LOGINالفصل الخامس: شروط العقد
وصلتُ إلى البرج الزجاجي مع أولى خيوط الفجر، والمدينة لم تستيقظ بعد. وجدتُ آدم واقفًا عند نافذة مكتبه كأنه لم يغادر مكانه طوال الليل، وعلى الطاولة أمامه ملف أسود وقلم فضي. لم يبدُ عليه أي أثر للدهشة، بل قال دون أن يلتفت: — كنتُ أعلم أنك ستأتين. — وكيف علمتَ؟ — لأن من يركض تحت المطر لا يعود أدراجه حين يشرق الصباح. كان في نبرته يقين هادئ أزعجني وطمأنني معًا. أحسستُ بأنني بدأتُ أتحرك على رقعة شطرنج رسمها شخص آخر، لكنني أقسمتُ في داخلي أن أتعلم قواعد اللعبة حتى أغيّر مواضع القطع. أشار إلى الكرسي المقابل، وجلس هو خلف مكتبه الضخم، ثم دفع الملف نحوي. فتحتُه بأصابع باردة، فوجدتُ عقدًا مطبوعًا بعناية، بنوده مرقمة كأنها معاهدة بين دولتين. قرأتُ كل سطر ببطء، وهو يراقبني بصمت. قال حين انتهيتُ: — الشروط بسيطة. عام واحد، لا أكثر ولا أقل. غرفتان منفصلتان في القصر. أمام العائلة والصحافة نمثّل دور زوجين متحابّين، وخلف الأبواب المغلقة كلٌّ منا غريب عن الآخر. لا حب، لا أسئلة عن الماضي، ولا تدخّل في حياة الآخر الخاصة. — وبعد العام؟ — طلاق هادئ، ومبلغ يضمن لك مستقبلًا كريمًا. أغلقتُ الملف ونظرتُ في عينيه الرماديتين: — لديّ شروطي أنا. ارتفع حاجباه بفضول ساخر: — تفضلي. — أولًا: يُلغى اتفاق أبي مع سالم الحمداني، ويُلغى فورًا، لا بعد أشهر. ثانيًا: أن أُعامَل شريكة لا زينة، فأحضر اجتماعاتك وأقرأ عقودك وتعلّمني ما تعلمه أنت. ثالثًا، وهو الأهم: لا تكذب عليّ فيما يخصني. يمكنك أن تخفي أسرارك، لكن لا تصنع لي أكاذيب. سكت آدم لحظة طويلة، وخيّل إليّ أن شيئًا مرّ في عينيه كظلّ عابر. ثم قال بصوت خفيض: — الشرطان الأول والثاني موافَق عليهما. أما الثالث… — أما الثالث؟ — سأحاول. لم يكن جوابًا مطمئنًا، لكنه كان أصدق مما توقعت. تناولتُ القلم الفضي من على الطاولة، ووقّعتُ اسمي تحت اسمه. كان توقيعي يرتجف قليلًا، وكانت تلك آخر مرة يرتجف فيها. أحسستُ بثقل الحبر على الورق كأنه يختم قدرًا جديدًا. لم يكن الأمر توقيع عقد فحسب، بل توقيعًا على وداع الفتاة التي كنتُها. رفعتُ رأسي فرأيتُ آدم يراقبني بنظرة غامضة، ولم أستطع أن أعرف إن كان يشفق عليّ أم يحسدني على قدرتي على القفز في المجهول. دخل رجل في الثلاثينيات، نحيل الجسد، يرتدي نظارة رفيعة، يحمل حقيبة جلدية، وقدّمه آدم باقتضاب: «سامر، سكرتيري وأقرب من أثق به». انحنى لي سامر باحترام صادق، ثم شهد على العقد وأخرج من حقيبته هاتفًا وأوراقًا رسمية. عند الظهيرة، كنتُ أقف في قاعة صغيرة بمبنى المحكمة، أرتدي فستانًا بسيطًا اشتراه لي سامر على عجل، لونه عاجيّ هادئ. لم يحضر أحد سوى القاضي وسامر وشاهد آخر. حين سألني القاضي إن كنتُ أقبل، خطر لي في لحظة خاطفة فستاني الأبيض الملقى في بيت أبي، وكريم، والخاتم على السجادة. ثم قلتُ بثبات: — أقبل. وضع آدم في إصبعي خاتمًا من الألماس الأبيض، بارد الملمس، ثقيلًا على نحو غريب. همس دون أن تتحرك شفتاه تقريبًا: — مرحبًا بك في عالمي يا سيدة الراوي. خرجنا من المبنى إلى الشمس الساطعة. وبينما كان سامر يفتح لنا باب السيارة، لمحتُ سيارة رمادية متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، ورجلًا في داخلها يرفع كاميرا نحونا. التقت عيناي بعدسته لثانية، ثم انطلقت السيارة بعيدًا. سألتُ آدم بقلق: — من هذا؟ نظر إلى حيث اختفت السيارة، وقال بهدوء لا يشبه الاطمئنان: — بداية اللعبة يا ليلى. عمي طارق علم بالخبر أسرع مما توقعت. لم أفهم يومها أن تلك الجملة القصيرة كانت أول خيط في شبكة كبيرة، وأنني وقّعتُ للتو على اسمي في لعبة تتحرك فيها الأقدار من وراء الستار.الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو