LOGIN
الفصل الأول: ليلة الخيانة
كان المطر يطرق زجاج القاعة الكبرى كأنه يستعجل فاجعةً تأخّرت عن موعدها. وقفتُ أمام المرآة الطويلة في غرفتي القديمة، أسوّي طرف فستاني الأبيض البسيط الذي خطتُه بيدي على مدى شهرين من السهر. لم يكن فستانًا يليق ببيت المنصور وثرياته المتلألئة، لكنه كان يشبهني. كانت أمي، رحمها الله، تقول: «ما نصنعه بأيدينا يحمل شيئًا من أرواحنا». ابتسمتُ لصورتي ابتسامة خجولة وأنا أتذكر كلماتها، فقد كانت تلك الليلة ليلة إعلان خطبتي على «كريم»، الرجل الذي أحببتُه ثلاث سنوات، وظننتُ أنه البيت الذي لن يهدمه أحد. منذ رحلت أمي وأنا في العاشرة، دخلت «سلمى» حياتي مع أمها، وبدأ أبي يتغيّر شيئًا فشيئًا. صارت سلمى الابنة المدلّلة التي تُفتح لها كل الأبواب، وصرتُ أنا الابنة الهادئة التي يُطلب منها الصبر والطاعة. تعلّمتُ أن أتنازل عن دميتي، ثم عن غرفتي الواسعة، ثم عن حلمي بدراسة الأدب، حتى أدرك قلبي أن الحب الوحيد المتاح لي هو ما أصنعه بنفسي. ثم جاء كريم بكلماته الحانية ووعوده بأننا سنبني بيتًا صغيرًا لا يتسع إلا للصدق. صدّقتُه. ما أشدّ سذاجتي! لا أنسى يوم التقينا أول مرة في مكتبة الجامعة، حين مدّ يده ليلتقط كتابًا سقط مني، وقال مبتسمًا إن من تحمل كتبًا بهذا الحب لا بد أن قلبها كبير. كنتُ يومها فتاة تعوّدت أن تكون ظلًّا في بيتها، فإذا برجل ينظر إليّ كأنني أول ما يراه من النور. أعطيتُه كل ما عندي من ثقة دفعة واحدة، لأنني لم أتعلم أن الثقة تُمنح ببطء، وأن بعض الابتسامات تُلبَس كالأقنعة. جاءني صوت أبي من خلف الباب باردًا على غير عادته: — لا تتأخري يا ليلى، الضيوف ينتظرون. نزلتُ الدرج ببطء، والقاعة تعجّ بوجوه تبتسم ابتسامات مصقولة. مرّت عيناي على الحضور بحثًا عن كريم فلم أجده. اقتربتُ من الخادمة العجوز «أم صالح»، وكانت أقرب الناس إليّ بعد أمي، فقلتُ هامسة: — هل رأيتِ كريمًا؟ تلعثمت المرأة وأطرقت، وارتجفت يداها على الصينية: — السيد كريم صعد إلى الجناح العلوي يا ابنتي… منذ ساعة. في عينيها شفقةٌ لم أفهمها حينها، وفهمتُها بعد دقائق. صعدتُ الدرج الرخامي الذي تلاشى صدى خطواتي فوقه. وكلما اقتربتُ من الباب المواربّ في آخر الممر، ارتفع في أذني صوتٌ أعرفه جيدًا؛ ضحكة أختي غير الشقيقة، تلك الضحكة الناعمة التي كانت تسرق مني كل ما أحب منذ الطفولة. دفعتُ الباب. توقّف الزمن. رأيتُهما في عناق لا يحتمل تأويلًا، والخاتم الذي أهداني إياه قبل شهر ملقًى على السجادة كأنه لم يكن يومًا وعدًا. شعرتُ أن الأرض تميل تحت قدميّ، وأن الهواء نفد من الغرفة كلها. — ليلى! — شحب وجه كريم وتراجع خطوة. — لم أكن أنوي أن تعلمي بهذه الطريقة. أما سلمى فعدّلت خصلة من شعرها بهدوء مستفز، وقالت: — الحب لا يستأذن أحدًا يا أختي. كنتِ أطيبَ من أن تفهمي. لم أصرخ ولم أبكِ. خرج صوتي غريبًا عني، خافتًا كالهمس: — ثلاث سنوات… وكل هذا كان تمثيلًا؟ لم يجب أحد. انحنيتُ والتقطتُ الخاتم من الأرض، ونظرتُ إليه لحظة، ثم وضعتُه على الطاولة بهدوء، كمن يعيد أمانة إلى أهلها. استدرتُ ونزلتُ الدرج، ومررتُ بين الضيوف الذين أدركوا كل شيء من وجهي قبل أن أنطق. تعالت الهمسات كالأمواج. ولمحتُ أبي عند طرف القاعة، واقفًا بجانب رجل غريب؛ لم يتحرك، ولم يسألني عن شيء، كأنه كان يعلم كل ما جرى منذ البداية. كان ذلك هو الجرح الأعمق. اندفعتُ إلى الحديقة تحت المطر، وفستاني الأبيض يلتصق بجسدي، ودموعي تختلط بالماء فلا يميّز أحدٌ أيَّهما أغزر. ركضتُ خارج البوابة الحديدية إلى الطريق المظلم، لا أعرف وجهتي، ولا أريد أن أعرف. كنتُ أركض وأنا أسمع في رأسي صدى الضحكات والهمسات، وأحسّ بأن كل خطوة تبعدني عن الفتاة الساذجة التي كنتُها قبل ساعة. تمزّق طرف فستاني الذي خطتُه بيدي وأنا أتعثر بالحصى، فلم ألتفت. أيّ ثوب يستحق العناية بعد أن تحطّم كل ما فيه من وعود؟ وحين ضاق صدري عن الهواء، توقفتُ للحظة وصرختُ صرخة مكتومة في وجه السماء، فأجابني الرعد، كأن الليل نفسه يشاركني الغضب. وفجأة، مزّق الليلَ ضوءان ساطعان، وصرير فراملَ حادّ يصمّ الآذان. توقفت سيارة سوداء فارهة على بُعد شبرٍ من جسدي.الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو