LOGIN
الفصل الاول
كان الليل قد أرخى سدوله على القصر المنيع، ولم يبقي سوى صمت ثقيل يلف أروقته، يتخلله وقع أقدام الحراس المنتشرين في كل زاوية. منذ أسبوع كامل، أُحضرت ملاك إلى ذلك المكان قسرا، ولم يخبرها أحد بسبب احتجازها. كانت تنقل من غرفة إلى أخرى، وتحاط بحراسة مشددة، بينما يتردد اسم واحد على ألسنة الجميع... * الدون. الرجل الذي ترتعد لذكره القلوب، وتنفذ أوامره دون نقاش. لم ترَه قط. لم تسمع صوته. ولم تعرف حتى ملامحه. كل ما كانت تعلمه أنها سجينة داخل قصره، وأن الهرب هو سبيلها الوحيد إلى النجاة. وقفت أمام نافذة غرفتها، تراقب تبدل نوبات الحراسة كما اعتادت طوال الأيام الماضية، حتى حفظت تحركاتهم عن ظهر قلب. وحين سنحت الفرصة، فتحت الباب بهدوء، وانزلقت إلى الممر المظلم. كانت خطواتها خفيفة، وأنفاسها متقطعة، بينما يخفق قلبها بعنف كلما اقترب صوت أحد الحراس. مرت من ممر، ثم آخر، حتى وصلت إلى البوابة الجانبية للقصر... ارتجفت يداها وهي تدفعها ببطء...وانفرجت البوابة.... اتسعت عيناها بلهفة، ثم اندفعت تركض بكل ما أوتيت من قوة، غير ملتفتة إلى شيء خلفها. وهي تهمس بصوت مرتجف: "لن أبقى أسيرة لهذا الوحش... لن أموت بين جدران هذا القصر." وفي تلك اللحظة... أضاءت إحدى شاشات المراقبة داخل الطابق العلوي. ثبتت عدسة الكاميرا على الفتاة الهاربة. ساد الصمت داخل المكتب الفخم، قبل أن تمتد يد ترتدي قفازا أسود إلى جهاز الاتصال... ثم انبعث صوت رجولي هادئ، يحمل هيبة ترغم الجميع على الطاعة: "أغلقوا جميع المخارج الخارجيه للطريق توقفت الكلمات لثواني، ثم أردف بنبرة باردة: "وأحضروها إلي... حية.. لا تؤذوها.. ولا تلمسوها.. عاملوها برفق انحنى أحد رجاله قائلًا: "كما تأمر، سيدي." أما صاحب الصوت...فقد بقي جالسا في الظلال، لا يظهر من ملامحه شيء، وكأن هويته ستظل سرا لم يكشف بعد اما عن ملاك كانت تركض بلا وجهة، لا تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة وصوت أنفاسها اللاهثة. لم تجرؤ على الالتفات خلفها، وكأن مجرد النظر إلى الوراء سيعيدها إلى ذلك القصر المهيب الذي أقسمت ألا تعود إليه أبدا. ظلّت تركض حتى خارت قواها، فاختبأت خلف جدار قديم في أحد الأزقة المظلمة، وأسندت ظهرها إليه وهي تحاول التقاط أنفاسها. همست بصوت مرتجف: "نجحت... لقد نجحت أخيرا ." لكن فرحتها لم تدم سوى لحظات وشق سكون الليل هدير عدة سيارات سوداء، أعقبه صوت إطارات احتكت بالأرض بعنف. تجمد الدم في عروقها ثم دوى صوت أحد الرجال: "فتشوا المكان بأكمله... لا بد أنها ما زالت قريبة." وضعت ملاك يدها على فمها تكتم أنفاسها، بينما أخذت خطوات الرجال تقترب شيئا فشيئا. أغمضت عينيها، ثم اندفعت تركض من مخبئها محاولة الإفلات منهم. لكنها لم تقطع سوى أمتار قليلة، حتى أحاط بها ثلاثة رجال. صرخت وهي تحاول الإفلات منهم مردده : "اتركوني! لن أعود معكم!" قبض أحدهم على ذراعها بقوة، بينما أمسك الآخر بكتفيها. كانت تقاوم بكل ما تملك من قوة، تركلهم وتدفعهم، غير أن محاولاتها ذهبت سدى. قال أحد الرجال ببرود: "كفى مقاومة." صرخت في وجهه والدموع تملأ عينيها: "ما الذي يريده مني؟! لماذا أنا.. انا لم افعل شئ خاطئ.. اقسم انا اعيش في منزلي الصغير بهدوء ارجوكم اتركوني نظر إليها بازدراء، ثم أجاب: "لسنا مخولين بالإجابة عن أسئلتك." دفعت إلى داخل إحدى السيارات السوداء، وأُغلق الباب بإحكام. وبينما كانت السيارة تشق الطريق عائدة إلى القصر، قالت بغضب ممزوج بالخوف: "لن أستسلم... سأهرب مرة أخرى." ضحك أحد الحراس ساخرا، ثم التفت إليها قائلا: "أتعلمين ممن تحاولين الفرار؟" رفعت رأسها بتحدي وقالت: "لا يهمني من يكون... لا يهمني اتركوني ارجوكم " ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال: "حين يختارك الدون... فلا وجود لكلمة هرب." ساد الصمت داخل السيارة، ولم يبقي سوى صوت المحرك الذي كان يقترب بها من مصير تجهله. وبعد دقائق، انفتحت بوابات القصر الحديدية من جديد. توقفت السيارة في الساحة الرئيسية. ترجل الحراس أولا، ثم فتح أحدهم الباب، وأشار إليها قائلا بلهجة صارمة: "انزلي الأن ترددت للحظة، لكن أحدهم جذبها من ذراعها حتى وقفت على قدميها. رفعت بصرها إلى القصر الشاهق، وشعرت بأن جدرانه تطبق عليها من جديد. ثم قال أحد الحراس وهو ينظر إلى زملائه: " أعيدت الأسيرة بسلام " وفي الطابق العلوي... وراء باب مغلق...كان رجل يقف أمام النافذة، يتابع المشهد في صمت، كان ليث كاستيللو يقف أمام النافذة، عاقدا ذراعيه فوق صدره العريض... كان طويل القامة، يتجاوز المئة والتسعين سنتيمترا بجسد رياضي صلب نحتته سنوات القتال. ارتدى قميصا أسود يلتصق بعضلاته، وقد انحسرت أكمامه حتى منتصف ساعديه، كاشفة عن وشم أسود امتد من معصمه حتى أعلى ذراعه، بدا وكأنه يحكي قصة لا يجرؤ أحد على سؤالها. أما عيناه... فكانتا رماديتين باردتين، خاليتين من أي رحمة، حتى إن النظر إليهما وحده كان كفيلا بإرباك أشجع الرجال. وخلفه وقف ريان، ذراعه اليمنى، والرجل الوحيد الذي حاز ثقته الكاملة منذ سنوات، حتى بات الجميع يعلم أن من يعادي ريان... فكأنه أعلن الحرب على الدون نفسه. قطع ليث الصمت قائلًا دون أن يلتفت: "هل عادت؟" أجاب ريان فورا: "نعم، سيدي." ليث: "هل تجرأ أحد على لمسها؟" ريان: "كلا... نفذ الرجال أوامرك حرفيا." أومأ ليث برأسه، ثم قال بهدوء: "جيد." ظل ريان صامتا للحظات، قبل أن يجازف بالسؤال الذي شغل تفكيره منذ بداية المطاردة. وهتف بتوتر : "سيدي... أكان الممر الغربي خاليا من الحراسة بأمرك؟" ساد الصمت ثم استدار ليث ببطء، واستقرت عيناه الرماديتان على ريان واجاب: "كنت أعلم أنها ستهرب." انعقد حاجبا ريان وقال: "إذن... لقد سمحت لها؟" ابتسم ليث ابتسامةً باردة لم تصل إلى عينيه وردد بجديه: "أردتها أن تظن أن النجاة أصبحت بين يديها..." ثم أضاف بنبرة جعلت ريان يشعر بقشعريرة تسري في جسده: "لا شيء يكسر الإنسان... أكثر من انتزاع الأمل منه بعد أن يلامسه.. وانا اريد كسرها حتي لا تستطيع ان تنهض مره اخري ابتلع ريان ريقه بصعوبة، ثم قال: "ولم منعت الرجال من إطلاق النار عليها..سيدي ؟" اقترب ليث خطوةً واحدة وهو يردد : "لأنها ليست لهم.. إن خدشها أحد...سأدفنه بيدي يا ريان" خفض ريان رأسه على الفور. "كما تأمر، سيدي." أعاد ليث بصره إلى النافذة، وقال بصوت هادئ، لكنه كان أشبه بالحكم الأخير: اتركوها لتستريح الليلة...فابتداء من الغد... سأجعلها تتمنى لو أنها ماتت قبل أن تقع بين يدي." وفي الجانب الاخر مرت الليلة علي ملاك كأنها دهر كامل. لم يغمض لها جفن، ولم تعرف للنوم طريقا. جلست في زاوية الغرفة تضم ساقيها إلى صدرها، بينما كانت عيناها الحمراوان تشهدان على ساعات طويلة من البكاء. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صور المطاردة، وأصوات الرجال، وكلمة واحدة تتردد في أذنيها... "الدون " من يكون؟ ولماذا يحتجزها؟ وماذا يريد منها؟ قطع أفكارها صوت خطوات ثقيلة تقترب من باب الغرفة فتسارعت أنفاسها وتعلقت عيناها بمقبض الباب الذي بدأ يتحرك ببطء... ثم انفتح. دخل أربعة رجال يرتدون بدلات سوداء، واصطفوا في جانبي الباب. تقدم أحدهم خطوة، وقال ببرود: " انهضي... الدون يريد رؤيتك" ارتجف جسدها كله وهمست بصوت متقطع: "لا... لن أذهب.. اتركوني ارجوكم " لم يجبها أحد واقترب أحد الحراس، وأمسك بذراعها برفق حازم، ثم سار بها عبر الممرات الطويلة. كانت تنظر إلى كل باب يمرون به، بينما يخفق قلبها بعنف. وأخيرا...توقفوا أمام باب خشبي ضخم طرقه الحارس مرتين ثم فتحه ودفعت إلى الداخل، وأغلق الباب خلفها. ساد الصمت...صمت ثقيل حتى إنها استطاعت سماع نبضات قلبها ثم رفعت بصرها ببطء. كان يقف أمام النافذة، يمنحها ظهره وبين أصابعه استقرت سيجارة مشتعلة، ارتفع منها خيط رفيع من الدخان، بينما انعكس ضوء الصباح على قامته المهيبة. كان طويلا، عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء فاخرة، وقد استقرت الساعة الفضية حول معصمه بثبات يوحي بالسلطة أما ساعده الأيسر، فقد ظهر جزء من وشم أسود امتد أسفل كم قميصه لم يتحرك ولم يلتفت إليها اكتفى بسحب نفس هادئ من سيجارته. ازداد ارتجافها كان صمته أشد رعبا من أي تهديد بل إن هذا السكون جعلها تتمنى لو أنه تكلم... أو حتى صرخ ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت مرتجف: "من... من أنت؟ وماذا تريد مني؟ ولماذا أنا هنا " لم يصلها سوى الصمت. مرت ثواني طويلة بدت لها كأنها سنوات. ثم ألقى السيجارة في المدفأة المشتعلة. واستدار... ببطء. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه الرماديتان بعينيها، شعرت وكأن الزمن قد توقف ذلك الوجه ...تلك النظرة...وذلك الشق الصغير أعلى حاجبه الأيسر...كانت تعرفه همس بصوت خفيض، لكنه اخترق قلبها قبل أذنيها: "اشتقت إليكي... يا ملاكي "441رفعت عيني نحو الباب، فتجمدت للحظة عندما رأيت ليث واقفا هناك وإلى جواره يزن، وكان ليث يحدق بنا بصمت، بينما ظلت ملامحه جامدة بطريقة لم أفهمها، وكأن شيئا في المشهد أمامه لم يعجبه على الإطلاق... أما يزن فكان ينظر إليه بين لحظة وأخرى، وكأنه أدرك سببا لغضبه لم أفهمه أنا بعد... ابتسم جاسر ما إن رآهما، ثم قال بأدب:ــ مرحبا، سيد كاستيللو... وأعتذر إذا كنت قد أزعجتكم بوجودي هنا.ظل ليث ينظر إليه للحظات دون أن يجيبه، ثم بدا وكأنه سيتحدث، لكن يزن سبقه بسرعة وهو يبتسم:ــ لا، على الإطلاق، لا يوجد أي إزعاج، والأهم الآن أن تستريح حتى تتحسن حالتك.رمقه ليث بنظرة جانبية، ثم عاد ينظر إلى جاسر بصمت، بينما تجاهلت وجوده تماما، وأخذت الدواء من فوق الطاولة، ثم اقتربت من جاسر وأعطيته إياه:ــ خذ هذا، وبعدها يجب أن تنام قليلا.أخذه مني، ثم ابتسم وقال:ــ حسنا، أيتها الطبيبة.ضحكت رغما عني، ثم قلت وأنا أهز رأسي:ــ لو كنت تستمع إلى نصائحي من البداية، لما كنت الآن بهذا الشكل.ضحك جاسر، ثم استلقى بهدوء، بينما اقترب يزن منه وقال:ــ اذهبي أنتِ واطمئني على ليان، سأبقى معه حتى ينام.نظرت إليه بابتسامة ممتنة، ث
440ما إن وقعت عيناي على الكأس بين يديه حتى اتسعت عيناي بصدمة، فقد كان ليث يجلس على الكرسي بهدوء وكأنه لم يخرج منذ فترة قصيرة من العناية المركزة، وكأن تحذير الطبيب له من تناول أي شيء قد يضر بحالته لم يكن يعنيه على الإطلاق... اندفعت نحوه بسرعة، وانتزعت الكأس من يده قبل أن يتمكن من شرب المزيد، ثم حدقت فيه بغضب شديد وأنا أقول:ــ اللعنة عليك.. ماذا تفعل؟!رفع عينيه نحوي ببرود، وكأن ما يفعله أمر طبيعي تماما، ثم قال دون أن يهتم بغضبي:ــ أشرب.حدقت فيه للحظات غير مصدقة، ثم رفعت الكأس أمام عينيه وقلت بانفعال:ــ تشرب؟! أنت هكذا تنتحر ببطء.. ألم يقل لك الطبيب إن الكحول ممنوع عليك؟ لقد خرجت من العناية المركزة منذ وقت قصير، ومع ذلك تجلس هنا وتشرب وكأن شيئا لم يحدثمد يده نحوي محاولا أخذ الكأس، لكنني أبعدتها عنه بسرعة، فزفر بضيق وقال ببرود:ــ وما شأنك أنتِ؟ أنا حر.شعرت بالغضب يشتعل داخلي من كلماته، فاقتربت منه أكثر وقلت بحدة:ــ لا، لست حرا عندما يتعلق الأمر بصحتك الطبيب أخبرك بما يجب عليك فعله، وأنت تتصرف وكأن حياتك لا تعني لك شيئانظر إليَّ للحظات، ثم قال بلا مبالاة:ــ قلت لكِ... ما شأنك؟
439ما إن انتهت الصفعة حتى شعرت بيدي ترتجف، لكنني لم أهتم بالألم الذي بدأ يتسلل إلى كفي، ولا بالصدمة التي ارتسمت على وجه ليث، فقد كان كل ما أراه أمامي هو ليان ودموعها التي لم تتوقف... اندفعت نحوها بسرعة، وانحنيت أمامها ثم جذبتها إلى صدري، وضمتها بذراعي بقوة، وكأنني أحاول أن أحجب عنها كل كلمة سمعتها قبل لحظات: ــ تعالي إليَّ يا عزيزتي...دفنت ليان وجهها في صدري، وما إن شعرت بارتجاف جسدها حتى ازداد خوفي عليها، فمررت يدي على شعرها وأنا أحاول تهدئتها، لكنني لم أستطع منع نظراتي من التوجه إلى ليث بين لحظة وأخرى. كان لا يزال واقفا في مكانه، يحدق بنا بصمت، وكأن الصفعة أخرجته من حالة الغضب التي كان يعيشها قبل دقائق بدأ الجميع يتجمعون بعدما سمعوا ما حدث، وكانت مارسيلا أول من اقترب، وما إن فهمت ما قاله ليث حتى نظرت إليه بغضب شديد وقالت:ــ كيف تفعل هذا أيها الوغد؟! كيف استطعت أن تقول لها شيئا كهذا؟!لم يجبها ليث. وللمرة الأولى منذ أن خرجت من الغرفة، لم أجد في عينيه ذلك الغضب الذي اعتدته منه، بل بدا وكأن كلمات مارسيلا جعلته يدرك حجم ما فعله. أنزل عينيه نحو ليان، وكانت نظراته مختلفة هذه المرة...
438كانت لارا هي المتصلة، وما إن أخبرتني أن جاسر تعرض لحادث حتى شعرت وكأن الكلمات فقدت معناها للحظة، وتجمدت في مكاني وأنا أحدق أمامي بصدمة، أحاول استيعاب ما قالته، لكن عقلي كان عالقا عند جملة واحدة فقط... جاسر تعرض لحادث... لم أفهم كيف حدث ذلك، ولا كيف يمكن أن يكون قد تعرض لحادث بينما كان يتحدث معي منذ قليل، كان صوته طبيعيا تماما، ولم أشعر من خلال حديثه بأن هناك شيئا غير عادي قد يحدث بعد دقائق قليلة من إغلاقنا للمكالمة: ــ ماذا؟!خرج صوتي مرتجفا، وشعرت بأن قلبي بدأ يخفق بعنف، قبل أن أتابع بسرعة، وكأنني أخشى أن يكون ما سمعته أسوأ مما فهمته:ــ جاسر تعرض لحادث؟! لكنه كان يتحدث معي منذ قليل... ماذا حدث له؟ وكيف حاله الآن؟أجابتني لارا بسرعة، وكأنها أدركت من نبرة صوتي أنني بدأت أفقد هدوئي:ــ اهدئي يا ملاك، حالته مستقرة والحمد لله، ولم يصب بإصابات خطيرة، لكنه سيحتاج إلى البقاء في المستشفى تحت المراقبة.ما إن سمعت كلمة مستقرة حتى أغمضت عيني للحظة، وشعرت براحة مفاجئة تسري داخلي، وكأنني كنت أحبس أنفاسي طوال حديثها دون أن أدرك. لم أكن أريد التفكير في احتمال آخر، ولم أكن مستعدة حتى لتخيل أن ي
437ظللت ممسكة بأوراق الطلاق دون أن أتحرك، وكانت عيناي معلقتين بها وكأنني أحاول إقناع نفسي بأن ما أراه أمامي حقيقي... ليث، الرجل الذي قضيت كل هذا الوقت أحاول الاقتراب منه، والذي رفضني مرات لا أستطيع حتى عدّها، كان يقف أمامي الآن ويطلب مني ببساطة أن أوقع على ورقة تنهي زواجنا... مرّت عدة ثوانٍ وأنا صامتة، بينما كان هو ينتظر ردة فعلي، وربما كان يتوقع أن أبكي أو أتشبث به أو أطلب منه أن يمنحني فرصة أخرى، لكنني هذه المرة لم أفعل شيئا من ذلك... رفعت عينيَّ إليه ببطء، ثم شعرت بابتسامة صغيرة تتشكل على شفتي، وكأن شيئا داخلي اتخذ قراره أخيرا.. لن أبكي أمامه... لن أترجاه. ولن أسمح له بأن يشعر بأنه استطاع كسري بهذه السهولة. وضعت الأوراق ، ثم قلت بهدوء وأنا أنظر إليه:ــ ومن أنت حتى تأمرني بالتوقيع؟عقد حاجبيه، وكأنه لم يتوقع أن تكون تلك أول كلماتي، فقد كان يراقبني بصمت منتظرًا أن أتعامل مع الأمر بجدية أكبر، أو أن أصاب بالصدمة بمجرد أن يخبرني بأنه يريد الطلاق... لكنني، رغم الصدمة التي اجتاحتني في اللحظة الأولى، لم أسمح لها بأن تظهر على وجهي، وبدلا من أن أنهار أمامه كما كان يمكن أن أفعل في موقف كهذا
436مر أسبوعان وأخيرا جاء اليوم الذي خرج فيه من المستشفى وعاد إلى القصر... خلال هذين الأسبوعين، لم أتوقف عن الاقتراب منه، لكنني هذه المرة لم أكن أفعل ذلك بالطريقة التي اعتدت عليها، فلم أعد أحاول إقناعه بأنه زوجي، ولم أعد أبكي أمامه كلما قال إنه لا يريدني، بل كنت أتعامل معه ببرود وعناد، وأقترب منه رغم رفضه، وأتصرف وكأن كراهيته لي لا تعنيني... في البداية كان يغضب مني كثيرا، وكلما رآني إلى جواره كان يسألني لماذا أصر على البقاء، فأجيبه ببساطة أنني لن أبتعد عن زوجي لمجرد أنه نسي أنه زوجي، وكان يغضب من إجابتي، لكنني لم أكن أتراجع... حتى مع ليان، لم يعد يعاملها كما كان يفعل في الأيام الأولى، صحيح أنه لم يستعد علاقته بها بعد، ولم يكن يناديها كما اعتاد، لكنه على الأقل لم يعد يبعدها عنه بعنف أو يجرحها بكلماته، وهذا وحده كان يجعلني أشعر بشيء من الراحة. واليوم، بعدما خرج من المستشفى، عاد أخيرا إلى القصر... كان الجميع ينتظرونه بفرح واضح، فقد بدت السعادة على وجوههم منذ لحظة وصول السيارة، وكأن عودته إلى المنزل أعادت شيئا من الحياة التي غابت عنه طوال الأشهر الماضية. أما أنا، فكنت أراقبه من بعيد وهو ي







