LOGINالفصل السادس: العروس الصامتة
في صباح اليوم التالي، كان وجهي على صدر كل صحيفة. «آدم الراوي يتزوج سرًّا من ابنة يوسف المنصور!»، «عروس بلا ماضٍ في قصر الراوي»، «صفقة زواج أم قصة حب؟». جلستُ في المقعد الخلفي للسيارة السوداء أقلّب العناوين بيدين مرتجفتين، بينما كان آدم يقرأ بريده بلا اكتراث. — لا تلتفتي إلى ما يكتبون، — قال دون أن يرفع عينيه. — الصحافة تشبه الكلاب: تنبح على من تخافه، وتلحس أقدام من تخشاه. — وأي الفريقين أنا؟ — ستقرّرين أنتِ ذلك. نظرتُ من النافذة إلى الطريق الذي يمتد أمامنا كشريط رمادي، وسألتُ نفسي كم من الذين سلكوه قبلي عادوا كما كانوا. كنتُ أخشى أن تغيّرني هذه الرحلة، وأخشى أكثر ألا تغيّرني، فأبقى ضعيفة أمام من يريدون كسري. انعطفت السيارة إلى طريق طويل تحفّه أشجار السرو العتيقة، وفي نهايته لاح قصر ضخم من الحجر الأبيض، شرفاته كأنها أجنحة منشورة، وأسواره تحرسها كاميرات وحرّاس. لكن قبل أن نصل، توقف موكبنا عند حاجز من الصحفيين الذين تجمّعوا أمام البوابة كأسراب الجراد. انفتحت الأبواب فتصاعد الصخب: أضواء الفلاش، والأسئلة المتلاحقة، والأيدي التي تمتد بالميكروفونات. — سيدة الراوي! هل صحيح أنكِ تزوجتِ آدم لإنقاذ شركة أبيكِ؟ — سيدة الراوي! كيف تصفين علاقتك بزوجك؟ — هل أنتِ حامل؟ أحسستُ بالدم يتجمد في عروقي. أردتُ أن أنكمش داخل السيارة، لكن يد آدم أمسكت بيدي بلطف حازم، وهمس في أذني: — لا تتكلمي. ابتسمي فقط، واتركيهم يملؤون الفراغ بأنفسهم. الصمت أقوى سلاح. فتح الباب ونزل، ثم مدّ يده لي كأنه أمير في حكاية. وضعتُ يدي في يده ونزلتُ، وابتسمتُ ابتسامة هادئة لم أعرف أنني أمتلكها. قبّل جبيني أمام العدسات، فصمتت الأصوات لحظة ثم انفجرت أشد صخبًا. كان الأمر كله تمثيلًا، لكن دفء شفتيه على جبيني كان حقيقيًّا على نحو أربكني. شعرتُ باحمرار يسري في وجنتيّ، فخفضتُ رأسي كأنني عروس خجولة، وهذا ما أرادته الكاميرات على أية حال. لكنني في الداخل كنتُ أوبّخ نفسي بشدة: هذه لعبة يا ليلى، لعبة فقط. لا تنسي أن اليد التي تمسكك اليوم قد تتركك غدًا. قال أحد الصحفيين: — سيد آدم، لماذا لم تعلن عن الزواج قبل ذلك؟ أجاب بهدوء وهو يضع ذراعه حول كتفيّ: — بعض الأشياء الثمينة لا تُعرض في الأسواق. ارتفعت همهمات الإعجاب من الحشد، وسمعتُ إحدى الصحفيات تهمس لزميلتها: «لم أره قط يتحدث عن أحد بهذه الطريقة». لم أعرف إن كانت الجملة من تمثيله أم من قلبه، وهذا ما بدأ يزعجني أكثر من أي شيء. عبرنا البوابة وأُغلقت خلفنا الأبواب الحديدية، فتنفستُ كمن كان تحت الماء. سحبتُ يدي بسرعة وقلتُ بمرارة: — أنت بارع في هذا. — وأنتِ لم تكوني سيئة، — قال بابتسامة خفيفة. — «العروس الصامتة». الصحافة ستحب هذا اللقب. لكنني لم أشعر بأي انتصار. كنتُ أفكر في أن هناك عيونًا كثيرة تراقب كل حركة، وأنني دخلتُ حلبة لا أعرف قوانينها. وفي المساء، بينما كنتُ أجلس وحدي في صالة القصر الفسيحة، أحدّق في سقف مذهّب كأنه سماء مصطنعة، رنّ هاتف آدم على الطاولة الجانبية. رآه يلمع باسم «العم طارق»، فتصلّب وجهه. أجاب بصوت متزن: — أهلًا يا عمي… نعم، خبر سعيد كما ترى… بالطبع، سنأتي إلى العشاء يوم الجمعة… ليلى؟ ستسرّ بلقائكم. أغلق الهاتف، ونظر إليّ نظرة طويلة، وقال: — يوم الجمعة، ستقابلين العائلة كلها. والليلة، سأعطيك أهم درس: أينما ذهبتِ في هذا البيت، افترضي أن الجدران تسمع. لم أنم تلك الليلة. كنتُ أعدّ خطوات الحرس في الممرات، وأتساءل عن العدو الذي لم أرَ وجهه بعد. وفي ساعة متأخرة، سمعتُ صوت باب يُفتح في الممر، وخطوات هادئة تقف أمام باب غرفتي لحظة، ثم تبتعد. لم أعرف أكان آدم يتفقد أم كان أحدهم يتجسس. وضعتُ يدي على الخاتم البارد في إصبعي، وهمستُ لنفسي: لقد بدأت الحرب، وعلي أن أتعلم كيف أنام بعين واحدة. ---الفصل السادس والعشرون :نظرة الشك مرّ الأسبوع التالي كأنه شهر كامل. تحولتُ إلى شبح في القصر الذي طالما شعرتُ فيه بالانتماء تدريجيًّا؛ صلاحياتي معلّقة، وموظفو الشركة يتجنبون النظر إليّ في الممرات كأنني وباء، وحتى زينب عادت إلى برودتها الأولى، وكأن الشهور الماضية من الدفء لم تحدث قط. الأقسى من كل ذلك كان آدم نفسه. لم يعد يأتي إلى الإفطار، وصار يعود من مكتبه بعد منتصف الليل، وحين نلتقي في الممرات يكتفي بإيماءة باردة أو سؤال روتيني عن حالي. كنتُ أراه يبتعد أمام عيني، كجليد يتجمد من جديد فوق نهر بدأ يذوب للتو. كنتُ أمرّ بجانب مكتبه في طريقي كل صباح، آملة أن يفتح الباب ويناديني كما اعتاد، لكن الباب كان يبقى مغلقًا، وصوت اجتماعاته المتلاحقة يتسرب من خلفه كجدار إضافي بيننا. شعرتُ أنني أخسر شيئين معًا: مكانتي التي بنيتها بالكد، والرجل الذي بدأ قلبي يفتح له أبوابًا لم يفتحها لأحد من قبل. حاولتُ مرارًا أن أشرح له نظريتي عن فادي، لكنه كان يستمع بصبر ظاهري ثم يقول بحياد مؤلم: «سنترك الأمر للجنة التحقيق يا ليلى. لا أريد أن أتسرع في اتهام أحد، كما لا أريد أن أتسرع في تبرئة أحد». في أحد الأيام،
الفصل الخامس والعشرون: الاتهامبعد أيام من حفل الجمعية الخيرية، وبينما كان آدم يحاول احتواء الأضرار السياسية لإعلان طارق المفاجئ، انفجرت فضيحة جديدة هزّت الشركة من أساسها.استُدعي آدم فجأة إلى اجتماع طارئ لمجلس الإدارة، ودُعيتُ أنا أيضًا، وهو أمر غير معتاد إلا في الأزمات الكبرى. حين دخلنا القاعة، وجدتُ وجوه الأعضاء متجهمة، وطارق يقف عند رأس الطاولة ممسكًا بملف أحمر سميك، وابتسامة الانتصار ترتسم على شفتيه بوضوح لا يخفيه.— أعتذر عن هذا الاستدعاء المفاجئ، — بدأ طارق بصوت رسمي مصطنع، — لكن أمرًا خطيرًا وصل إلى علمي، يمسّ أمن هذه الشركة من الداخل.فتح الملف، وأخرج أوراقًا مطبوعة، ووزعها على الأعضاء. نظرتُ إلى النسخة أمامي فتجمد الدم في عروقي: كانت رسائل بريد إلكتروني، تبدو وكأنها مرسلة من حسابي الشخصي، إلى عنوان بريد يخص «مجموعة الحمداني»، تحتوي على تفاصيل حساسة عن استراتيجية تمويل مشروع الميناء، وعن نقاط ضعف قانونية في عقد الشراكة مع بنك فيبر.— هذه ليست رسائلي! — قلتُ بصوت مرتجف من الصدمة والغضب معًا.شعرتُ بعشرات العيون تحدّق فيّ حول الطاولة، بعضها بشفقة، وبعضها بريبة صريحة، وبعضها الآ
الفصل الرابع والعشرون: فخّ في الحفل جاء حفل الجمعية الخيرية الذي حذّرتني منه أذني في السوق القديم أسرع مما توقعت. أقيم في فندق «الأندلس» نفسه الذي التقيتُ فيه آدم أول مرة، وكأن القدر يحب أن يغلق دوائره في الأماكن نفسها. كنتُ أرتدي فستانًا فضيًّا اختارته الجدة نورة بنفسها، وشعرتُ لأول مرة منذ أسابيع بسعادة حقيقية، فآدم لم يفارق جانبي طوال الطريق، ويده تمسك يدي بثبات جديد لا علاقة له بالتمثيل أمام الكاميرات. لكن السعادة لم تدم طويلًا. فور دخولنا القاعة، لمحتُ من بعيد وجهًا لم أتوقع رؤيته هناك: أبي، يقف بجانب سالم الحمداني، وكلاهما يتحدث بجدية مع طارق الذي بدا مبتهجًا بشكل غير معتاد. اقترب منا سامر بوجه قلق، وهمس في أذن آدم بشيء جعل ملامحه تتجمد. التفت إليّ آدم وقال بصوت منخفض: — ليلى، يبدو أن عمي أعدّ إعلانًا مفاجئًا الليلة. لا أعرف تفاصيله، لكن كن حذرة. قبل أن أسأل أكثر، صعد طارق إلى المنصة وطلب الميكروفون من منظمي الحفل، بحجة «مفاجأة سارة تخص عائلته الكريمة». اعتلى المنصة بابتسامته الزيتية المعتادة، ونظر مباشرة نحوي بنظرة انتصار مسبق. — أيها الحضور الكرام، يسعدني أن أعلن الليلة
الفصل الثالث والعشرون: القلب يتمرّدفي الأيام التي تلت الحفل، بدأت رنا الخوري تظهر بشكل متكرر في حياة الشركة، تحت غطاء «الشراكة الاستراتيجية» التي ذكرتها. كانت تحضر الاجتماعات، وتتصل بآدم مباشرة دون المرور بسامر، وتترك في مكتبه هدايا صغيرة أنيقة بذريعة الصداقة القديمة. لاحظتُ أن آدم يتعامل معها بحذر شديد، لكنه لا يستطيع أن يرفض التعاون التجاري الذي تمثله، فالبنك الذي تديره ضروري لتمويل مرحلة جديدة من مشروع الميناء.كنتُ أراقب كل هذا بصمت، أحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق مهني، لكن قلبي كان يعرف الحقيقة أفضل مني: كنتُ أغار، غيرة حقيقية خالصة لا علاقة لها بالعقد أو بالمصلحة.في مساء أحد الأيام، دخلتُ مكتب آدم لأسلمه بعض الأوراق الموقعة، فوجدتُ رنا تجلس أمامه، تضحك على شيء قاله، ويدها تلمس ذراعه بثقة زائدة. توقفتُ عند الباب لحظة، فشعر آدم بحضوري وسحب ذراعه بسرعة كطفل ضُبط متلبسًا، لكن الأذى كان قد وقع بالفعل في قلبي.— ليلى، — قال بصوت متوتر، — كنا فقط نناقش تفاصيل التمويل.— لا داعي للتفسير، — قلتُ بهدوء بارد وضعتُ الأوراق على المكتب. — هذا عملك، لا شأن لي به.خرجتُ من المكتب
الفصل الثاني والعشرون: المرأة الثالثةلم يمض أسبوع حتى وصلت دعوة أنيقة إلى القصر، من نوع لم أتوقعه: حفل استقبال يقيمه بنك «الشرق للاستثمار» لتكريم كبار عملائه، وعلى رأس المدعوين اسم لم أسمعه من قبل: السيدة «رنا الخوري»، الشريكة الجديدة للبنك، والتي وُصفت في بطاقة الدعوة بأنها «صديقة قديمة للسيد آدم الراوي».حين رأى آدم بطاقة الدعوة على الطاولة، توقف للحظة، وظهر على وجهه تعبير لم أفهمه، مزيج من المفاجأة وشيء آخر أعمق.— من هي رنا الخوري؟ — سألتُ بفضول لم أخفه.— كنا... معًا، قبل سنوات. في إنجلترا، أثناء الجامعة. — قال بحذر، وكأنه يقيس كل كلمة. — انفصلنا حين عدتُ لأتولى الشركة بعد وفاة أبي. لم أرها منذ ذلك الحين.شعرتُ بشيء يشبه الغيرة يتسلل إلى صدري، غيرة لم أكن أتوقع أن أشعر بها تجاه ماضٍ لا علاقة لي به. لكنني تذكرتُ نفسي بسرعة: أنا زوجة على الورق، لا يحق لي أن أغار.وقفتُ أمام مرآتي قبل الحفل بساعة، أرتدي الفستان الفضي وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد قلق عابر، لكن يدي كانتا ترتجفان وأنا أثبّت أقراطي، وأدركتُ أن قلبي بدأ يتصرف بطريقة لم أعد أسيطر عليها، رغم كل التحذيرات التي و
الفصل الحادي والعشرون: هدنة هشّةبعد ليلة الشرفة، بدا القصر وكأنه يتنفس بإيقاع مختلف. صار آدم يأتي إلى الإفطار كل صباح بدل أن يكتفي بفنجان قهوة يحمله إلى مكتبه، وصرنا نتناقش في الأخبار والكتب كزوجين حقيقيين، لا كشريكين في صفقة. حتى زينب لاحظت التغيير، وبدأت تعاملني بلطف أعمق من مجرد الواجب.لكن الهدنة، كما تعلمتُ في هذا البيت، لا تدوم طويلًا دون أن يخترقها ظل من الماضي.كنتُ أستمتع بتلك الأيام الهادئة رغم معرفتي أنها مؤقتة، كمن يجلس في عين العاصفة يستجمع قواه قبل أن تعصف به الرياح من جديد. كنتُ أتعلم أن أستمتع باللحظة دون أن أسأل نفسي إلى متى ستدوم، وهو درس لم أكن أجيده من قبل، فحياتي علّمتني دائمًا أن أترقب الضربة القادمة أكثر مما أستمتع بلحظة السكينة.في أحد الأيام، طلبت مني الجدة نورة مرافقتها إلى السوق القديم لشراء بعض التوابل النادرة التي لا تجدها إلا هناك، عادة سنوية تحرص عليها رغم تقدمها في السن. أثناء تجوّلنا بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالباعة وروائح البهارات، توقفتُ فجأة أمام محل صغير لبيع الأقمشة، إذ لمحتُ امرأة تفحص قطعة حرير أزرق، وكان وجهها يشبه وجهًا أعرفه جيدًا.كانت سو