين. بس هو ساب وراه نقطة ضعفه الوحيدة.. ورثه المتدلع."​على الجانب التاني من الترابيزة، كان قاعد ماجد.مفيش رمش واحد اتهز في وشه القاسي اللي عامل زي حتة الجرانيت.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status