Masukاللقاء الذي لم تتذكره ياراظلت يارا تحدق في سليم بعد أن أخبرها بما قاله مازن، وكأن عقلها يرفض تصديق الجملة."أنا قابلت والدك؟"أومأ سليم."مازن قال كده."وضعت يدها على رأسها."أنا مش فاكرة."اقترب منها سليم فورًا."متضغطيش على نفسك.""بس ليه مش فاكرة؟""يمكن اللقاء كان قصير."هزت رأسها."أنا مش حاسة إن فيه حاجة ناقصة.""يبقى منضغطش."نظرت إليه."بس أنا عايزة أعرف."أمسك يدها."هتعرفي."جلست على الأريكة، وأغمضت عينيها.حاولت أن تستعيد اليوم الذي سبق الحادث.الصباح.العمل.العودة إلى المنزل.لكن لا شيء.فقط فراغ غريب في منتصف اليوم.قالت فجأة:"استنى."فتح سليم عينيه."افتكرتي؟""مش عارفة."وضعت يدها على جبينها."كنت في مكان فيه شجر كتير.""فين؟""مش عارفة.""حد كان معاكي؟"سكتت.ثم قالت:"راجل."تجمد سليم."والدي؟""مش عارفة."حاولت أكثر.ظهر في ذهنها مقعد خشبي.حديقة.رجل يجلس أمامها.صوته هادئ."يارا، أنا مش جاي أتكلم عن سليم."فتجيبه:"أمال جاي ليه؟"الرجل يقول:"علشان أطلب منك حاجة."تتوقف الذكرى.فتحت عينيها بسرعة.كان نفسها متسارعًا.قال سليم:"إيه اللي شفتيه؟""كان بيطلب مني حاج
ما عرفه سليم عن والدهابقيت يارا واقفة في منتصف الغرفة، والورقة الصغيرة بين أصابعها ترتجف.لم تكن الجملة طويلة، لكنها كانت كافية لتهز كل ما ظنت أنها فهمته خلال الأيام الماضية."سليم لم ينسَ يارا بسبب الحادث وحده... فقد طلب قبل الحادث بيوم ألا تُخبر يارا بما عرفه عن والدها."رفع سليم عينيه إليها."يارا؟"لم تجبه.اقترب منها."إيه اللي في الورقة؟"ناولته إياها دون كلمة.قرأها مرة.ثم مرة ثانية.تغير وجهه."أنا قلت كده؟"قالت بصوت خافت:"ده المكتوب."ظل صامتًا.ثم وضع الورقة على المكتب."أنا مش فاكر.""بس واضح إنك كنت عارف حاجة.""أيوه."رفعت عينيها إليه."عن بابا؟"لم يستطع الإجابة فورًا.كان في رأسه شيء غامض، صورة غير مكتملة، كلمات متقطعة، ووجه والد يارا وهو يتحدث معه ذات ليلة.ثم ظهرت الذكرى فجأة.كان سليم يجلس في مكتب والده.والد يارا يقف أمامه.وجهه متعب.يقول:"أنا مش عايز يارا تعرف."يسأله سليم:"ليه؟""لأنها هتفتكر إني خذلتها.""بس هي من حقها تعرف.""مش دلوقتي."ثم يقترب الرجل منه ويقول:"لو بتحبها بجد... سيبها تعيش من غير الحمل ده."توقفت الذكرى.فتح سليم عينيه.كانت يارا تراقبه
الحقيقة التي أخفاها عنيظلت يارا تحدق في السطر الأول من الرسالة دون أن تقلب الصفحة، وكأن الكلمات القليلة التي قرأتها كانت أثقل من أن تسمح لها بمتابعة القراءة بسهولة.كان سليم واقفًا أمامها، يراقب وجهها بصمت.قال أخيرًا:"اقري."رفعت عينيها إليه."إنت مش عايز تعرف؟"ابتسم ابتسامة متعبة."أكيد عايز."ثم اقترب منها."بس الرسالة مكتوبة ليكي."نظرت إلى الورقة مرة أخرى، ثم بدأت تقرأ بصوت منخفض:"يارا... لو كنتِ بتقري الرسالة دي، فمعنى كده إن سليم مقدرش يقولك الحقيقة بنفسه."توقفت.شعرت بقبضة في صدرها.تابعت:"أنا عارف إنك ممكن تزعلي، ويمكن تحسي إني خذلتك، لكني عملت ده علشان أحميك من قرار كان ممكن يغير حياتك."رفعت يارا عينيها."قرار؟"لم يجب سليم.أكملت القراءة:"من فترة، اكتشفت إن المشكلة اللي بين عيلتنا وعيلتكم مش مجرد خلاف قديم."توقفت أنفاس يارا.تابعت:"كان فيه وعد قطعه أبونا زمان، ووعدنا إننا هننهي أثره بعد ما نتجوز."رفعت رأسها بسرعة."إحنا كنا عارفين؟"هز سليم رأسه ببطء."جزء بسيط."قالت:"كمّل."واصلت القراءة."الوعد ده كان متعلق بملكية البيت القديم، وبعض الممتلكات اللي اتنقلت بين
آخر ليلةلم يتحدث سليم بعد انتهاء المكالمة.ظل الهاتف في يده، وعيناه معلقتين بالشاشة السوداء، بينما كانت يارا تراقبه بصمت. لم يكن ما سمعه مجرد اتصال غامض بالنسبة إليه، فقد كان الصوت قد حرّك شيئًا عميقًا في ذاكرته، شيئًا لم يستطع الإمساك به، لكنه كان متأكدًا من أنه عاشه من قبل.اقتربت منه يارا."سليم؟"رفع عينيه إليها."أنا سمعته قبل كده.""الصوت؟"أومأ."أيوه.""فاكر مين؟"هز رأسه."لأ... بس حاسس إني كنت بتكلم معاه وأنا متوتر."جلست إلى جواره."يمكن لو عرفنا المكان اللي قضينا فيه آخر ليلة قبل الحادث، الذاكرة ترجع."نظر إليها."إنتِ عارفة المكان."لم تجب.فهم من صمتها."يارا."تنهدت."أيوه.""فين؟"خفضت عينيها."في بيت والدتي القديم."اتسعت عيناه قليلًا."البيت اللي كنا فيه قبل ما نروح لبيتكم؟""أيوه."بدأت ذاكرة صغيرة تتشكل.غرفة واسعة.نافذة مفتوحة.صوت المطر.يارا ترتب بعض الأشياء في حقيبة صغيرة.وهو يقف خلفها.يقول:"إنتِ هتسيبي البيت؟"فتلتفت إليه وتجيبه:"كنت بفكر أرجع عند أمي يومين."ثم يتغير وجهه."إنتِ زعلانة مني؟"فترد:"أنا زعلانة من إنك شايل كل حاجة لوحدك."توقف سليم عن الت
القرار الذي لم تعرفه ياراكانت السيارة تسير في طريق العودة بهدوء، لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا كما كان في طريق الذهاب، فقد كان بين سليم ويارا شيء يشبه الطمأنينة الجديدة، وكأنهما بعد سنوات من المسافة عادا أخيرًا إلى المساحة نفسها التي جمعتهما يومًا، حتى إن يارا لم تعد تشعر بالحاجة إلى مراقبة كل كلمة يقولها أو كل تعبير يظهر على وجهه خوفًا من أن يختفي فجأة ذلك الجزء من الرجل الذي أحبته.كان سليم يقود بيد، بينما ظلت يده الأخرى ممسكة بيدها فوق الكونسول بينهما.نظرت يارا إلى أصابعهما المتشابكة، ثم ابتسمت.قال دون أن ينظر إليها:"بتبصي على إيدينا ليه؟"ضحكت."علشان مستغربة.""من إيه؟""إنك بقيت بتعمل كده من نفسك."رفع حاجبه."هو أنا كنت مش بعمل كده؟""كنت."سكت لحظة."بس؟"ابتسمت."بس بعد الحادث بقيت كل مرة أمد إيدي أخاف إنك تسحب إيدك."شد سليم على يدها قليلًا."مش هسحبها."نظرت إليه."وعد؟""وعد."ظلت تبتسم، لكن شيئًا في كلامه جعل قلبها ينقبض، فقد كان يتحدث بثقة لم تعتدها منذ فقد ذاكرته.قالت:"إنت اتغيرت.""للأحسن ولا للأسوأ؟""للأحسن."ثم أضافت بخفة:"بس متغرش."ضحك."متأخر."ضحكت هي
ما أخفته يارا طوال هذه السنواتظل سليم ممسكًا بالورقة، وعيناه لا تفارقان يارا، بينما بقيت هي واقفة أمامه دون أن تحاول الهرب من نظرته هذه المرة، فقد أدركت أن اللحظة التي حاولت تأجيلها لسنوات وصلت أخيرًا، وأن ما بقي من الحقيقة لم يعد من حقها أن تخفيه عنه، خصوصًا بعدما بدأ يستعيد ذكرياته بنفسه.رفع سليم الورقة قليلًا."إنتِ شوفتي الكلام ده قبل كده."لم يكن سؤالًا بقدر ما كان حقيقة.خفضت يارا عينيها."أيوه."ساد صمت طويل.قال سليم بهدوء:"إمتى؟""بعد الحادث.""يعني قبل ما أنا أفتكر؟"أومأت."أيوه."تنفس ببطء، ثم وضع الورقة فوق الطاولة."وليه مخبيتيش عليا؟"رفعت عينيها إليه."كنت خايفة.""مني؟"هزت رأسها."عليك."لم يفهم.اقتربت منه، وقالت بصوت خافت:"بعد الحادث، الدكتور قال إن أي ضغط على ذاكرتك ممكن يزيد حالتك سوءًا، وإن محاولة إجبارك على تذكر حاجة ممكن تسببلك مشاكل أكتر."ظل صامتًا."علشان كده كل مرة كنت بتسألني عن اللي حصل، كنت بقولك إنك محتاج وقت."ابتسم ابتسامة حزينة."وأنا كنت فاكر إنك مش عايزة تقولي.""كنت عايزة."توقفت للحظة."بس كنت عايزة أرجعلك من غير ما أكون سبب في وجع جديد."اق
بقي الهاتف في يد يارا حتى بعد انتهاء المكالمة. أما أصابعها فقد أصبحت باردة بصورة مرعبة. شعرت وكأن الصوت ما زال يتردد داخل أذنيها. "قولي لجوزك يبطل يدور ورا الماضي... لو عايز يفضل عايش." رفعت رأسها ببطء نحو سليم. كان يراقبها. وقد أدرك من ملامحها أن شيئًا سيئًا حدث. اقترب خطوة. "في إيه؟" فت
تجمد الهواء داخل المكان.وبقيت كلمات الرجل تتردد في أذن يارا كصدى بعيد."أنا الشخص اللي كنت رايح تقابله يوم الحادث..."لم يستوعب عقلها ما سمعه فورًا، بينما وقف سليم أمام الباب محدقًا في الرجل بوجه متجهم، وكأن عقله يحاول التقاط ذكرى هاربة تختبئ في مكان ما بين الضباب الذي غطى سنواته الأخيرة.أما ريم
وقف الزمن بالنسبة ليارا للحظة، وهي تحدق في المرأة الواقفة أمام باب الغرفة تحمل باقة ورد بيضاء وكأنها لم تغب يومًا عن حياة سليم، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة أربكت يارا أكثر مما أغضبتها.لم تكن بحاجة إلى سؤال نفسها عن هويتها.كانت تعرفها جيدًا.ريم.الاسم الذي تردد على لسان سليم بعد استيقاظ
"حضرتك مين؟"تجمد كل شيء حولي.الصوت الذي خرج من شفتيه لم يكن مرتفعًا، ولم يحمل قسوة أو غضبًا، لكنه كان كافيًا ليهدم عالمي بأكمله في لحظة واحدة.حدقت فيه غير مصدقة، بينما كانت أصابعي ما تزال متشبثة بيده كأنني أخشى أن يختفي من أمامي إذا تركتها.رمشت عدة مرات.لابد أنني سمعت خطأ.لابد أن تأثير الأدوي







