ログインسار كريم وطارق في الأزقة الضيقة المبتلة، والهدوء يلف المدينة إلا من أصوات قطرات المطر التي كانت تتساقط على جدران المباني العتيقة، معلنةً عن ليلة شتوية ثقيلة الأحداث. كانت رائحة الطين والماء المالح تفوح من بين الشقوق.
كان طارق يسير بخطوات واثقة، يقود كريم نحو زاوية مظلمة خلف المقهى القديم الذي أُغلقت أبوابه الخشبية منذ ساعات. هناك، كان يقف رجل بثياب متسخة وملامح قاسية نحتتها سنوات الشارع، يختبئ خلف صندوق خشبي متهالك وعيناه تتنقلان بالحذر المعتاد لرجال الظل. اقترب طارق منه ودون أن يتكلم كلمة واحدة، مد يده وأخرج مبلغاً من المال، ليتسلم منه في المقابل كيساً بلاستيكياً صغيراً شفافاً يحوي مادة بيضاء ناعمة. ابتسم طارق ابتسامة خبيثة وهو يحرك الكيس أمام عيني كريم: ـ هذه الكمية تكفي لخمسة أشخاص لتذهب عقولهم ليلتين كاملتين.. الليلة ليلتنا يا صاحب الكرم! لم يعترض كريم، بل رمق الكيس بنظرة باردة وهو يمسح قطرات المطر عن نظارته الطبية ب طرف أكمامه الشبه مبتلة. كان يشعر في أعماق أحشائه برغبة عارمة في تغييب عقله وتدمير أي شعور بالذنب قد يراوده، رغبة تتغذى على الصداع النابض في رأسه والذي لم يهدأ منذ الصباح. تحرك الاثنان سريعاً نحو الشقة الجديدة التي استأجرها طارق مؤخراً على أطراف المدينة؛ شقة معزولة وبعيدة عن الأعين، اختارها خصيصاً ليجعلا منها مأواهما للملذات والجلسات المشبوهة بعيداً عن رقابة والده ونفوذه الذي يتمدد في كل أحياء وسط المدينة. صعدا الدرج الإسمنتي الضيق بخطوات حثيثة، بينما كان صدى وقع أقدامهما يتردد في البناية الخاوية. بمجرد أن فتح طارق الباب الخشبي الداكن ودخلا الشقة، عبقت في المكان رائحة الرطوبة الممزوجة بالدهان الجديد والتراب الخفيف الذي لم يُمسح بعد. المكان كان قاحلاً إلا من قطع أثاث قليلة وُضعت بعناية لخدمة أغراضهما فقط، وضوء خافت يخرج من مصباح يتأرجح في السقف. ألقى طارق جاكيته الثقيل على الأريكة المتهالكة في الصالة، وأخرج هاتفه المحمول بملامح يعلوها الحماس، وكأنه على وشك بدء مسرحية أتقن إعداد كواليسها. ضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على السماعة الخارجية ليسمع كريم. ردت عليه فتاة بصوت ناعم ومبحوح من أثر السهر والتعب: ـ الووو... أهلاً طارق.. ماذا، هل هناك سهرة الليلة؟ ضحك طارق ونظر إلى كريم بنظرة تحمل العبث وقال بنبرة آمرة: ـ أهلاً سمر.. اسمعي، الشقة التي على أطراف المدينة جاهزة، ومعي كريم أبو خليل. أريدك أن تحضري هند ورندة وتأتين فوراً.. أريدكم أنتم الثلاثة لتسليتنا الليلة ونصنع معاً أجواء لا تُنسى، المال والأدوات جاهزين. قالت الفتاة بضحكة جشعة امتزجت بصوت ولاعة تُشعل سيجارة في الخلفية: ـ امم... الطريق طويل والطقس سيئ..، لكنك مميز وتستحق المشقة.. نصف ساعة ونكون عندكم. أغلق طارق الخط، والتفت إلى كريم الذي كان يقف وسط الصالة، يمسك ببرودة إطار نظارته وينظر حوله ببرود مستفز، وكأنه جثة تتحرك بالقصور الذاتي ولا يربطها بالواقع سوى خيط واهٍ. تقدم طارق ونثر جزءاً من المادة البيضاء على الطاولة الخشبية ووزعها بشكل عشوائي، ثم ألقى لكريم أنبوبة بلاستيكية صغيرة: ـ جهّز نفسك يا كريم.. الليلة ستنزل إلى أعمق مكان في القاع، وستنسى كل القرف الذي حدث في شقة رنا. استنشق كريم الجرعة الأولى، فشعر بحرارة حارقة تجتاح أنفه وتنساب خلف حلقه لتسري في عروقه كالسم المشتعل، لتغيّب عقله وتدفع الدماء فوراً في جسده بقوة تجعل أطرافه تتخدر. جلس على الأريكة الجلدية وشعور براحة غريبة ولامبالاة يسيطر عليه بالكامل، حواسه تبدلت وغبش ناعم غطى رؤيته، ينظر إلى الباب بانتظار وصول الفتيات الثلاث ليغرق معهن في سهرة لا شرف لها...بدأ صباح اليوم التالي بشكل طبيعي...خرج كريم من منزله في موعده المعتاد، واتجه إلى المدرسة دون أن يغير شيئاً من روتينه.لم يكن يعرف أن هناك سيارة متوقفة على بعد مسافة من منزله كانت تراقبه منذ لحظة خروجه.جلس أحد رجال حسام خلف المقود، بينما تابع الآخر تحركات كريم من بعيد.لم يكن المطلوب منهما الاقتراب... فقط أن يعرفا أين يذهب، ومن يقابل، ومتى يعود.وصل كريم إلى المدرسة؛ دخل المبنى، وتوجه إلى صفوفه كعادته، وتحدث مع بعض الطلاب، ثم أمضى ساعات الصباح في عمله دون أن يفعل شيئاً يثير الشك.ومن الخارج، بقي الرجلان يتابعانه.مرَّت الساعات، ثم خرج كريم في نهاية الدوام.تبعاه من مسافة مناسبة، لكنه لم يتجه إلى مكان غريب... عاد إلى منزله مباشرة.قال أحد الرجلين عبر الهاتف:ـ عاد إلى المنزل.جاءه صوت حسام:ـ استمروا.ـ لا يوجد شيء غير طبيعي حتى الآن.ـ لا تتوقعوا أن يظهر كل شيء في يوم واحد.انتهت المكالمة.وفي المساء، غادر كريم منزله مرة أخرى... هذه المرة اتجه إلى حانة رنا.لاحظ الرجلان ذلك، فتبادلا نظرة سريعة، ثم تحركا خلفه.دخل كريم الحانة، وكانت رنا خلف المنضدة... وما إن رأته حتى اقتربت منه وقالت
لم يكن حسام يبحث عن اسم جديد في الملفات... كان يبحث عن النمط.منذ فترة طويلة، ظلت كل قضيةٍ مغلقةً تحت عنوانٍ مختلفٍ، وكأن كل حادثةٍ حدثت وحدها... لكن بعد إعادة فتح ملف حريق المزرعة، وبعد ظهور الخاتم والرسالة الغامضة، بدأ يشعر أن هناك أجزاءً مفقودةً من قصةٍ أكبر.جلس أمام مكتبه، ووضع الملفات الأربعة أمامه: سلمى، مريم، نور ومي، ثم الملف القديم الخاص بليان وطارق.لم يبدأ بالأسماء، بل بدأ بالتفاصيل؛ راجع التواريخ، الأماكن، والأشخاص الذين ظهروا حول الضحايا قبل اختفائهم.ومع مرور الوقت، بدأ يلاحظ شيئاً غريباً... لم يكن هناك أي دليلٍ على وجود جهةٍ خارجيةٍ تتحرك بشكلٍ عشوائيٍ؛ لا رسائل مجهولة متكررة، لا طلبات، ولا نمط يدل على شخصٍ يختار ضحاياه من بعيدٍ.على العكس... كل من اختفى كان حوله شخصٌ يعرفه جيداً، شخصٌ يثق به، شخصٌ يستطيع الاقتراب منه دون أن يثير الشك.توقف حسام عند هذه النقطة، وكتب في دفتره:"ليس شخصاً يبحث عن ضحية عشوائية... بل شخصٌ يعرفهم مسبقاً"ظل ينظر إلى الجملة؛ كانت هذه المعلومة تغير طريقة التحقيق بالكامل، لأن السؤال لم يعد: من يستطيع الوصول إليهم؟، بل: من كان قريباً منهم بما
لم يخرج ملف حريق المزرعة من ذهن حسام منذ الليلة التي وصل فيها الخاتم.كان التقرير الرسمي واضحاً؛ ماس كهربائي تسبب في الحريق، ثم أُغلقت القضية... لكن الرسالة التي وصلته جعلته يشك في كل شيء.لذلك قرر إعادة فتح الملف بشكل سري، دون إبلاغ بقية المحققين.أخرج النسخة القديمة من الأرشيف، وبدأ يراجع تفاصيلها من جديد؛ كان التقرير مختصراً بشكل غريب، وبعض النقاط المهمة لم تكن موضحة كما ينبغي.بحث حسام عن اسم خبير الإطفاء الذي أعد التقرير، حتى تمكن من الوصول إليه... كان يدعى "إلياس فولت"جلس إلياس أمام حسام في مكان هادئ، وبدا عليه الهدوء أكثر من القلق.وضع حسام نسخة من التقرير أمامه وسأله:ـ أنت من كتب هذا التقرير؟نظر إلياس إلى الورقة وأومأ:ـ نعم.ـ وذكرت أن سبب الحريق ماس كهربائي.ـ نعم هذا ما تم اعتماده.توقف حسام قليلاً:ـ هل كنت متأكداً من ذلك؟تنهد إلياس:ـ عندما وصلت إلى المزرعة، كان الحريق قد دمر جزءاً كبيراً من المكان... لم تكن الأدلة كافية للجزم بكل التفاصيل.رفع حسام حاجبه:ـ ومع ذلك أُغلق الملف.أومأ إلياس ببطء:ـ نعم.ـ لماذا؟صمت الرجل لحظة، ثم قال:ـ لأنني تلقيت أوامر بإغلاق التقري
أشرقت شمس المدينة بعد أسابيع طويلة من الإشاعات، وعادت الحركة إلى الشوارع شيئاً فشيئاً.وفي المدرسة الثانوية، بدا كل شيء طبيعياً من جديد.دخل الأستاذ كريم إلى المبنى بخطوات ثابتة، مرتدياً مظهره المعتاد؛ ملابس أنيقة، ابتسامة هادئة، ونظرات توحي بالثقة والاتزان.كان من السهل على أي شخص أن يراه في تلك اللحظة ويظن أن كل شيء عاد إلى مكانه.لكن خلف ذلك الهدوء، كان كريم يشعر بشيء مختلف.كان يعتقد أن العاصفة مرت، وأن ما حدث خلال الأسابيع الماضية أصبح مجرد صفحة يمكن طيها.حتى رنا شريكته بدأت تستعيد هدوءها، وكأنهما نجحا أخيراً في إبعاد الشكوك عنهما.لم يعرف أيٌّ منهما أن الماضي، الذي ظنّا أنه دُفن إلى الأبد، بدأ يتحرك من جديد.وفي مكتب المباحث، كان المحقق حسام يعيش يوماً مختلفاً تماماً.جلس أمام مكتبه تحيط به الملفات القديمة والجديدة، يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرىمحاولاً العثور على الخيط الذي ظل مفقوداً طوال الفترة الماضية.كانت قضية اختفاء الفتيات تشغل تفكيره باستمرار، وكلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه علامة جديدة تدفعه إلى الخلف.وبينما كان يراجع أحد الملفات، طرق الشرطي الباب ودخل، ثم و
مرّت أيام قليلة منذ بدأت منشورات مريم تنتشر في المدينة.ومع أن كثيرين صدّقوا ما كتبته، وبدأت الأنظار تتجه نحوها، إلا أن قضية قديمة بقيت حاضرة في أذهان الجميع.نور ومي.الاسمان اللذان لم يتوقف الناس عن الحديث عنهما.فتاتان اختفتا منذ وقت طويل، ولم يعرف أحد حتى الآن ما الذي حدث لهما.ومع كل قصة جديدة تظهر، كان السؤال نفسه يعود من جديد.أين ذهبت نور ومي؟وهل كان اختفاؤهما مجرد حادثة قديمة انتهت مع مرور الزمن؟أم أن وراءه شيئاً لم تكتشفه الشرطة بعد؟في مكتب التحقيق، كان حسام يجلس أمام مجموعة من الملفات القديمة.فتح أحدها.ثم آخر.حتى وصل إلى الملف الذي أصبح يعرف تفاصيله أكثر مما يتمنى.ملف نور ومي.ظل يحدق في الصور القديمة للحظات.ثم قال لنفسه:ـ لماذا أشعر أن هذه القضية لم تنتهِ بعد؟أغلق الملف، لكنه لم يضعه جانباً.على العكس، حمله معه وغادر المكتب.كان يريد أن يسمع المدينة بنفسه.ليس ما تقوله التقارير...بل ما يقوله الناس والشهود.بدأ حسام جولته في الأحياء القديمة.مرّ بالمحال الصغيرة، وجلس لبعض الوقت في أحد المقاهي، ثم انتقل إلى الشوارع التي كانت نور ومي تترددان عليها وتسكنان فيها قبل
عاد الهدوء إلى المدينة من جديد.وهذا الهدوء جعل كريم يتنفس للمرة الأولى منذ أيام.عادت الطالبات إلى المدرسة.تراجعت الأحاديث في الشوارع.وانشغلت الشرطة بالخيوط التي قادتها إليها القصة الجديدة.كان كل شيء يسير كما أراد.لكن كريم كان يعرف أن شيئاً واحداً لا يزال يقلقه... الماضي.في مساء ذلك اليوم، اجتمع مع رنا في شقتها.كانت الغرفة هادئة، لكن الصناديق المنتشرة على الأرض كسرت ذلك الهدوء.فتح كريم أحدها، فظهرت أمامه ملابس الفتيات المدرسية.تأملها للحظات، ثم أخرج هواتفهم القديمة من الصندوق.قالت رنا:ـ هل هذه كل الأشياء؟أجاب دون أن يرفع عينيه:ـ نعم معظمها.ـ وماذا ستفعل بها؟نظر إليها:ـ أتخلص منها.فهمت رنا ما يقصده.بدأت تجمع المتعلقات القديمة، بينما كان كريم يفتح صندوقاً تلو الآخر.ملابس... هواتف... أغراض شخصية صغيرة.أشياء تبدو عادية لأي شخص، لكنها بالنسبة إليهما كانت آثاراً لا يريدان بقاءها.قالت رنا:ـ يجب ألا يبقى شيء.ـ لن يبقى.وضعت بعض الأغراض جانباً، ثم بدأت بإتلاف ما يمكن إتلافه، بينما تولى كريم التخلص من بقية المتعلقات والملابس بإحراقها.لم يتحدثا كثيراً، كان كل واحد منهما ي







