Share

الفصل 3: فراغ مأجور

Author: amjad
last update publish date: 2026-08-02 16:45:53

سار كريم وطارق في الأزقة الضيقة المبتلة، والهدوء يلف المدينة إلا من أصوات قطرات المطر التي كانت تتساقط على جدران المباني العتيقة، معلنةً عن ليلة شتوية ثقيلة الأحداث. كانت رائحة الطين والماء المالح تفوح من بين الشقوق.

كان طارق يسير بخطوات واثقة، يقود كريم نحو زاوية مظلمة خلف المقهى القديم الذي أُغلقت أبوابه الخشبية منذ ساعات. هناك، كان يقف رجل بثياب متسخة وملامح قاسية نحتتها سنوات الشارع، يختبئ خلف صندوق خشبي متهالك وعيناه تتنقلان بالحذر المعتاد لرجال الظل.

اقترب طارق منه ودون أن يتكلم كلمة واحدة، مد يده وأخرج مبلغاً من المال، ليتسلم منه في المقابل كيساً بلاستيكياً صغيراً شفافاً يحوي مادة بيضاء ناعمة. ابتسم طارق ابتسامة خبيثة وهو يحرك الكيس أمام عيني كريم:

ـ هذه الكمية تكفي لخمسة أشخاص لتذهب عقولهم ليلتين كاملتين.. الليلة ليلتنا يا صاحب الكرم!

لم يعترض كريم، بل رمق الكيس بنظرة باردة وهو يمسح قطرات المطر عن نظارته الطبية ب طرف أكمامه الشبه مبتلة. كان يشعر في أعماق أحشائه برغبة عارمة في تغييب عقله وتدمير أي شعور بالذنب قد يراوده، رغبة تتغذى على الصداع النابض في رأسه والذي لم يهدأ منذ الصباح.

تحرك الاثنان سريعاً نحو الشقة الجديدة التي استأجرها طارق مؤخراً على أطراف المدينة؛ شقة معزولة وبعيدة عن الأعين، اختارها خصيصاً ليجعلا منها مأواهما للملذات والجلسات المشبوهة بعيداً عن رقابة والده ونفوذه الذي يتمدد في كل أحياء وسط المدينة. صعدا الدرج الإسمنتي الضيق بخطوات حثيثة، بينما كان صدى وقع أقدامهما يتردد في البناية الخاوية.

بمجرد أن فتح طارق الباب الخشبي الداكن ودخلا الشقة، عبقت في المكان رائحة الرطوبة الممزوجة بالدهان الجديد والتراب الخفيف الذي لم يُمسح بعد. المكان كان قاحلاً إلا من قطع أثاث قليلة وُضعت بعناية لخدمة أغراضهما فقط، وضوء خافت يخرج من مصباح يتأرجح في السقف.

ألقى طارق جاكيته الثقيل على الأريكة المتهالكة في الصالة، وأخرج هاتفه المحمول بملامح يعلوها الحماس، وكأنه على وشك بدء مسرحية أتقن إعداد كواليسها.

ضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على السماعة الخارجية ليسمع كريم. ردت عليه فتاة بصوت ناعم ومبحوح من أثر السهر والتعب:

ـ الووو... أهلاً طارق.. ماذا، هل هناك سهرة الليلة؟

ضحك طارق ونظر إلى كريم بنظرة تحمل العبث وقال بنبرة آمرة:

ـ أهلاً سمر.. اسمعي، الشقة التي على أطراف المدينة جاهزة، ومعي كريم أبو خليل. أريدك أن تحضري هند ورندة وتأتين فوراً.. أريدكم أنتم الثلاثة لتسليتنا الليلة ونصنع معاً أجواء لا تُنسى، المال والأدوات جاهزين.

قالت الفتاة بضحكة جشعة امتزجت بصوت ولاعة تُشعل سيجارة في الخلفية:

ـ امم... الطريق طويل والطقس سيئ..، لكنك مميز وتستحق المشقة.. نصف ساعة ونكون عندكم.

أغلق طارق الخط، والتفت إلى كريم الذي كان يقف وسط الصالة، يمسك ببرودة إطار نظارته وينظر حوله ببرود مستفز، وكأنه جثة تتحرك بالقصور الذاتي ولا يربطها بالواقع سوى خيط واهٍ.

تقدم طارق ونثر جزءاً من المادة البيضاء على الطاولة الخشبية ووزعها بشكل عشوائي، ثم ألقى لكريم أنبوبة بلاستيكية صغيرة:

ـ جهّز نفسك يا كريم.. الليلة ستنزل إلى أعمق مكان في القاع، وستنسى كل القرف الذي حدث في شقة رنا.

استنشق كريم الجرعة الأولى، فشعر بحرارة حارقة تجتاح أنفه وتنساب خلف حلقه لتسري في عروقه كالسم المشتعل، لتغيّب عقله وتدفع الدماء فوراً في جسده بقوة تجعل أطرافه تتخدر.

جلس على الأريكة الجلدية وشعور براحة غريبة ولامبالاة يسيطر عليه بالكامل، حواسه تبدلت وغبش ناعم غطى رؤيته، ينظر إلى الباب بانتظار وصول الفتيات الثلاث ليغرق معهن في سهرة لا شرف لها...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 16: الخيط المفقود

    في صباح اليوم التالي، كان مركز الشرطة يعج بالحركة. أصوات الموظفين ورنين الهواتف كانت تملأ المكان، بينما جلس المحقق حسام خلف مكتبه المحاط بالملفات وكوب القهوة الباردة. كان يدخن سيجارته بصمت، ويعيد قراءة أوراق قضية المزرعة للمرة الأخيرة. كل ما وجدوه حتى الآن كان يقود إلى نتيجة واحدة: من خطط للحريق كان يعرف جيداً كيف يخفي آثاره. لكن اسماً واحداً ظل أمامه. «أنور». كان هذا الخيط الوحيد الذي يملكه. فُتح باب المكتب فجأة، ودخل ضابط المباحث وهو يحمل ملفاً أصفر جديداً. وضعه أمام حسام وقال بقلق: ـ سيدي، لدينا مشكلة في تتبع أنور. رفع حسام رأسه ونزع السيجارة من فمه. ـ ماذا حدث؟ هل سافر وهرب خارجاً؟ هز الضابط رأسه نافياً. ـ الأمر أغرب من ذلك. بحثنا عن الرقم الوطني والبيانات الموجودة في عقد ملكية المزرعة، ثم راجعنا السجل المدني وقاعدة البيانات المركزية. توقف للحظة، ثم تابع: ـ لا يوجد أي شخص بهذا الاسم أو بهذه البيانات. ثبت حسام نظره عليه. ـ ماذا تعني لا يوجد؟ المزرعة مسجلة رسمياً باسمه. جلس الضابط أمامه وفتح الملف. ـ هذا ما جعلنا نشك في الأمر. عقد الملكية مزور، والهوية المستخدمة في تس

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 15: رماد الخيانة 2 (جثث بلا هوية)

    مرّ شهر كامل على ليلة الحريق. كانت المزرعة المهجورة تتوسط الأرض الخالية، وقد تحولت إلى مكان أسود تحيط به آثار الدمار من كل جانب. ورغم مرور أسابيع وهطول أمطار الشتاء، بقيت رائحة الحريق عالقة في المكان، تختلط برائحة الرماد والخشب المحترق. كان الشريط الأصفر يحيط بالمزرعة، بينما يتحرك رجال الأدلة الجنائية بين الركام بحذر. بعضهم كان يفحص الأرض، وآخرون يجمعون عينات من الرماد وبقايا البناء، بحثاً عن أي شيء يمكن أن يساعدهم في معرفة ما حدث في تلك الليلة. توقفت سيارة سوداء بالقرب من المكان. نزل المحقق حسام وأغلق الباب خلفه بهدوء. كان في منتصف الأربعينيات، يرتدي معطف المحققين داكناً، ويحمل في يده دفتراً صغيراً اعتاد أن يسجل فيه كل ملاحظة مهمة. أشعل سيجارته، ثم وقف للحظات ينظر إلى المزرعة قبل أن يتجه نحو المدخل المنهار. اقترب منه أحد ضباط المباحث فور وصوله. ـ سيدي، التقرير المبدئي جاهز. فريق الأدلة الجنائية ينهي عمله الآن. أومأ حسام برأسه. ـ هل وجدتم شيئاً جديداً؟ ـ ليس كثيراً. معظم المكان تعرض لحرارة شديدة، لكن الطبيب الشرعي ينتظرك في الداخل. دخل حسام إلى المزرعة، وسار بين ا

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 14: ثمن الحرية المزيفة

    كان الظلام داخل الشقة ثقيلاً كالكابوس، ولم يكن يقطعه سوى ضوء خافت يتسلل من الممر الداخلي.وقفت مي في منتصف الصالة، تتنفس بصعوبة وتسند ظهرها إلى الباب المغلق، بينما كان الرجل يقف أمامها على بعد خطوات، ينظر إليها بجمود تام. لم يبتسم، ولم يقل شيئاً، لكن عينيه كانتا تتحركان وتراقبات ملامحها وجسدها المرتجف بطريقة جعلت الدماء تتجمد في عروقها.خلع الرجل ساعته الذهبية ووضعها على الطاولة الخشبية، ثم التفت إليها وقال بصوت هادئ وخالٍ من أي عاطفة:ـ اخلعي وشاحكِ وتصرفي بهدوء. أنتِ هنا لتطيعي فقط.تراجعت مي خطوة إلى الخلف، وضغطت بيدها على الوشاح الأسود الملفوف حول رأسها وكتفيها، وهزت رأسها برعب:ـ أرجوك... أستاذ كريم قال لي إنك ستساعدني... دعني أذهب، أرجوك.لم يرد الرجل على توسلاتها. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وثابتة، ثم ألقى بجاكيته جانباً. وعندما حاولت مي الالتفاف لتفادي خطوته، امتدت يده القوية وسحبت الوشاح بحدة من حول عنقها، لينسدل شعرها الأشقر على كتفيها دفعة واحدة.صرخت مي وحاولت الابتعاد، لكنه جذبها من معصمها بقوة وقسوة بدون رحمة، ثم دفعها نحو الأريكة الكبيرة في منتصف الصالة.سقطت مي عليها وهي

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 13: بين أحضان الجحيم

    كانت زخات المطر الخفيفة تضرب زجاج السيارة، بينما ظل الصمت يملأ المقعد الخلفي.جلست مي قرب النافذة، تلف الوشاح الاسود حول جسدها المجهد وتحاول أن تمنع ارتجاف جسدها. كانت تراقب الشوارع من خلف الزجاج المعتم، وكلما ابتعدت السيارة، شعرت أنها تبتعد أكثر عن بيتها، عن حيها، وعن كل شيء تعرفه.كانت خائفة، لكنها كانت تحاول أن تتمسك بشيء واحد.الأمل.أخبرت نفسها أن كريم جاء لينقذها. أنه الشخص الوحيد الذي مد يده إليها عندما لم يقف معها أحد. وربما، بعد كل الضرب والعنف الذي عاشته، كانت مستعدة للتعلق بأي قشة تمنحها شعوراً بالأمان.رفعت عينيها المجهدتين إلى المرآة الوسطى، فالتقت بنظرات كريم لثوانٍ.ابتسم لها ابتسامة هادئة.فابتسمت هي بخجل وتوتر، وكأنها تطمئن قلبها المذعور بأن كل شيء سيكون بخير أخيراً.كان كريم يقود بهدوء قاتل. عدّل نظارته الطبية على أنفه، ثم أعاد عينيه إلى الطريق دون أن ترف له جفن.بعد دقائق، قال بصوت دافئ:ـ اهدئي يا مي... بقي القليل فقط.مسحت مي دمعة دافئة عن خدها الشاحب وقالت:ـ إلى أين سنذهب؟نظر إليها من المرآة وأجاب بنبرة مطمئنة:ـ إلى مكان أفضل بكثير. الرجل الذي سنذهب إليه يعرفن

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 12: نشوة الخائنة

    صعدت رؤى السلالم الخشبية المؤدية إلى الطابق العلوي بخطوات سريعة ونبضات قلب متسارعة، حتى وصلت إلى غرفة الرسم المنعزلة في أقصى الممر، بعيداً عن الجميع وعيونهم. دفعت الباب الثقيل ببطء ودخلت، ثم أغلقت الباب خلفها، ليعم الهدوء المكان وتغيب ضوضاء المدرسة وصخب الفناء خلف الجدران السميكة.كان كريم يقف بجوار إحدى اللوحات المغطاة، مسنداً ظهره إلى الطاولة الخشبية، وقد خلع جاكيته وألقاه جانباً وشمر أكمام قميصه الأبيض ببطء. نظارته الطبية تعكس الضوء الخافت المتسلل من النافذة المرتفعة، وفي عينيه العسليتين بريق مظلم يفيض بالنصر والنشوة الجامحة.اقتربت رؤى منه بنظرات حائرة ومشتعلة بالفضول، وهي ترتدي زيها المدرسي من قميص أبيض وتنورة بنية داكنة تصل إلى ركبتيها وجوارب بيضاء اسفل ساقها. وقفت أمامه وقالت بنبرة مضطربة يتخللها الترقب:ـ أستاذ كريم.. استدعيتني بهاتفك بـ هذه السرعة؟ هل حدث شيء مع مي؟ابتسم كريم ابتسامة باردة تحمل كل معالم الجشع المظلم ، وتقدم نحوها خطوة واحدة حتى أصبحت المسافة بينهما قريبة جداً، وشعرت برياح أنفاسه الدافئة تلامس جبهتها. رفع يده الثقيلة وبدأ يتلمس وجهها الناعم ببطء، ممرراً

  • زوجة المعلم في أحضان صديقه.   الفصل 11: طوق النجاة المسموم

    وبعد انتهاء اليوم الدراسي عبرت مي عتبة منزلها في ذلك المساء وقلبها ينبض بالخوف والترقب، تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها قبل أن تطأ قدمها هذا المكان.لم تكد تغلق الباب خلفها في الصالة المظلمة حتى فاجأها والدها الواقف في الظل؛ كان وجهه مشتعل بدموية حاقدة، ورائحة الكحول الكريهة تفوح من أنفاسه لتملأ المكان بقرف خانق.دون أي مقدمات أو سؤال، انهال عليها بصفعة قاسية مدوية أطارت زينة شعرها البسيطة وألقتها أرضاً على البلاط البارد.تراجعت مي على أطرافها وهي تنتخب من الصدمة، لكنه لم يمهلها؛ فك حزامه الجلدي الثقيل المعدني، وبدأ ينهال به على ظهرها وكتفيها بوحشية.تعالت صرخاتها المكتومة وهي تتكوّم على نفسها تحمي وجهها تحت قدميه، بينما كانت ضرباته المتتابعة على جلدها الناعم، وتلون مساحات جديدة من جسدها باللون الأزرق والأسود الداكن.بينا كان يشتمها بكلمات جارحة، واتهمها بالتقصير والعصيان لمجرد تأخرها دقائق في العودة، ثم ركلها بقسوة في أضلاعها وتركها ملقاة على الأرض تعتصر ألمها بمفردها.زحفت مي بصعوبة بالغة نحو غرفتها المظلمة بعد ساعات من الإهانة، والدموع تغسل وجهها الحزين.كانت تتأوه بصوت خفيض من الأل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status