بيت / التشويق / الإثارة / زواج بثمن الديون / الفصل الثالث: في عرين الأسد

مشاركة

الفصل الثالث: في عرين الأسد

مؤلف: بهاء
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 09:34:39

​لم تنم ليان تلك الليلة سوى ساعات قليلة. كانت تقضي الليل وهي تتأمل أركان غرفتها الصغيرة، وتسترجع ذكرياتها فيها مع عائلتها قبل أن تنقلب حياتها رأساً على عقب.

​مع إشراق الشمس، كانت السيارة السوداء الفاخرة تقف بالفعل أمام منزلها. لم ترغب ليان في إثارة الشكوك أو إحداث دراما عائلية، فأخبرت عائلتها أنها حصلت على وظيفة إدارية براتب مرتفع يتطلب منها الإقامة بالقرب من مقر العمل لتغطية تكاليف السفر والمصاريف. ورغم نظرات التوجس في عيون والدها، إلا أن استلامه لإشعار بنكي بإنهاء كافّة قضايا الديون وإغلاق الملفات القانونية جعله يقتنع بأن معجزة ما قد حدثت.

​وصلت السيارة إلى القصر في تمام الساعة العاشرة صباحاً.

​كان القصر في ضوء النهار يبدو أكثر هيبة ورهبة منه في الليل. أسوار حديدية عالية، حدائق ممتدة بعناية، وبناء حجري ضخم يجمع بين الطراز الكلاسيكي والحديث.

​نزلت ليان وهي تحمل حقيبتها الوحيدة. استقبلتها امرأة في الخمسينيات من عمرها، ترتدي زياً رسمياً مرتباً وابتسامة هادئة ولكنها رسمية جداً:

"أهلاً بكِ يا آنسة ليان. أنا السيدة سمر، مدبرة المنزل. السيد آدم كلفني باستقبالكِ وإظهار جناحكِ الخاص."

​أومأت ليان برأسها محاولةً الحفاظ على هدوئها:

" شكراً لكِ يا سيدة سمر... هل آدم موجود؟"

​"السيد آدم غادر إلى الشركة منذ الساعات الأولى من الصباح. لديه اجتماعات مكثفة اليوم، ولكنه ترك تعليمات مشددة بخصوص راحتكِ."

​مشيت ليان خلف السيدة سمر عبر الممرات الطويلة ذات الأرضيات الرخامية واللوحات الفنية الفاخرة. كان كل شيء في هذا المكان يصرح بالثراء والسيطرة، ولكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى الحرارة والدفء. المكان أشبه بالمتحف، خاليًا من روح الحياة.

​صعدتا إلى الطابق الثاني، وتوقفتا أمام باب خشبي عريض مصنوع من الداكن.

​فتحت السيدة سمر الباب وقالت:

"هذا هو الجناح الشرقي. يحتوي على غرفة نوم رئيسية، حمام خاص، وغرفة ملابس. إذا احتجتِ أي شيء، يمكنكِ استخدام الهاتف الداخلي للاتصال بالخدم."

​دخلت ليان وانقبض قلبها قليلاً. كان الجناح أوسع من منزلها بأكمله. أثاث راقٍ بألوان هادئة، ونوافذ زجاجية ضخمة تطل على الحدائق الخلفية للمزرعة.

​"شكراً لكِ، سأرتاح قليلاً."

​انصرفت مدبرة المنزل وإغلقت الباب بهدوء. تنفست ليان الصعداء وألقت بحقيبتها على الأرض. مشت نحو النافذة الكبيرة وفتحتها ليدخل الهواء النقي.

​بينما كانت تتجول في الغرفة لكتشاف المكان، لاحظت باباً متصلاً في نهاية الغرفة. ظنت في البداية أنه تؤدي إلى خزانة الملابس، ولكن عندما اقتربت ومسكت بالمقبض، وجدته موارباً قليلاً.

​دفعت الباب ببطء لتكتشف أنه يؤدي إلى مكتب آخر، يتصل مباشرة بالجناح مجاور.

​دخلت بخطوات حذرة. كان المكان يعبق برائحة عطر رجالي قاطعة ومعروفة بالنسبة لها... إنه عطر آدم.

​كان هذا مكتبه الخاص في القصر.

​بدأت تتأمل المكتب؛ أوراق مرتبة، أجهزة حاسوب، وكتب في الاقتصاد والقانون. وبينما كانت على وشك التراجع والعودة لغرفتها لتجنب التدخل في خصوصيته، وقعت عينها على ملف أسود ملقى على طرف الطاولة الخشبية.

​لم يكن ملف ديون عائلتها... بل كان ملفاً يحمل اسمها بوضوح: "ليان... تقرير تقصي الحقائق".

​تجمدت في مكانها. امتدت يدها بتردد نحو الملف، وفتحت الصفحة الأولى.

​لم تكن المعلومات تقتصر على وضعها المالي أو ديون عائلتها، بل كانت تحتوي على تفاصيل دقيقة جداً عن حياتها: اسم مدرستها القديمة، أصدقائها، تفاصيل عملها السابق، وحتى جدول مواعيدها اليومية خلال الأشهر الستة الماضية!

​اتسعت عينها بصدمة وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.

​المرء لا يجمع كل هذه التفاصيل الدقيقة عن شخص لمجرد اتفاق زواج مفاجئ بسبب الديون!

​آدم لم يتقرب منها أو يخترها بالصدفة... كان يراقبها ويخطط للوصول إليها منذ أشهر طويلة قبل أن تفلس عائلتها حتى!

​وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت صوت خطوات منتظمة وقوية تقترب من باب المكتب الخارجي، قبل أن يُفتح الباب ويظهر آدم بهيئته الطويلة وبدلته الرسمية.

​توقفت عيناه الحادتان عليها، ثم انزلت نظراته نحو الملف الأسود المفتوح بين يديها.

​ساد صمت مرعب في الغرفة، وارتسمت على شفتي آدم ابتسامة باردة غامضة وهو يغلق الباب خلفه بقوة:

"يبدو أن زوجتي العزيزة تبدأ بفضولها مبكراً جداً..."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • زواج بثمن الديون   الفصل السادس عشر: البيت الذي أخفى الحقيقة

    كانت السيارة تشق طريقها في ظلام المدينة، بينما بقيت ليان صامتة تحدق من النافذة. لم تكن تسمع سوى صوت المحرك والمطر الخفيف الذي بدأ يطرق الزجاج. أما آدم فكان يقود بعينين ثابتتين على الطريق، لكن قبضته المشدودة حول المقود كانت تكشف أن ذهنه كان يغلي بالاحتمالات. بعد دقائق طويلة، قالت ليان بصوت خافت: "آدم." "نعم؟" "إذا كان والدي أخفى ورقة عني كل هذه السنوات... لماذا لم أجدها؟" "ربما لأنك لم تعرفي أنها موجودة." "لكنني عشت في ذلك البيت طوال طفولتي." "وهذا بالضبط ما يجعل الأمر أكثر خطورة." التفتت إليه باستغراب. "ماذا تقصد؟" "الأشياء التي نراها كل يوم تصبح أكثر الأشياء التي نتوقف عن ملاحظتها." ظلت كلماته تدور في رأسها. ثم أغمضت عينيها للحظات، محاولة استدعاء تفاصيل بيتها القديم. غرفة والدها الصغيرة. المكتب الخشبي. الخزانة القديمة. الرفوف التي كانت تحمل دفاتر الصيدلية وحساباتها. النافذة التي كان والدها يقف أمامها كل مساء. ثم تذكرت شيئاً. "كان لديه صندوق." نظر إليها آدم بسرعة. "أي صندوق؟" "صندوق خشبي صغير. لم أكن أراه إلا نادراً. كان يضعه في أسفل خزانته، خلف الملابس." "هل كان مقفلاً؟" "نعم." "هل ت

  • زواج بثمن الديون   الفصل الخامس عشر: المفتاح الذي لا يفتح باباً

    تجمدت ليان في مكانها، بينما بقيت عينا آدم مثبتتين على الباب المعدني المغلق أمامهما. كان صوت الرجل في الخارج هادئاً بصورة مخيفة، وكأنه لم يكن يقف أمام باب غرفة محصنة، بل يتحدث مع شخص يعرفه جيداً. قبض آدم على يد ليان، ثم أشار إليها بأن تبتعد عن الباب. قال بصوت منخفض: "لا تنطقي بكلمة." هزت ليان رأسها، لكن سؤالاً واحداً كان يصرخ داخل عقلها: كيف عرفوا بالمفتاح؟ كانت أصابعها تطبق على المفتاح الصغير حتى شعرت بحافته المعدنية تغرس في راحة يدها. لم يكن مجرد مفتاح بعد الآن. أصبح دليلاً على أن هناك من يراقب تحركاتها منذ البداية، وربما منذ اللحظة التي دخلت فيها حياة آدم. عاد الصوت خلف الباب: "نعرف أنك تسمعني يا آدم. لا تجعل الأمر أصعب مما يجب." لم يتحرك آدم. ثم انخفض صوته أكثر وهو يهمس لليان: "عندما أفتح الباب، ابقي خلفي مهما حدث." نظرت إليه باستنكار. "لكن..." "ليان." كانت نبرته حاسمة. "هذه المرة أريدك أن تثقي بي." توقفت للحظة. طوال الأيام الماضية كان كل شيء بينهما قائماً على الشك. كان يخفي عنها الحقائق، وهي تبحث خلفه عن الأكاذيب. لكن هذه المرة، وسط الظلام والخطر، كان هناك شيء مختلف في عينيه. لم ي

  • زواج بثمن الديون   الفصل الرابع عشر: عندما انطفأت الحماية

    لم تحتج ليان إلى أكثر من ثانية واحدة لتفهم أن شيئاً خطيراً قد حدث. انطفأت أنوار القصر دفعة واحدة، وغرق كل شيء في ظلام كثيف لم يقطعه سوى صوت الزجاج المتحطم في الجهة الشرقية من المبنى. تجمدت في مكانها، بينما ارتفع صوت آدم من خلفها حاداً ومخيفاً: "لقد وجدونا." التفتت إليه بسرعة، وقلبها يضرب داخل صدرها بعنف. لم تعد ترى ملامحه بوضوح، لكن صوته وحده كان كافياً لتدرك أن الرجل الذي اعتادت رؤيته مسيطراً على كل شيء فقد للحظة ذلك الهدوء البارد الذي يميزه. "من وجدنا؟" سألتها وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها. لم يجبها آدم مباشرة. سمعته يتحرك بسرعة في الظلام، ثم أمسك بيدها بقوة وسحبها نحوه. "لا تسألي الآن." "آدم، ماذا يحدث؟!" "قلت لكِ لا تسألي!" كانت نبرته قاسية، لكنها لم تكن تحمل الغضب الذي اعتادته منه. كان هناك شيء آخر... خوف حقيقي يحاول إخفاءه. وفي اللحظة نفسها، دوى صوت آخر من الطابق السفلي، أعقبه صراخ أحد الحراس، ثم صوت ارتطام قوي جعل جدران القصر تهتز. تراجعت ليان خطوة، لكن آدم وضع ذراعه أمامها مانعاً إياها من التحرك. "ابقَي خلفي." "أنا لا أفهم شيئاً!" "وهذا أفضل لكِ الآن." ثم أخرج هاتفه من جي

  • زواج بثمن الديون   الفصل الثالث عشر: السر الذي لم يُدفن

    توقفت أنفاس ليان للحظة، وكأن الهواء نفسه تجمد بين جدران الممر.كانت عينا آدم مثبتتين عليها من خلال فتحة الباب الضيقة، نظرة حادة اخترقت الظلام ووصلت مباشرة إلى قلبها. لم يكن في ملامحه غضب واضح، ولم يرفع صوته، لكن ذلك الهدوء تحديداً كان أكثر ما أخافها.تراجعت ليان خطوة إلى الخلف.ثم خطوة أخرى.لكن قبل أن تتمكن من الاستدارة، انفتح الباب بالكامل.وقف آدم أمامها.كان يرتدي قميصه الأبيض وقد ترك الزر العلوي مفتوحاً، بينما بدا التعب واضحاً على وجهه للمرة الأولى منذ أن عرفته. لم يكن الرجل البارد الذي رأته في الحفلات، ولا رجل الأعمال الذي يأمر الجميع بتنفيذ أوامره دون نقاش.كان يبدو كإنسان يحمل شيئاً أثقل من قدرته على الاحتمال.قال بصوت منخفض:"منذ متى وأنتِ تقفين هناك؟"ابتلعت ليان ريقها."منذ... لم يمضِ وقت طويل."ظل ينظر إليها دون أن يجيب.عرفت فوراً أنه لم يصدقها.رفعت ذقنها محاولة استعادة قوتها، وقالت:"سمعتك تتحدث عن والدي."لم يتغير وجه آدم."وماذا سمعتِ؟""سمعتك تقول إن والدي ترك سراً خطيراً قبل انهياره."صمت.اقترب آدم منها ببطء، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة."كان عليكِ أن تعودي إلى

  • زواج بثمن الديون   الفصل الثاني عشر: عاصفة في منتصف الليل

    كانت السيارة الرباعية الدفع تشق ظلام الطريق السريع بسرعة جنونية، وكأنها تمزق أستار الليل البارد. أمطار منتصف الليل تهطل بغزارة على الزجاج الأمامي، وصوت المساحات الذهبية يكسر الصمت المطبق داخل السيارة بنقراتها المنتظمة. كانت ليان تجلس في المقعد الخلفي، متكئة بجبهتها الشاحبة على النافذة الزجاجية الباردة، بينما يداها المرتجفتان تتشبثان بحقائبها الصغيرة كأنها طوق النجاة الوحيد في هذا العالم الذي تهاوى حولها. على المقعد المجاور، كان آدم يجري مكالمات متتالية بصوت حاد، ونبرة تشبه صليل الحديد في صرامتها. "أغلقوا كل المنافذ الإعلامية فوراً! لا أريد لخبر التسريب أن يصل إلى التداول البنكي صباح الغد... وطارق، ضعوا عينين على كل تحركاته! أريد أن أعرف من التقى ومن اتصل به قبل ساعتين!" صرخ آدم في هاتفه قبل أن يغلقه بعنف ويرميه على المقعد الجلد الفاخر بينهما. التفت نحو ليان ببطء، ونظرته الحادة تشتعل بغضب مكتوم. كانت الشوارع المظلمة تمر كالظلال خارج النافذة، وليان تلتزم الصمت، لكن قلبها كان يغلي بالأسئلة والوجع. اعترافه في الشرفة منذ قليل بأنه هو من اشترى ديون والدها تحول إلى سكين يغرس عميقاً في أعماق

  • زواج بثمن الديون   الفصل الحادي عشر: خلف الستار الأسود

    كانت أصوات الموسيقى الكلاسيكية والضحكات الخافتة في قاعة الاحتفال تتلاشى تدريجياً في أذن ليان، لتتحول إلى مجرد طنين مبهم. كانت أصابعها تضغط بقوة على أطراف الظرف البني الخشن المخفي بين ثنايا فستانها العاجي الفاخر. كأن الورق بين يديها قطعة من الجمر تشتعل حرارة وتكاد تحرق كبريائها. "آدم ليس المنقذ... بل هو من دبر كل شيء ليجبركِ على هذا الزواج." ظلت الكلمات التي همس بها الغريب تدور في رأسها كالمطرقة. نظرت حولها في القاعة؛ الثريات الكريستالية، الوجوه البراقة، الابتسامات المزيفة... كل شيء في هذا المكان الصاخب بدا فجأة وكأنه مسرحية نُصبت بإتقان لتكون هي ضحيتها الوحيدة. في تلك اللحظة، رأت آدم يعود بخطواته الثابتة والواثقة، يناور ببراعة بين الحضور، يُحيي هذا بابتسامة دافئة، ويومئ لذك بثقة. كان يبدو في نظر العالم الرجل الشريف الكامل، المنقذ الذي انتشل عائلة "ليان" من الفقر والانهيار. لكن في عينيها الآن، انقلبت الصورة تماماً؛ أصبح الحامي هو السجان، والإنقاذ لم يكن سوى الفخ الأخير. اقترب آدم منها، واعتلت وجهه نظرة تفقدية دقيقة فور أن لاحظ شحوب بشرتها وتجمد ملامحها. "ليان؟" قال بنبرة خفيضة وهو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status