Share

الفصل الرابع: اللقاء

Author: Frank
last update publish date: 2026-07-23 05:40:14

وصلت ريم إلى المقهى قبل الموعد بعشر دقائق، واختارت طاولة قريبة من الباب، وكأنها تريد أن تضمن لنفسها طريق هروب سريعًا إن احتاجت إليه. وضعت يدها على بطنها بلا وعي، محاولة تهدئة الاضطراب الذي يعتمل في داخلها منذ الصباح.

دخل كريم بعد دقائق قليلة، وبدا مختلفًا عما تتذكره؛ أنحف قليلاً، وملامحه تحمل إرهاقًا واضحًا، وتحت عينيه ظلال داكنة تشي بليالٍ طويلة من الأرق. توقف للحظة عند الباب حين رآها، وكأن الزمن توقف معه، قبل أن يتقدم بخطوات مترددة نحو طاولتها.

"شكرًا لأنكِ وافقتِ على المجيء." قالها بصوت خافت وهو يجلس أمامها، متجنبًا النظر مباشرة إلى بطنها المنتفخ الذي كان دليلاً صارخًا على الحياة الجديدة التي بنتها بعيدًا عنه.

"لم آتِ من أجلك يا كريم، أتيت لأسمع فقط، ثم أعود إلى حياتي." كان صوتها هادئًا لكنه يحمل حزمًا واضحًا.

أخرج كريم من حقيبته مغلفًا سميكًا، ووضعه أمامها بيد مرتجفة. "هذا كل شيء... كل الأدلة التي جمعها المحقق الذي وظفته. سلوى هي من زيّفت تلك الصور، بمساعدة مصمم محترف، لأنها كانت... كانت تحبني، وكانت تكرهك لأنني لم أمنحها أي اهتمام."

فتحت ريم المغلف بيد مرتعشة، وبدأت تتصفح الأوراق: تفريغ محادثات، صور أصلية غير معدلة، واعتراف مكتوب بخط يد سلوى نفسها. شعرت بدوار خفيف يجتاحها، وهي ترى بأم عينها الدليل القاطع على براءتها بعد سنوات من العيش تحت وصمة اتهام لم ترتكبه.

"ثلاث سنوات يا كريم." قالتها بصوت متهدج، وعيناها تلمعان بدموع لم تستطع كبح جماحها. "ثلاث سنوات وأنا أحمل هذا العار معي، وأنت لم تمنحني حتى فرصة واحدة لأشرح لك."

"أعرف، وأنا آسف، آسف بشكل لا يمكنني التعبير عنه بالكلمات." انحنى كريم للأمام، ووجهه يحمل ألمًا حقيقيًا. "لم يمر يوم واحد دون أن أفكر فيما فعلته بك. حاولت أن أعيش حياتي، لكنني لم أستطع أبدًا أن أسامح نفسي."

جلست ريم صامتة للحظات، تحاول استيعاب كل ما سمعته. لم تكن تتوقع أن يأتي كريم بهذا القدر من الصدق والانكسار، هو الذي عرفته دائمًا رجلاً فخورًا صعب الاعتراف بأخطائه.

"لماذا تخبرني بهذا الآن؟ ماذا تريد مني بالضبط؟" سألته أخيرًا، وهي تمسح دمعة تسللت رغمًا عنها.

"لا أريد شيئًا منكِ يا ريم، أقسم لك. فقط أردتك أن تعرفي الحقيقة، أن تعرفي أنك لم تكوني يومًا خائنة في نظري الحقيقي، وأن ما حدث كان ظلمًا بحقك لن أستطيع تعويضه أبدًا. أنتِ الآن سعيدة، ومتزوجة من رجل يستحقك، ولن أقف عائقًا أمام سعادتك."

نظرت إليه ريم طويلاً، تحاول أن تقرأ ما وراء كلماته، قبل أن تسأله سؤالاً كان يدور في ذهنها منذ استلامها رسالته الأولى: "وماذا عنك أنت يا كريم؟ ماذا ستفعل الآن بعد أن عرفت الحقيقة؟"

ابتسم ابتسامة حزينة، وأجاب بصوت هادئ يحمل قدرًا كبيرًا من الاستسلام: "لا أعرف صراحة... لكن على الأقل، سأتمكن أخيرًا من النوم دون أن يطاردني وجهك الباكي في كل حلم."

نهضت ريم من مكانها، حاملة المغلف بين يديها، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات بثقل ينزاح عن كتفيها. لم يكن الأمر يتعلق بالعودة إلى كريم، فقلبها وحياتها أصبحا الآن مع سامر وابنتهما القادمة، لكن معرفة الحقيقة كانت بحد ذاتها نوعًا من التحرر الذي احتاجته منذ زمن طويل.

"أتمنى لك السلام يا كريم، حقًا." قالتها وهي تهم بالمغادرة، دون أن تدري أن هذا اللقاء، رغم بساطته الظاهرية، سيفتح بابًا لم تكن تتوقعه في الأيام القادمة، حين ستكتشف أن حضور كريم في حياتها من جديد لن يكون بهذه السهولة التي تخيلتها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل الثالث والثمانون: مكالمة ريهام

    ردّت ريهام من الرنة الثانية."سيدتي! أهلاً!""ريهام، أنا لا أتصل لأسأل عن أرقام." افتتحت ريم مباشرة. "أتصل لأسأل كيف حالك أنتِ."صمت قصير على الطرف الآخر."لماذا تسألين هذا السؤال بالذات؟""لأنك في الشهر الثالث، وهذا هو الشهر الذي ينهار فيه معظم الناس."ضحكت ريهام ضحكة قصيرة فيها تعب واضح."صراحة؟ أنا متعبة بطريقة لم أكن أتوقعها." قالت. "ليس من العمل، بل من شيء آخر لا أعرف كيف أصفه.""صفيه كما يأتي.""أشعر بأنني أكذب على النساء."جلست ريم منتصبة في مقعدها."اشرحي لي.""في الجلسة الرابعة، تحدثت إحداهن عن أنها تخطط لترك زوجها هذا الصيف، وسألتني: 'هل سأكون بخير؟'" قالت ريهام. "وأنا قلت لها: نعم. قلتها بثقة كاملة، وأنا لا أعرف. لا أعرف إن كانت ستكون بخير، ولا أعرف إن كان لديها من يستقبلها، ولا أعرف شيئًا عن زوجها.""وماذا كان يجب أن تقولي في رأيك؟""لا أعرف. لهذا أتصل بك... أعني، لهذا أنا سعيدة أنك اتصلتِ."فكرت ريم قبل أن تجيب، لأنها تعرف أن هذه اللحظة تحديدًا هي ما يصنع مديرة برنامج أو يكسرها."ريهام، سأحكي لك شيئًا حدث لي، لا لأعطيك حلاً، بل لأنه قد ينفع.""تفضلي.""حين خرجت من بيتي قب

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل الثاني والثمانون: التقرير

    حلّ موعد التقرير الفصلي في الأسبوع الأول من نيسان.كان تقريرًا يُعرض على مجلس الإدارة، لا على وليد وحده. عشر صفحات تُقرأ في قاعة فيها سبعة أشخاص، أحدهم مالك الشركة.قضت ريم ثلاث ليالٍ تكتبه.في الصفحة السادسة، وصلت إلى القسم الذي كانت تخشاه: "التحديات والمخاطر".كتبت أربعة بنود بسهولة. وتوقفت طويلاً عند الخامس."سامر، أحتاج رأيك في شيء."كان يجلس على الأرض في غرفة الجلوس يركّب مع يوسف قطارًا خشبيًا صغيرًا."أنا هنا.""في التقرير الفصلي، هناك بند يجب أن أكتبه ولا أعرف كيف." جلست على الأريكة القريبة. "نسبة الأخطاء المكتشفة ارتفعت أربعين بالمئة.""لأنكم صرتم ترونها." علّق دون أن يرفع رأسه."أنا أعرف ذلك، وأنت تعرفه، ووليد اقتنع به بعد شرح." قالت. "لكن في تلك القاعة سيجلس سبعة أشخاص يرون رقمًا واحدًا: زيادة أربعين بالمئة في الأخطاء تحت إدارة مديرة جديدة عمرها في المنصب شهران."توقفت يد سامر عن التركيب."إذن لا تكتبيه.""سامر!""أنا جاد." استدار نحوها. "هل هو رقم إلزامي في التقرير؟""لا. القسم يطلب 'أبرز المخاطر' فقط، والاختيار لي.""إذن اكتبي المخاطر الأربعة الأخرى، وهي حقيقية، واذكري هذا

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل الحادي والثمانون: ديمة

    لم تسلّم ديمة الصندوق.بقي على مكتبها أسبوعًا كاملاً، مغلقًا بشريط لاصق، وهي تعمل بجانبه وكأنه أثاث. مرّ عليها ثلاثة زملاء يسألون، فأجابت الثلاثة بالجملة نفسها: "لم أقرر بعد."في اليوم الثامن، طلبتها ريم."اجلسي."جلست الشابة بحذر شخص ينتظر أن يُطلب منه شيء لا يريده."ديمة، لن أطلب منك البقاء." افتتحت ريم. "قلت لك هذا من البداية وما زلت عند كلامي.""إذن لماذا استدعيتني؟"فتحت ريم ملفًا ودفعته نحوها."هذه الوظيفة التي قدّمتِ عليها أربع مرات. في وحدة الجودة، مسؤولة تحليل بيانات.""أعرفها جيدًا.""هي شاغرة منذ سبعة أشهر."رفعت ديمة رأسها فجأة. "سبعة أشهر؟""سبعة." أكدت ريم. "الوحدة تطلب موظفًا من الخارج منذ آذار الماضي، ولم يوافقوا على أي مرشح. وفي الطابق نفسه، كانت هناك موظفة تطلب هذه الوظيفة بالذات أربع مرات."جلست ديمة تنظر إلى الورقة، ولم تقل شيئًا."لن أعطيك الوظيفة." تابعت ريم. "أنا لا أوزّع مناصب كتعويض عن ظلم، وهذه ليست طريقة سليمة في الإدارة.""إذن ماذا؟""سأرسل طلبك الخامس." قالت ريم. "بنفس الإجراء، وبنفس النموذج، إلى رئيسة وحدة الجودة. وهي ستقرر بناءً على كفاءتك وحدها، ولن أتد

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل الثمانون: ثمانية وأربعون مقابلة

    أنهت ريم المقابلات في الأسبوع الثالث من شباط.ثمانية وأربعون شخصًا، عشرون دقيقة لكل واحد، ثلاثة أسئلة فقط:ما الذي تفعله في يومك ولا يعرف به أحد؟ما الذي يعطّلك ولم تجد من يشتكي إليه؟لو كنت مكاني ليوم واحد، ما أول شيء ستغيّره؟في البداية، كانت الإجابات حذرة ومهذبة. بعد الأسبوع الأول، انتشر بين الموظفين أن المديرة الجديدة لا تنقل ما يُقال إلى رؤساء الوحدات، فبدأ الناس يتكلمون.في المقابلة الثانية والعشرين، جلس أمامها رجل في الخمسينيات، من أقدم موظفي القسم."ما الذي تفعله في يومك ولا يعرف به أحد؟"نظر إليها بحذر. "لماذا تسألين؟""لأنني قرأت التقارير، والتقارير لا تعرف من يفعل ماذا."صمت الرجل طويلاً، ثم قال: "أنا أراجع كل ملف يخرج من هذه الوحدة قبل إرساله. ليس مطلوبًا مني، ولا مكتوبًا في وصفي الوظيفي. أفعله منذ ست سنوات لأنني في مرة اكتشفت خطأً كاد يكلّفنا عقدًا.""وكم خطأ أوقفت في ست سنوات؟""لا أعرف. لم أعدّها.""ابدأ بعدّها من الغد." قالت ريم. "وأرسل لي الرقم بعد شهر."في المقابلة الحادية والأربعين، جلست أمامها موظفة شابة لم تنطق كلمة في أول خمس دقائق."لستِ مضطرة للحديث." قالت ريم.

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل التاسع والسبعون: الموظف الأول

    جاء المهندس الجديد في العاشر من شباط.اسمه بلال، خريج جديد بأربعة أشهر خبرة تدريبية فقط، اختاره سامر من بين تسعة متقدمين لسبب واحد: أنه الوحيد الذي سأل، في نهاية المقابلة، عن كيفية التعامل مع خطأ يكتشفه في عمل شخص أعلى منه."ولماذا سألت هذا السؤال تحديدًا؟" سأله سامر."لأنني في التدريب رأيت خطأ في مخطط، وسكتّ." قال الشاب. "وبعد شهرين، اضطروا لهدم جدار كامل.""ولماذا سكتّ؟""لأنني كنت متدربًا، والمهندس الذي وقّع المخطط كان يكرهني."قال سامر: "متى تستطيع البدء؟"كان اليوم الأول فوضويًا.اكتشف سامر أن كل شيء يعرفه موجود في رأسه فقط: أين تُحفظ الملفات ولماذا بهذا الترتيب، وأي عميل يفضل أي صيغة، وكيف تُحسب الأسعار، ولماذا يُرفض هذا النوع من الطلبات ويُقبل ذاك.في الساعة الحادية عشرة، وبعد أن أجاب على السؤال العاشر، توقف."بلال، انتظر. لن نكمل هكذا."فتح ملفًا جديدًا، وكتب في أعلاه: "كيف نعمل"."سنقضي اليوم كله في هذا." قال. "أنا سأتكلم وأنت ستكتب. كل شيء أعرفه ولم أكتبه من قبل."استغرق الأمر ثلاثة أيام كاملة.وفي نهايتها، كان لدى سامر شيء لم يملكه في ثمانية عشر شهرًا من العمل وحده: نظام مك

  • زوجي السابق يتوسل لي وأنا حامل من رجل اخر   الفصل الثامن والسبعون: أربعة عشر اسمًا

    في الأسبوع الأول، لم تصدر ريم قرارًا واحدًا.فعلت شيئًا آخر: طلبت من الموارد البشرية ملفات الأربعة عشر الذين غادروا، وأرقام هواتفهم."سيدتي، هؤلاء موظفون سابقون." قالت مسؤولة الموارد البشرية بحيرة. "ماذا تريدين منهم؟""أريد أن أسألهم لماذا رحلوا.""لدينا نماذج المقابلات الختامية.""قرأتها." قالت ريم. "أربعة عشر نموذجًا، وكلها تقول إن كل شيء كان ممتازًا. وأربعة عشر شخصًا لا يتركون عملاً ممتازًا."اتصلت بتسعة منهم خلال خمسة أيام.رفض ثلاثة الحديث. اثنان لم يردّا. أربعة تحدثوا بحذر شديد ثم انفتحوا بعد أن أدركوا أنها لا تسجّل ولا تحقق.كانت الحكايات مختلفة في تفاصيلها، متطابقة في هيكلها:موظف بقي أربع سنوات في الوحدة نفسها ولم يُتَح له أي تدريب.موظفة تقدمت بفكرة لتحسين إجراء، فأخذها رئيس وحدتها وعرضها باسمه.شاب طلب تعديل ساعات عمله بعد ولادة طفله، فرُفض الطلب دون سبب، ثم مُنح لزميل آخر بعدها بشهرين.وثلاثة قالوا الجملة نفسها بصيغ مختلفة: "لم أكن أعرف إن كنت أعمل جيدًا أم لا. لم يخبرني أحد أبدًا."المكالمة التي علقت في ذهنها أكثر من غيرها كانت مع رجل اسمه سليم، بقي في القسم ست سنوات."سي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status