Home / الرومانسية / زوجة أخي المتوفي / الفصل الثالث والأربعون: ظنون التجار ولهفة الانتظار

Share

الفصل الثالث والأربعون: ظنون التجار ولهفة الانتظار

Author: بهاء
last update publish date: 2026-09-12 00:57:56

المشهد الأول: أوهام العقل وجداول الحسابات

مرت الأيام الأولى من الأسبوع ثقيلةً ببطئها، كأن عقارب الساعة الخشبية في الدكان قد فقدت حركتها السريعة المعتادة. كنتُ أقضي الصباحات متظاهراً بالانشغال الكامل؛ أعيد ترتيب صفائح الزيت، أزن أكياس الدقيق، وأطالع دفتر الحسابات الداكن بعينين شاردتين لا تقرآن الأرقام المدونة بقدر ما تتفحصان اسم "أمينة" المكتوب في طرف الصفحة المنسية.

كنتُ أمارس خديعة ناعمة مع نفسي؛ أقنع عقلي بأن ترقبي لمنتصف الأسبوع ليس إلا اهتماماً بتثبيت زبونة من بيت عريض كبيت الحاج معتز، وأن
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل السابع والأربعون: وهم الإمساك بالحبلين

    المشهد الأول: صحوة الذنب والترميم الدافئاستيقظتُ مع بزوغ الفجر الأول، والبرودة تنسلّ من خلال نافذة الغرفة الغربية الخشبية، محمّلة برائحة الندى الخفيف المستقر على حجار الدار العتيقة. كانت سارة تنام بسكونها المستكين، مستسلمة لنومٍ ثقيل يخلو من شقاوة الصباحات المعتادة ونشاطها الدافئ الذي ألفْتُه منذ زفافنا. تطلعتُ في تفاصيل وجهها الوادع، وفي جفنَيها المطبَقين بصمتٍ جريح، فساورني ضيقٌ ثقيل في أرجاء صدري؛ لم تكن الخسارة البارحة سوى خدشٍ صغير في كبريائها، لكنني كرهتُ أن أرى نفسي في عينيها زوجاً يقصر أو يخذل، أو يترك انطباعاً بأن عرشه في قلبها قد تهشمت أركانه.لم أنتظر صياح ديوك الحارة المجاورة؛ قمتُ بخفّة، ارتديتُ عباءتي الصوفية الداكنة وخرجتُ إلى الشارع الترابي قبل أن تفتح كافة الدكاكين أبوابها. كانت أزقة الحارة خالية إلا من أنفاس الصباح الرطبة. اتجهتُ نحو حافة الحارة التحتانية إلى فرن الخباز العتيق حيث تتصاعد روائح الحطب والسمسم المحمص، ثم أخذتُ جولة بطيئة في الشارع الكبير حتى بدأت حركة الدكاكين وتنفست السوق، فعرّجتُ على دكان صائغ معروف فتح أبوابه مع إشراقة الشمس الأولى.عدتُ أجرّ خطاي و

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل السادس والأربعون: أول قربان على مذبح الظلال

    المشهد الأول: الوعد والبهجة المستعادةانبلج الصباح ونسيم تشرين البارد يحمل رائحة حطب الزيتون المحترق في أزقة الحارة. كانت سارة تقف عند عتبة الصالة، تفرد عباءتي الصوفية بيديها، وعيناها تفيضان ببريق خاص لم أعهده منذ أسابيع."أحمد.. هل تذكر وعدك لي بالأمس؟" سألتني بنبرة خفيضة يملؤها الرجاء الشغوف، وهي تضع كفها الدافئ على ساعدي.توقفتُ أعدل طية ثوبي، ونظرتُ إليها برزانة: "أي وعد يا سارة؟"تبسمت برقة وجذبني قليلًا نحو الكانون: "وعدتني أن تأخذني بعد عصر اليوم إلى خان الخياطين لنشتري قماش الثوب الجديد لحفلة خالتك، وأنا لم أخرج من الحارة منذ زفافنا.. والدتي وقريباتنا كنّ يترقبن حضورنا، ووعدتهنّ أنك ستوصلني بنفسك."تذكرتُ الوعد الذي قطعته لها على المائدة البارحة وأنا أستمد سكينتي المعتادة. أومأتُ برأسي ورسمتُ على وجهي ابتسامة الزوج الرءوف: "بالتأكيد يا سارة.. أعطيتكِ كلمتي، والوعد قائم؛ بعد العصر أكون هنا لننطلق معاً، أفرغ نفسي لكِ ولأهلك."اتسعت أسارير وجهها بابتسامة ناصعة، وطبعت قبلة رقيقة على ذراعي وهي تهمس: "الله لا يحرمنا منك يا تاج راسي.. سأجهز نفسي وأنتظرك عند العتبة."خرجتُ نحو الشارع،

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الخامس والأربعون: ثغرة في شباك الزجاج

    المشهد الأول: عثرة في الحسابات وتساؤل حسنيفي صباح اليوم التالي، كانت الحارة تخطو أولى خطواتها نحو الحركة. وصلتُ إلى الدكان والشبورة تعلو السقف الخشبي، لأجد الصبي حسني يحمل المكنسة ويكنس العتبة الحجرية بنشاط.أزحتُ عباءتي وجلستُ خلف المكتب، أفتح دفاتر الحسابات وأتظاهر بمراجعة الديون والواردات، بينما كان ذهني ما يزال عالقاً برائحة الورد والمسك وبالمساحة المغلقة التي حازتها نفسي في خان التشاركة.أقبل حسني ووقف عند طرف المكتب، متردداً قليلاً، ثم قال بصوت خفيض: "معلمي أحمد.. البارحة بعد أن خرجتَ متوجهاً إلى الخان، أتى تاجر الطحين من الحارة التحتانية يسأل عنك ليدفع بقية حسابه."رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إليه بثبات: "وماذا قلتَ له يا حسني؟""قلتُ له إنك ذهبتَ إلى خان التشاركة لمعاينة شحنة زيوت قادمة من نابلس لحساب المعلم أبي رياض، كما سمعتك تذكر أمام بعض الزبائن،" أجاب حسني ببراءة تامة، ثم أردف مستدركاً بعفوية الصبيان: "لكن يا معلمي.. المعلم أبو رياض جاء إلى المحل بعدك بساعة كاملة، وطلب شايًا وجلس يقتطع أوراق التبغ عند العتبة حتى أذان المغرب! ولما سألته عن الشحنة، ضحك وقال لي إنه لم يخرج من ا

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الرابع والأربعون: كذبة الخان وظلال اللقاء

    المشهد الأول: أول كذبة صريحة على المائدةكان صوت الملعقة النحاسية وهي تطرق جدار طبق الفخار يقطع الهدوء الخفيف في الصالة. جلستُ إلى مائدة العشاء، وسارة إلى جانبي تسكب لي مرق اللحم والدفء يغمر ملامحها المخلصة، بينما أمي تجلس متكئة على وسادتها ترشف حساءها الدافئ."أحمد.. ما لكَ لم تأكل سوى بضع لقيمات اليوم؟" سألتني سارة بصوت يمتلئ بالحرص والرقة، وهي تضع قطع اللحم في طبقي.مسحتُ شفتي بالمنديل الأبيض، ورسمتُ على وجهي نبرة إرهاق متصنعة أتقنتُ إخراجها بثبات لا يتزلزل: "السوق متعب يا سارة.. والعم أبو رياض طلب مني الذهاب غداً بعد الظهيرة إلى خان التشاركة خارج الحارة، لمعاينة شحنة زيوت وطحين قادمة من نابلس."التفتت أمي الحاجة فاطمة، ونظرت إليّ بنظرة هادئة: "خان التشاركة بعيد يا بني، والطريق إليه خلاء بعد العصر.. هل تحتاج أن يرافقك الغلام حسني؟""لا يا أمي، حسني سيبقى لحراسة المحل.. التاجر الشامي سيلتقي بي هناك وحدنا لتصفية الحسابات بعيداً عن أعين تجار السوق، وأمر البضائع يحتاج كتماناً ورزانة،" أجبتُ مسترسلاً في تفاصيل الكذبة الأولى بكل يسر وسلاسة، دون أن أطرق رأسي أو أتردد في نطق كلمة واحدة.نظ

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الثالث والأربعون: ظنون التجار ولهفة الانتظار

    المشهد الأول: أوهام العقل وجداول الحساباتمرت الأيام الأولى من الأسبوع ثقيلةً ببطئها، كأن عقارب الساعة الخشبية في الدكان قد فقدت حركتها السريعة المعتادة. كنتُ أقضي الصباحات متظاهراً بالانشغال الكامل؛ أعيد ترتيب صفائح الزيت، أزن أكياس الدقيق، وأطالع دفتر الحسابات الداكن بعينين شاردتين لا تقرآن الأرقام المدونة بقدر ما تتفحصان اسم "أمينة" المكتوب في طرف الصفحة المنسية.كنتُ أمارس خديعة ناعمة مع نفسي؛ أقنع عقلي بأن ترقبي لمنتصف الأسبوع ليس إلا اهتماماً بتثبيت زبونة من بيت عريض كبيت الحاج معتز، وأن ما جرى في اللقاء السابق لم يكن سوى مجاملة تجار ورزانة رجل يعرف كيف يكسب ثقة الكبار. لكن، وكلما خفت حركة السابلة في الشارع الحجري، كنتُ أجدني أرفع رأسي عفوياً نحو العتبة، مترقباً ظهور ذلك الظل الأسود الشامي والوقع المتزن للأقدام.أقبل الصبي حسني يحمل طبقاً من الشاي الساخن من مقهى أبو رياض، ووضعه على مكتبي: "المعلم أبو رياض يسألك يا شيخ أحمد إن كنتَ بحاجة لرجال لرفع حمل الطحين الجديد الذي سيصل غداً.""قل له لا داعي يا حسني.. سأتولى الأمر بنفسي، وأريد الدكان هادئاً بعد الظهيرة،" أجبتُ بنبرة حادة ون

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الثاني والأربعون: طمأنينة ملغومة واستدراج الشغف

    المشهد الأول: تبديد الشك واستعادة العرشانبلج الصباح الخافت محملاً بنسيم تشرين الرطب، ينسلّ هادئاً عبر زجاج النافذة العالية. فتحتُ عينيّ لأجد سارة تطالع وجهي باستكانة وقلق خفيف، وأصابعها الناعمة تطوّق معصمي.تبسّمتُ بوقار ورزانة، وأحطتُ وجنتها بكفي الدافئ أربّت عليه بثبات: "صباح الخير يا سارة.. ما زلتِ تتفكرين بشرودي البارحة؟ صدقيني، ليست إلا حسابات الدكان وتوسعة التجارة؛ السوق يمتص عافية الرجل دون أن يشعر، فلا تتركي للوسواس مكاناً بيننا."تنهدت سارة بعمق، واسترخت ملامحها بالكامل، كأن كلماتي اقتلعت من صدرها آخر شائبة خوف. أمالت رأسها لتطبع قبلة رقيقة على كفي: "الله يريح بالك يا أحمد.. أنا أسفة، لكنني لا أحتمل أن أرى غيمة واحدة على وجهك، أنت أماني وسندي."نزلت سارة الدرجات الحجرية خفيفةً متهللة لتجهز الإفطار لأمي، بينما وقفتُ عند السرير أرتدي عباءتي، وفي صدري راحة متزايجة بنشوة خفية؛ لقد تبدد شكها تماماً، وعدتُ أرى في عينيها ذلك الأمان المطلق الذي يمنحني الطمأنينة، ويدفع عني أي شعور مباشر بالتقصير تجاه بيتي.المشهد الثاني: مباركة فاطمة وراحة البيتعند عتبة الصالة، كانت أمي الحاجة فاطمة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status