تسجيل الدخوللم ينم آدم تلك الليلة.
ظل جالسًا قرب النافذة، والمفتاح القديم أمامه فوق الطاولة، بينما كانت كلمات النقش تتكرر في ذهنه بلا توقف: «لا تثقا بأحد». لم يكن يعرف من كتبها، ولا لماذا، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد؛ أن عين السرو تخفي أكثر بكثير مما أخبرته ليان. مع بزوغ الفجر، وصلته رسالة من رقم مجهول. إذا ذهبت إلى عين السرو، فلن تعود كما كنت. قرأ آدم الرسالة أكثر من مرة، ثم اتصل بالرقم، لكن الهاتف كان مغلقًا. وفي اللحظة نفسها، سمع طرقًا على باب منزله. فتح الباب، فوجد ليان واقفة أمامه، وملامحها متوترة. قال آدم: كيف عرفتِ عنوان منزلي؟ أجابته: وجدته في دفتر والدي. تجمد آدم. قال: ماذا كان مكتوبًا؟ أخرجت ليان ورقة صغيرة من حقيبتها ومدتها إليه. قرأ آدم السطر المكتوب فيها، فشعر بأن الدم انسحب من وجهه. كان مكتوبًا: «إذا اختفيت، ابحثوا عن آدم... فهو لا يعرف الحقيقة بعد.» رفع عينيه نحو ليان. قال: لماذا لم تخبريني بهذا بالأمس؟ قالت: لأنني لم أكن أثق بك. أجاب بغضب: والآن تثقين بي؟ قالت: لا، لكنني لم أعد أثق بأحد سواك أيضًا. ساد الصمت بينهما، ثم ارتدى آدم معطفه وأخذ حقيبة صغيرة وضع فيها مصباحًا وبطاريات وسكينًا وبعض الطعام. قالت ليان: هل أنت مستعد؟ أجاب: لا، لكننا سنذهب على أي حال. غادرا المدينة قبل شروق الشمس، واستقلا سيارة قديمة استأجرها آدم للوصول إلى الطريق المؤدي إلى عين السرو. كلما ابتعدا عن المدينة، أصبحت الطرق أكثر وعورة، واختفت المنازل تدريجيًا، حتى لم يعد حولهما سوى الأشجار والصخور والأرض الجافة. بعد ساعتين، توقفت السيارة. قال آدم: من هنا علينا أن نكمل سيرًا. نزلت ليان، وحملت حقيبتها، ثم نظرت إلى الطريق الضيق الممتد بين الأشجار. قالت: هل أنت متأكد أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟ أخرج آدم المفتاح من جيبه. قال: إذا كان ما قاله والدك صحيحًا، فهذا المفتاح هو دليلنا الوحيد. سارا لأكثر من ساعة حتى ظهرت أمامهما بقايا قرية قديمة. كانت عين السرو. بيوت متهدمة، أشجار يابسة، ونوافذ سوداء كأنها عيون تراقب القادمين. اقتربت ليان من أول منزل. وفجأة سمعا صوتًا خلفهما. استدار آدم بسرعة. لم يكن هناك أحد. قالت ليان: هل سمعت ذلك؟ أجاب آدم: نعم. ثم انطفأ مصباحهما في اللحظة نفسها. تراجعت ليان خطوة، وأمسكت بذراع آدم دون أن تشعر. قال آدم هامسًا: لا تتحركي. سمعا صوت خطوات تقترب. خطوة. ثم أخرى. ثم توقفت الخطوات أمام المنزل. رفع آدم المصباح، لكنه لم ير أحدًا. وفجأة انغلق الباب خلفهما بقوة. صرخت ليان. أمسك آدم بمقبض الباب وحاول فتحه، لكنه لم يتحرك. قالت ليان: نحن محاصران! أجاب آدم: ابتعدي عن الباب. تراجع الاثنان، وفجأة سمعا صوت رجل من خلف الجدار. قال الرجل: كان يجب ألا تعودوا إلى هنا. تبادل آدم وليان نظرة مذعورة. قال آدم: من أنت؟ ضحك الرجل ضحكة قصيرة. ثم قال: أنا الشخص الذي يعرف أين اختفى والد ليان. تقدمت ليان نحو الصوت. قالت: أين أبي؟! ساد الصمت لثوانٍ. ثم جاء الرد: كان حيًا عندما غادرتم المدينة. تجمدت ليان. لكن قبل أن تتمكن من السؤال، دوى صوت انفجار خارج المنزل، واهتزت الجدران بقوة. سقط جزء من السقف، واندفعت سحابة كثيفة من الغبار إلى الداخل. أمسك آدم بيد ليان وسحبها بعيدًا عن الحطام. صرخت: ماذا يحدث؟! قال آدم: لا أعرف، لكن علينا الخروج الآن! بحث عن نافذة، فوجد واحدة مكسورة، وساعد ليان على المرور منها. خرج الاثنان إلى الخارج، لكن الرجل الغامض لم يكن هناك. وبدلًا منه وجدا شيئًا على الأرض. صورة قديمة. التقطتها ليان بيد مرتجفة. كان فيها أربعة أشخاص يقفون أمام النهر. كان أحدهم والدها. والثاني والد آدم. أما الشخصان الآخران، فقد كانا مجهولين. لكن ليان تعرفت على أحدهما فورًا. شهقت وقالت: هذا الرجل... رأيته بالأمس. نظر آدم إلى الصورة. ثم رفع رأسه ببطء. قال: ومن قال إن والدك اختفى؟ نظرت إليه ليان. أجاب بصوت مخيف: ربما كان هو من يختبئ منا طوال هذه السنوات.كانت ليان لا تزال تنظر إلى آدم، تنتظر منه إجابة عن الغرفة الصفراء، بينما كان فارس يقف عند المدخل بثقة غريبة، وكأنه يعرف أن الحقيقة التي يحملها المكان ستكون أقسى من أي تهديد.قالت ليان:آدم... هل دخلت هذه الغرفة من قبل؟ظل صامتًا.اقتربت منه خطوة.قالت:انظر إليّ وأجبني.رفع آدم عينيه إليها.قال:نعم.ساد الصمت.قالت:ومتى؟أجاب:في الليلة التي اختفت فيها ذاكرتي.تراجعت ليان قليلًا.قالت:وماذا حدث هناك؟نظر آدم إلى فارس.قال:لا أعرف كل شيء.ابتسم فارس.قال:بل تعرف، لكن عقلك اختار أن يحميك منه.تقدم ريان ورفع سلاحه.قال:تحدث كثيرًا يا فارس.أجاب فارس:وأنت تتحدث قليلًا، ريان. ربما لأنك تخشى أن يتذكر آدم ما فعلته أنت.تغير وجه ريان.لاحظ آدم ذلك.قال:ماذا يقصد؟أجاب ريان:لا تستمع إليه.قال آدم:أجبني.صمت ريان.اقترب فارس من الباب.قال:دعني أساعدك يا آدم.ثم أشار إلى ممر مظلم خلفه.قال:الغرفة الصفراء في نهايته.قالت ليان:لن نذهب معه.قال فارس:لا أطلب منكم أن تثقوا بي.ثم ابتسم وأضاف:أطلب منكم فقط أن تريدوا معرفة الحقيقة.نظر آدم إلى ليان.قالت:إذا دخلنا، قد لا نخرج.أجاب:إذا
ساد الصمت في القاعة بعد ظهور اسم ليان على الشاشة، وكأن الجميع أدرك في اللحظة نفسها أن ما يحدث لم يعد مجرد مطاردة، بل بداية المرحلة الأخطر من المشروع.قالت ليان:ماذا يريدون مني؟أجاب فارس عبر مكبر الصوت:يريدون منك أن تتذكري.قال آدم:لن تحصلوا على شيء منها.أجاب فارس:أنت لا تملك الحق في اتخاذ القرار عنها.اقترب آدم من ليان وأمسك يدها.قال:هي تختار بنفسها.نظرت ليان إليه، ثم شدّت على يده.قالت:وأنا اخترت ألا أهرب.توقفت الشاشة فجأة، وانطفأت جميع الأضواء.قال ريان:إنها خدعة.قال سليم:لا، لقد بدأ العد التنازلي.ظهر رقم أحمر على الجدار.عشرة.تسعة.ثمانية.قال آدم:علينا الخروج الآن.ركض الجميع نحو الممر، لكن بابًا حديديًا أغلق أمامهم.قالت ليان:آدم!أمسك آدم بكتفيها.قال:لا تخافي.قالت:أنا لا أخاف من المكان.سألها:إذن ممَّ تخافين؟نظرت إلى عينيه وقالت:أخاف أن أفقدك.صمت آدم لحظة، ثم اقترب منها.قال:لن تفقديني.قالت:أنت لا تعرف ماذا سيحدث.قال:لا، لكنني أعرف ماذا أريد.سألته:ماذا؟قال:أريد أن أخرج من هنا معك.ابتسمت رغم دموعها.قالت:حتى بعد كل ما عرفته عني؟أجاب:خصوصًا ب
تجمدت ليان في مكانها عندما سمعت صوت والدها يأتي من خلف الباب، بينما كان سليم الحقيقي يقف أمامها داخل القبو، ووجهه شاحبًا من الصدمة.قالت ليان:أبي... كيف يكون صوتك خلف الباب؟لم يجب سليم.اقترب آدم من الباب بحذر، ووضع أذنه عليه.قال الصوت من الخارج:افتحوا الباب، قبل أن يقتلهم الخائن الموجود معكم.قال آدم:من أنت؟ضحك الصوت.قال:أنت تعرفني يا آدم، لكن ذاكرتك تخونك.نظر آدم إلى والدته.قال:هل تعرفين هذا الصوت؟تغير وجهها.قالت:نعم.سألها:من هو؟أجابت بصوت منخفض:والدك.ساد الصمت.اقترب سليم منها.قال:هذا مستحيل.قالت:كنت أعلم أنه لم يمت.صرخ آدم:كيف تقولين ذلك الآن؟أجابته:لأنني لم أكن متأكدة إن كان لا يزال هو نفسه.تدخل ريان:ماذا يعني هذا؟قالت:المشروع لم يكن يمحو الذكريات فقط، بل كان قادرًا على تغيير شخصية الإنسان تدريجيًا.نظر آدم إلى الباب.قال:إذن أبي حي؟جاء الصوت من الخارج:نعم يا بني.ارتجف آدم.قال:لماذا تركتني؟أجاب الصوت:لأنني كنت أحاول أن أنقذك.صرخ آدم:من ماذا؟قال:من نفسك.تبادل الجميع النظرات.قال آدم:ماذا فعلت؟أجاب الصوت:في الليلة التي أُغلقت فيها المن
انفتح الباب ببطء، وخرج منه هواء بارد حمل معه رائحة غريبة تشبه رائحة الأماكن التي ظلت مغلقة لسنوات طويلة. بقي آدم واقفًا أمام المدخل، غير قادر على الحركة، بينما كانت ليان تراقب وجهه وتنتظر أن ترى أول رد فعل منه.في الجهة الأخرى من الغرفة، كانت امرأة تجلس على كرسي قرب نافذة صغيرة، وشعرها الطويل قد غطاه الشيب، لكن عينيها بقيتا كما ظهرتا في ذكريات آدم.توقفت أنفاسه.قال آدم:أمي؟رفعت المرأة رأسها.قالت بصوت مرتجف:آدم...لم يحتمل آدم البقاء في مكانه، فركض نحوها واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول تعويض عشرين عامًا كاملة في لحظة واحدة.قالت والدته:كبرت يا بني.قال آدم وهو يبكي:كنت أظن أنك متِّ.أجابته:وأنا كنت أظن أنك لن تصل إليّ أبدًا.وقف سليم عند الباب، وأخفض رأسه، بينما بقي ريان يراقب المكان بحذر.قالت ليان:هل أنتِ والدة آدم فعلًا؟نظرت المرأة إليها، ثم ابتسمت بحزن.قالت:وأنتِ ليان.تراجعت ليان خطوة.قالت:كيف تعرفين اسمي؟أجابتها:لأنني كنت أعرفك قبل أن تعرفي نفسك.نظر آدم إلى والدته.قال:أريد الحقيقة كاملة.تنهدت المرأة.قالت:لن تكون سهلة.أجاب آدم:لم يعد يهمني.قالت:والدك لم يمت في
ركض آدم وليان وريان عبر الممر الضيق، بينما كانت أصوات الرصاص تتردد خلفهم، وترتطم بالجدران الحجرية كأنها تلاحقهم حتى داخل أنفاسهم.قالت ليان:إلى أين نذهب؟أجاب ريان:إلى المختبر القديم.قال آدم:قلت إن المكان خطير.أجاب ريان:كل الأماكن أصبحت خطيرة، لكن المختبر هو المكان الوحيد الذي يحتوي على إجابات.توقف آدم للحظة.قال:وماذا عن أبي؟التفت ريان إليه.قال:سليم يعرف الطريق، وسيجد وسيلة للحاق بنا.قال آدم:لا أريد تركه.أجاب سليم من خلفهم:وأنا لا أريدك أن تتوقف من أجلي.استدار الجميع.كان سليم يركض نحوهم، لكنه كان يضع يده على كتفه بسبب إصابته.قالت ليان:أبي!أجاب:أنا بخير.اقتربت منه.قالت:أنت تنزف.ابتسم.قال:لقد عشت سنوات أسوأ من هذه.واصلوا الركض حتى وصلوا إلى بوابة حجرية ضخمة.أخرج ريان مفتاحًا صغيرًا من جيبه.قال آدم:من أين حصلت عليه؟أجاب:من الرجل الذي كان يراقبني طوال طفولتي.قال آدم:وكيف تثق به؟قال ريان:لا أثق به.ثم فتح البوابة.قال:لكنني أعرف أنه يخاف هذا المكان أكثر منا.انفتحت البوابة ببطء، وظهر خلفها ممر طويل تتدلى من سقفه مصابيح قديمة ما زالت تعمل رغم مرور سنوا
بقيت ليان واقفة في مكانها، عاجزة عن تحريك قدميها، بينما كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي ادعى أنه شقيقها الأكبر.قالت ليان:أنت تكذب.أجاب الرجل بهدوء:كنت أتمنى أن يكون الأمر كذلك.قال آدم:لا تقتربي منه.نظر الرجل إلى آدم.قال:لم أتوقع أن تحميها بهذه السرعة.أجاب آدم:لن أسمح لك بالاقتراب منها.ابتسم الرجل.قال:وهذا بالضبط ما أرادوه منك.تدخل سليم بصوت غاضب:قال:كفى يا ريان.التفتت ليان إلى والدها.قالت:ريان؟أجاب سليم:هذا اسمه.اقتربت ليان من والدها.قالت:أبي، هل هو أخي فعلًا؟ظل سليم صامتًا لثوانٍ طويلة.ثم قال:نعم.شعرت ليان بأن الأرض تميد تحتها.قالت:لماذا لم تخبرني؟أجاب سليم:لأنني كنت أحاول حمايتك.قالت:لقد قلت لي هذه الجملة طوال حياتي، وفي كل مرة كنت تخفي عني شيئًا جديدًا.خفض سليم رأسه.قال:كان ريان أول طفل أخذه المشروع.نظر آدم إليه بدهشة.قال:ماذا تقصد؟أجاب سليم:قبل أن يولد آدم، كانوا يبحثون عن طفل يستطيع تحمل التجارب دون أن يفقد عقله. كان ريان أول تجربة ناجحة.قال ريان:لا تقل ناجحة.نظر الجميع إليه.قال:لقد نجوت، نعم، لكنهم أخذوا مني طفولتي وذكرياتي وكل شيء







