LOGINالمشهد الثالث
أدهم
المُنافس الصامت
في الدور التلاتين من ناطحة سحاب بتطل على النيل، كان مكتب "أدهم" أشبه بقلعة منعزلة فوق السحاب. الإزاز البانوراما كان بيعكس أضواء القاهرة اللي بتغسلها المطرة، بس جوه المكتب، مكنش فيه غير لغة الأرقام.
على الشاشة الكبيرة المتعلقة على الحيطة، كانت مؤشرات البورصة بتنزل بأسهم حمرا زي الدم. سهم "مجموعة الغمري" - شركة غالية - كان بينهار بسرعة مرعبة بعد تسريب أخبار الأزمة المالية اللي سابها والدها.
"أدهم بيه، دي فرصتنا اللي مستنيينها من سنين!"
صوت "شريف"، مدير التطوير وصاحب أدهم المقرب، قطع الصمت اللي في المكتب. شريف كان واقف قدام الشاشة وعينيه بتلمع بطمع السوق المعتاد. "الشركة بتاعتهم بتنزف. لو دخلنا دلوقتي واشترينا أسهم الأغلبية من الباطن، هنقدر نستحوذ على الإمبراطورية اللي أبوك الله يرحمه قعد عمره كله يحاول يوقعها ومقدرش. الضربة دي هتخلينا ملوك السوق بلا منازع!"
أدهم كان واقف مديهم ضهره، باصص للمطرة من ورا الإزاز. كان لابس بدلة كحلي متفصلة بالملي على جسمه الرياضي، وإيديه الاتنين في جيوب بنطلونه. ملامحه الرجولية الحادة كانت هادية جداً، بس من جواه كان في بركان بيغلي.
لف ببطء، وبص لشريف بنظرة خليت حماس التاني يطفي في ثانية.
"اقفل الشاشة دي يا شريف،" صوته طلع واطي بس حاسم، عامل زي فخامة الرعد البعيد. "وطلع فكرة الاستحواذ دي من دماغك نهائي."
شريف استغرب جداً: "بس يا أدهم، العداوة اللي بين شركة والدك وشركة الغمري تاريخية! أبوك لو كان عايش وشاف اللحظة دي مكنش هيتردد ثانية إنه ينهش فيهم. إيه اللي يخلينا نرحمهم؟ دي قواعد اللعبة!"
أدهم راح ناحية مكتبه، وسند بإيديه الاتنين عليه وهو بيبص لـشريف بصرامة: "قواعد اللعبة إنك تكسب بشرف، مش إنك تستنى خصمك يقع وتدبحه من ضهره. إحنا مش ضباع يا شريف عشان ننهش في جثة بتنزف. أبويا مات، وأبوها مات، والعداوة اللي بينهم اندفنت معاهم في التراب. مجموعة الغمري مش للبيع طول ما أنا قاعد على الكرسي ده... مفهوم؟"
شريف بلع ريقه وهز راسه وهو بينسحب: "مفهوم يا فندم. عن إذنك."
أول ما باب المكتب اتقفل، أدهم فك زرار بدلته، وفك الكرافتة ورماها على الكنبة الجلد بإرهاق. الصرامة اللي كان راسمها على وشه اختفت، وظهر مكانها وجع متداري بقاله سنين.
راح ناحية الخزنة المخفية ورا لوحة في الحيطة. فتحها، ومطلعش منها ورق صفقات ولا عقود، طلع منها صندوق قطيفة صغير. رجع قعد على كرسيه، وفتح الصندوق. جواه كانت في صورة. صورة لغالية.
مكنتش صورة من بتاعة الجرايد، دي كانت صورة هو اللي صورها بنفسه من بعيد في حفلة خيرية من تلات سنين. كانت بتضحك فيها بصفاء حقيقي، عينيها بتلمع، وشعرها طاير حوالين وشها.
مشى صباعه على ملامحها في الصورة بلمسة فيها حنية متتناقضش أبداً مع قسوته في الشغل.
"غبية..." همس أدهم بحب ووجع مخلوطين ببعض. "فاكرة إنك هتقدري تشيلي الجبل ده كله لوحدك."
أدهم بيحبها. بيحبها من سنين، من قبل حتى ما تمسك الشركة، من أيام ما كان بيلمحها في النادي وفي التجمعات الاجتماعية. كان بيراقبها من بعيد زي ما القمر بيراقب الأرض، عارف إنه مش هينفع يقرب. اللي كان مانعه مكنش بس العداوة التاريخية بين الشركتين، ولا كراهية أبوها لأبوه اللي كانت مالية الجرايد؛ اللي كان مانعه هو كبرياءه.
كرامته كرجل شرقي ورئيس لواحدة من أكبر الكيانات الاقتصادية كانت بتمنعه يروح يعترف بحبه لبنت الراجل اللي بيحاول يكسره. كان عارف إنها لو وافقت، السوق هيقول إن أدهم اتجوزها عشان يسيطر على شركتهم. ولو رفضت - وده اللي كان متوقعه بسبب شحن أبوها ليها ضده - كبرياؤه مكنش هيتحمل كسرة الرفض دي. فقرر إنه يكتفي بكونه "المنافس الصامت"، يراقبها تكبر، يحميها من بعيد من غير ما تحس، ويدخل في صراعات وهمية في السوق بس عشان يفضل موجود في الصورة قدامها، عشان تفضل تنطق اسمه حتى لو بكراهية التنافس.
لكن دلوقتي، الوضع اختلف. البنت اللي بيحبها بتغرق، الإمبراطورية اللي ورثتها بتتهد فوق دماغها، وحيتان السوق اللي كانوا بيطاطوا لأبوها، دلوقتي بيسنوا أسنانهم عشان يقطعوها.
أدهم قفل الصندوق ورجعه مكانه، وقام وقف. "مش هسمحلهم يمسوا شعرة منك،" قالها بتصميم وهو بيبص للمطرة. "حتى لو اضطريت أقف قدام السوق كله، مش هتقعي يا غالية."
قعد قدام اللاب توب بتاعه. كان عارف كويس إن غالية كرامتها مبتسمحش بالشفقة. لو راح عرض عليها مساعدة مالية مباشرة، هترفضها وترميهاله في وشه، وهتعتبر ده استعراض قوة منه وإهانة لضعفها. لازم الحل يكون ذكي، لازم يبان كأنه بزنس بحت، طوق نجاة متغلف في شكل صفقة.
بدأ يكتب إيميل رسمي موجه ليها شخصياً.
"عرض شراكة استراتيجية مؤقتة."
صاغ العرض بحرفية شديدة. اقترح فيه دمج مؤقت لبعض خطوط الإنتاج بين الشركتين لتخفيف تكاليف التشغيل. عرض عليها سيولة مالية ضخمة تضخ في شركتها كنوع من "التأمين المشترك" للمشاريع الجديدة، مقابل نسبة أرباح متواضعة جداً متتناسبش مع حجم المبلغ اللي هيدفعه. صاغ الكلام بطريقة تبين إن شركته هي كمان محتاجة الشراكة دي عشان تفتح أسواق جديدة، عشان ميحسسهاش بأي تفضل منه. كان بيحط فلوسه، واسمه، وقوته تحت تصرفها، بس من ورا ستارة البزنس.
راجع الإيميل تلات مرات. كل كلمة كانت محسوبة. مسح جملة، وعدل التانية. كان خايف من رد فعلها. خايف تقرا ما بين السطور وتفهم إن ده اهتمام شخصي فترفض بعند. وخايف ترفض من باب العداوة القديمة.
أخيراً، حط صباعه على زرار (Send).
ضغط عليه.
الإيميل اتبعت.
سند ضهره على الكرسي، وخد نفس طويل ومسح وشه بإيديه. رئيس مجلس الإدارة، الحوت اللي بيحرك ملايين بكلمة ومبيرفلوش جفن قدام أكبر أزمات البورصة، كان دلوقتي قاعد قلبه بيدق بسرعة زي مراهق مستني رد على أول رسالة حب يبعتها.
بص لساعته. الوقت متأخر، بس هو متأكد إنها لسه صاحية، وإنها ماسكة تليفونها بتدور على أي مخرج من الأزمة.
أدهم فضل قاعد في مكتبه، عينه متثبتة على شاشة اللاب توب، مستني إشعار الرد بقلق بياكل في أعصابه. كان مستعد يضحي بنص ثروته بس عشان يشوف رسالة منها بتقول "موافقة". في الليلة دي، أدهم مكنش المنافس الشرس، ولا رجل الأعمال الناجح... كان مجرد عاشق خايف على حبيبته من طوفان هو الوحيد اللي قادر يقف قصاده.
بعد خمسة وأربعين دقيقة، الأسفلت الناعم خلص وبدأ طريق ترابي مكسر. ماجد وقف عربيته قدام مبنى خرساني ضخم، مخزن قديم ومتهالك، بوابته الحديد مصدية. المكان كان مقطوع تماماً، مفيش فيه غير صوت الهوا والمطر اللي بيخبط في سقف الصاج. نزل ماجد من العربية. فتح الشنطة اللي ورا، وقلع جاكيت البدلة الشيك ورماه بإهمال. سحب جاكيت جلد أسود تقيل ولبسه، وبعدين طلع جوانتي جلد أسود وبدأ يلبسه بالراحة، بيشد أطرافه على صوابعه بعناية قاتل بيستعد لعمله الحقيقي. زق الباب الحديد التقيل اللي عمل صوت تزييق مزعج، ودخل جوه المخزن المضلم. ريحة العفن والرطوبة كانت تخنق، بس ماجد مكنش مهتم. في نص المخزن الواسع، وتحت لمبة صغيرة مدلدلة من السقف بسلك عريان، كان في كرسي خشب.وعلى الكرسي، كان في راجل. الراجل كان متكتف بحبال تخينة ملفوفة حوالين جسمه وإيديه ورجليه. وشه كان وارم، بينزف من مناخيره، وعلى بقه لزق عريض مانعه يصوت. عينين الراجل كانت مبرقة برعب ميتوصفش أول ما سمع صوت خطوات ماجد بتقرب منه في العتمة. ماجد مشي ناحيته بخطوات إيقاعية، بطيئة، ومرعبة. منطقش ولا كلمة. وقف قدام الراجل، وبصله من فوق ببرود تام. عينين ما
المشهد الخامس صدفة مدروسةماجد شوارع المدينة كانت بتغسل نفسها تحت مطر مابيقفش، وكاوتش عربية "ماجد" كان بيشق برك الماية في هدوء قاتل، ماشي ورا النور الأحمر بتاع كشافات عربية "غالية". كان سايب مسافة محسوبة بالملي بينه وبينها؛ لا هو قريب أوي فيلفت الانتباه، ولا بعيد أوي فيتوه منها في زحمة الليل. عقله كان شغال زي كمبيوتر فائق الدقة، بيحلل سرعة عربيتها، حالة الأسفلت المزحلق، وزوايا الرؤية في التقاطعات. الموضوع مكنش مجرد حادثة عابرة، دي كانت "نقلة العسكري" الأولى في رقعة الشطرنج اللي هتحدد مسار اللعبة كلها. كان محتاج خبطة قوية كفاية عشان تجبرها تقف وتنزل من عربيتها، وفي نفس الوقت خفيفة كفاية عشان يضمن إنها متتخدش خدش واحد... لسه محتاجها عايشة عشان بقية فصول خطة الانتقام. في التقاطع اللي جاي، غالية هدت سرعتها شوية لأن الإشارة كانت هتقلب أحمر. ماجد ابتسم ببرود، نظرة عينيه كانت فاضية من أي روح. "دلوقتي." همست لنفسه. داس على دواسة البنزين فجأة، وكسر الدركسيون بمليمترات مدروسة، وبعدين كبس فرامل بقوة في آخر لحظة عشان يخلي عربيته تزحف على الأسفلت المبلول. صوت احتكاك الكاوتش... وبعده خ
المشهد الرابع : قبلة جليد الموتماجد في العتمة الباردة بتاعت شقته اللي كانت شبه القبر أكتر من كونها بيت، كان ماجد قاعد قدام مكتبه الخشب القديم. النور الضعيف اللي طالع من الأباجورة اللي جنبه يادوب كاسر سواد الأوضة، ونازل بخط أصفر على شوية صور وتقارير متنعكشة على المكتب. صور "غالية الغمري" كانت مالية المكان؛ غالية وهي خارجة من شركتها، غالية وهي واقفة في بلكونة بيتها، غالية بملامحها المرهقة وعينيها اللي شايلة حزن غامض. كان بيدرسها.. بيفكك تفاصيلها زي ما بيفكك بندقية القنص بتاعته. الخطة اللي راسمها قايمة على إنه يخترق حياتها، ينسج حواليها خيوط من الوهم، يخليها تقع في حبه وتأمنله على ضهرها، وبعدين... ينهي حياتها. صباعه وقف فوق صورة من صورها. سأل نفسه في هدوء مبيقطعهوش غير صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة: ياترى هقدر أعملها؟ هقدر أمثل الحب ببراعة تكفي إني أخدع ست ذكية وحذرة زيها؟ ابتسامة سخرية، باردة زي التلج، اترسمت على شفايفه. سحب درج المكتب التحتاني، ومد إيده في زاوية متدارية عشان يطلع ملف جلد قديم. فتحه بالراحة، وعدى الكام ورقة اللي في الأول لحد ما سحب قصاصة جرنال فرنساوي مصفرة،
المشهد الثالثأدهمالمُنافس الصامت في الدور التلاتين من ناطحة سحاب بتطل على النيل، كان مكتب "أدهم" أشبه بقلعة منعزلة فوق السحاب. الإزاز البانوراما كان بيعكس أضواء القاهرة اللي بتغسلها المطرة، بس جوه المكتب، مكنش فيه غير لغة الأرقام. على الشاشة الكبيرة المتعلقة على الحيطة، كانت مؤشرات البورصة بتنزل بأسهم حمرا زي الدم. سهم "مجموعة الغمري" - شركة غالية - كان بينهار بسرعة مرعبة بعد تسريب أخبار الأزمة المالية اللي سابها والدها. "أدهم بيه، دي فرصتنا اللي مستنيينها من سنين!"صوت "شريف"، مدير التطوير وصاحب أدهم المقرب، قطع الصمت اللي في المكتب. شريف كان واقف قدام الشاشة وعينيه بتلمع بطمع السوق المعتاد. "الشركة بتاعتهم بتنزف. لو دخلنا دلوقتي واشترينا أسهم الأغلبية من الباطن، هنقدر نستحوذ على الإمبراطورية اللي أبوك الله يرحمه قعد عمره كله يحاول يوقعها ومقدرش. الضربة دي هتخلينا ملوك السوق بلا منازع!" أدهم كان واقف مديهم ضهره، باصص للمطرة من ورا الإزاز. كان لابس بدلة كحلي متفصلة بالملي على جسمه الرياضي، وإيديه الاتنين في جيوب بنطلونه. ملامحه الرجولية الحادة كانت هادية جداً، بس من جواه كان
المشهد الثانيغاليةعِبء الإمبراطورية الاجتماع مكنش مجرد قعدة عمل، كان أقرب لساحة إعدام، والكل مستني يشوف مين اللي هيلف حبل المشنقة حوالين رقبة التاني. ترابيزة الاجتماعات الطويلة اللي من خشب الماهوجني كانت بتعكس وشوش أعضاء مجلس الإدارة؛ رجالة كبار في السن، حيتان سوق بقالهم سنين بيسنوا سكاكينهم، وكلهم باصين لـ "غالية" بنظرات بتخلط بين الاستخفاف عشان سنها، والطمع في الكرسي اللي قاعدة عليه. غالية كانت قاعدة على رأس الترابيزة، ضهرها مفرود زي المسطرة، ملامحها متجمدة، وعينيها بتطق شرار وهي بتبص في الورق اللي قدامها. خبطت بملف تقيل على الترابيزة بصوت رن في الأوضة كلها، خلى كام واحد فيهم يتنفض من مكانه. "الأرقام دي مبتكدبش يا سادة!" صوتها طلع حاسم، قاطع زي السيف، مفيش فيه أي رعشة. "عجز في الميزانية يتخطى الملايين، حسابات وهمية، ومشاريع اتضخت فيها سيولة ملهاش أي ورق رسمي يثبت راحت فين. إحنا مش في أزمة... إحنا على وشك كارثة، والمصيبة إن كلكم كنتوا عارفين ومحدش فتح بقه طول ما والدي كان عايش!" واحد من الأعضاء الكبار، راجل أصلع بكرش ونظرات خبيثة، اتنحنح وقال بصوت بيحاول يبان فيه الحكمة:
رواية ظلام العاشق بقلم الكاتبة نور البشرى بعض الحكايات لا تحكي ولكنها تشرق في الظلام بدقات صادقة لم تكن الحياة يوما اختياره ولكنه اختار ولأول مرةحياته …..المشهد الأولماجدالمشهد الأول: عقد في الضلمةالأوضة مكنش فيها أي نور غير لمبة مكتب يتيمة، رامية دايرة ضوء أصفر باهت على ترابيزة خشب متهالكة، وسايبة باقي المكان غرقان في عتمة تخنق. ريحة الرطوبة مخلوطة بدخان سجاير محروق كانت مالية الجو، لايقة جداً على طبيعة الصفقات المشبوهة اللي بتتم في البدرومات المستخبية عن عيون المدينة.الناحية التانية من النور، كان قاعد الراجل المجهول. وشه مكنش باين، مجرد ضل تقيل وصوت مليان مرارة وحقد سنين. فجأة، إيد خفية طلعت من تحت البالطو الأسود بتاعه، وزقت ملف بني تخين على الترابيزة لحد ما وقف بالظبط على حرف دايرة النور.الضل اتكلم بصوت مبحوح، الكراهية بتنقط منه: "أبوها خد مني كل حاجة.. دمر إمبراطوريتي، وشتت عيلتي، ومات قبل ما أردله القلم قلمين. بس هو ساب وراه نقطة ضعفه الوحيدة.. ورثه المتدلع."على الجانب التاني من الترابيزة، كان قاعد ماجد.مفيش رمش واحد اتهز في وشه القاسي اللي عامل زي حتة الجرانيت.







