LOGINلم تتبدل تعابير "نوح"، بل سأله بثبات بالغ:- فعلت ماذا؟احتدمت ملامح "راغب"، وقال باستهجان وقد ارتفعت نبرة صوته:- أنت تعلم جيدًا ما الذي فعلته.قلب "نوح" عينيه بملل مصطنع، وقال بضجر ومراوغة، بصوت بالغ البرود:- لا أحب هذا الأسلوب المليء بالألغاز، وأنت تعلم ذلك.اشتعل غضب "راغب" من بروده الذي يدفعه إلى أقصى درجات الانفعال، لكنه أدرك أنه يريد منه التصريح المباشر، فهدر قائلًا:- لماذا سكبت الزيت على الأرض لتسير عليه كيان وتسقط؟قطب "نوح" حاجبيه متصنعًا الدهشة، ورد مستفهمًا:- زيت؟ أي زيت تتحدث عنه؟قبض "راغب" على إحدى يديه بعصبية محاولًا السيطرة على نفسه، وقد تيقن تمامًا أن والده هو من يقف خلف ما حدث لـ"كيان"، وقال من بين أسنانه المطبقة، بصوت هادر يفيض حنقًا:- لا تتظاهر بأنك لا تفهم يا أبي. لينا أخبرتني أنها سألتك عن الزيت الذي رأته تحت قدم كيان، وهذا يعني أنك كنت تعلم بوجوده.رفع "نوح" سبابته في وجه ابنه، وقد أثاره ارتفاع صوته عليه، وقال بلهجة حادة:- راغب، لا ترفع صوتك عليَّ وأنت تحدثني.ارتفع صوت "راغب" أكثر، وصاح به وقد تطاير الشرر من عينيه:- أنا لم أرفع صوتي بعد! إلى ماذا كنت تري
التفتت إلى مصدر صوته، فرأته يصعد الدرج، فأجابته بملامح مرتعشة وصوت اختنق بالخوف المتعاظم:- كيان سقطت يا أبي، ولا تستجيب إطلاقًا.انحنى بجذعه نحوها وجثا على ركبتيه، وجسَّ نبض معصمها الأيسر فوجده ينبض، لكن انتباهه انصرف إلى سيل من الدماء يتدفق من أسفل رأسها.شهقت "لينا" بذعر، ووضعت يدها على فمها، بينما جزَّ والدها على أسنانه غضبًا، وأمرها على الفور وهو يمرر إحدى ذراعيه أسفل ظهر "كيان" والأخرى أسفل ركبتيها ليحملها:- اذهبي واطلبي سيارة الإسعاف بسرعة.كادت تنهض مسرعة، لكنها تجمدت في مكانها حين رأت بقعة زيت أسفل قدم "كيان"، فأشارت إليها بيدها متسائلة بدهشة:- ما هذا الزيت؟ظهر التوتر على ملامح "نوح"، لكنه سرعان ما أخفاه، وصاح بها بحدة بعدما حمل "كيان":- ليس هذا وقته يا لينا، اذهبي واتصلي بالإسعاف حالًا.¤¤¤¤¤¤وقف "راغب" أمام "لينا" يلهث بقوة، وأنفاسه تتلاحق بعدما هاتفته وأخبرته بإصابة "كيان" في رأسها ونقلها إلى المستشفى.سألها بخوف بالغ وصوت متلهف:- ماذا حدث؟ ما الذي أصاب كيان؟نظرت إليه بعينين يغمرهما الحزن، وقالت بنبرة آسفة وكأنها تحمل نفسها مسؤولية ما جرى:- كانت كيان عندي، وأثناء م
لم تتفاجأ بأسلوبه المازح، فقد سبق أن أخبرها، بأسلوب لطيف، أن تتحاشى التعامل معه بأريحية أمام «كيان»، لأن ذلك يثير غيرتها، وقد تفهمت الأمر منذ ذلك الحين.أما اليوم، فقد استغربت طريقته رغم غياب «كيان»، لكنها أدركت من ملامحه أنه يمزح معها.فقال بصوت امتزج بالمرح:- شيء من هذا القبيل.تعالت ضحكاتهما، قبل أن تقول «داليدا» مازحة:- لا بأس... كل شيء يهون من أجل الصغيرة التي ننتظرها.تبدلت ملامحه وهو يلتقط هاتفه، وقال متذكرًا:- لقد ذكرتِني... هناك بعض الأشياء التي أردت طلبها عبر الإنترنت لـ«كيان»، خاصة بتجهيزات غرفة الصغيرة.فتح هاتفه، وبدأ يطلب ما كانت «كيان» قد اختارته.وبينما كان منهمكًا فيما يفعل، سألته «داليدا» باهتمام:- وهل فكرتم في اسم لها؟لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى انتهى، فوضع هاتفه جانبًا، وقال بهدوء:- كيان محتارة بين أسماء كثيرة.أومأت برأسها بتفهم، ثم سألت:- وأنت؟ ألم تفكر في اسم؟هز رأسه نافيًا، وقال مازحًا:- تركت لها هذه المهمة... أخشى أن أقترح اسم فتاة، فتظن أنني كنت على علاقة بصاحبة الاسم.قالت بطريقة درامية، وهي تضحك:- عشت حتى رأيتك متزوجًا وتخاف من زوجتك!حك ذقنه بحرج مصطنع
اقترب منها أكثر، وارتسم الخبث على ملامحه، ثم قال بتحدٍ واضح:- إما أن تجعلي «كيان» تتنازل عن الميراث، وإما أن أرسل إليها التسجيلات التي تعترفين فيها بقتلك «بكر».ضحكت ضحكة امتزج فيها الاستهزاء بالحقد، وقالت باستخفاف:- وهل تتخيل أنني سأوافق على هذا الهراء؟ضيّق عينيه وهو يقول ببرود مستفز:- إذًا ليس لديكِ مانع أن تعرف الحقيقة؟تسارعت أنفاسها من شدة الغضب، وظلت تحدق فيه بصمت، قبل أن تقول بجمود بعدما خطرت لها فكرة:- هناك حل آخر.أمال رأسه قليلًا، وقال باستفهام:- وما هو؟أجابته بالنبرة الجامدة ذاتها:- أن تُسقط الجنين.انعقدت ملامحه، إذ لم يفهم ما الذي سيجنيه من ذلك، فبادرت إلى توضيح مقصدها:- «راغب» متمسك بها بسبب الطفل الذي تحمله، فإذا فقدته، ستستطيع عندها أن تعيده إلى طوعك، وتجعله يطلق «كيان».التوت شفتاه بسخرية، وقال:- وكيف سأجعله يعود إلى طوعي؟ «راغب» ليس طفلًا صغيرًا حتى أفرض عليه الطلاق فيوافق.هزت رأسها بتفهم، ووضعت سبابتها أسفل شفتها، وقالت بجدية أثارت فضوله:- لكن هناك طريقة قد يوافق بها.نفد صبره من مراوغتها، فأغمض عينيه لحظة، ثم قال بضيق:- وما هي؟هزت كتفيها كأن الأمر بدي
أرخى يده عن هاتفه بعدما وضعه فوق الكومود، وكان جالسًا في منتصف الفراش مستندًا إلى الوسائد.تبدلت ملامحه إلى الضيق الممزوج بالسخط على كل ما يصدر عن والده، وإصراره على انتزاع ما ليس من حقه، فضلًا عن معاملته لـ«كيان» بتلك الطريقة التي كانت تجعل الدماء تغلي في عروقه.فقد أخبرته «لينا» منذ قليل بما حدث في المستشفى أثناء وجوده في غرفة العمليات، وهو الأمر الذي لم تخبره به «كيان»، وكان ذلك أكثر ما أثار ضيقه.لماذا لم تخبره بما حدث معها؟ أكانت لا تزال تخفي عنه ما يؤذيها؟وبينما كان غارقًا في أفكاره، دخلت «كيان» الغرفة، واتجهت إليه مباشرة لتعطيه دواءه.أخذ الدواء منها في صمت، ثم شرب قليلًا من الماء. وما إن وضعت قنينة الماء بجانبه، وابتسمت له بود، حتى باغتها بسؤال جاد:- ما الذي حدث في المستشفى يا كيان؟ارتسم التوتر على ملامحها من سؤاله المفاجئ، ومن نظراته المتفحصة لها، فقالت بتلعثم وهي تهم بالابتعاد:- لم يحدث شيء.أمسك بمعصمها، مانعًا إياها من المغادرة، ثم سألها بلهجة متوجسة:- أحقًا لم يقل لكِ أبي شيئًا أزعجك؟حدقت فيه بدهشة، وسألته بسرعة:- كيف عرفت؟أجابها بنبرة يغلب عليها العتاب والضيق:-
أخرج الطبيب هاتفه، وقال لها بالملامح المعقدة ذاتها:- للأسف، حالته حرجة جدًا، سأطلب سيارة الإسعاف، فلا ينبغي أن نضيع مزيدًا من الوقت.اغرورقت عيناها بالدموع، وشعرت بخفقة عنيفة تعصف بقلبها. وعلى الفور التقطت هاتفها، واتصلت بـ«لينا». وما إن جاءها صوتها الناعس حتى استغاثت بها «كيان» بانهيار، وقد انهمرت دموعها:- لينا... أرجوكِ، تعالي بسرعة.¤¤¤¤¤¤كانت تجلس على أحد المقاعد في ردهة المستشفى، إلى جوار غرفة العمليات التي يُجرى فيها تدخل «راغب» الجراحي. كانت دموعها تنهمر رغمًا عنها، وكلما هدأت قليلًا، عادت للبكاء من جديد.ورغم محاولات «لينا» المستميتة لطمأنتها، فإنها كانت تبوء بالفشل. وضعت يدها على ذراع «كيان»، وربتت عليها برفق ودعم، وقالت بحنان، مواصلة محاولاتها لتهدئتها:- كيان، يا حبيبتي، اهدئي... كفى بكاءً، فهذا ليس جيدًا للطفل.ازداد نحيبها، ودفنت وجهها بين كفيها، وقالت بصوت متحشرج:- لا أستطيع يا لينا... أنتِ لم تريه كيف كان يصرخ من شدة الألم، أنا خائفة عليه جدًا.انعقدت ملامح «لينا» بحزن بالغ، واستمرت في التربيت على ذراعها، ثم قالت برجاء يشوبه القلق:- لا تقلقي، بإذن الله ستمر على خير
أغمض عينيه كاتمًا انفعاله، كي لا ينهال عليها بصفعات متعاقبة، عقابًا على ما أقحمته فيه، وهدر بعد أن فتحهما: -إذًا بمَ تفسّرين سبب تعبه؟ قضمت شفتيها بغلٍ من هديرة المستثير لأعصابها، وقالت بنبرة مزعوجة: -ربما يكون قد عاد من السفر فجأة لأنه متعب. لغوها الفارغ، وثرثرتها التي لا يوجد منها فائدة لا
اشتعلت السخونة في وجهها فور رؤيته، وسرعان ما أبعدت عينيها عنه. فقد كان قد خرج من الحمّام للتو، يكتفي بارتداء بنطال أسود قطني، بينما بقي جذعه العلوي عاريًا. ابتلعت ريقها في ارتباك، وحاولت أن تستعيد توازنها، ثم أجابت بصوت مهتز قليلًا: - سأنام. اقترب منها قبل أن تتمدد على الأريكة، وأمسك بذراعها ليو
بدا حفل عقد القران وكأنه مشهد مُعدّ بعناية، تزيّنت فيه الوجوه بابتساماتٍ مصطنعة، ورُسمت على الملامح علامات سرورٍ متكلفة، فقط ليبدو الجمع أمام الحضور وكأنه مناسبة سعيدة مكتملة. خاصة أولئك الذين استغربوا التوقيت؛ فالموت لم يمضِ عليه سوى شهرٍ واحد، وكان من الصعب عليهم تقبّل إقامة مثل هذه المناسبة بهذه
فستان العرس، حين يُقدَّم عادةً للعروس كهدية من العريس، يكون لفتةً رقيقة تبقى عالقة في الذاكرة وتترك أثرًا دافئًا في القلب. غير أن الأمر معها كان مختلفًا تمامًا. كانت تحدّق بسخرية في العلبة المفتوحة فوق السرير، حيث بدا فستان أبيض أنيق التصميم، لو أنها رأته في ظرفٍ آخر لأُعجبت به وبكل تفاصيله الراقي







