LOGINسهيل صحي على صوت خناقة.
مش صوت سلاسل بتتجر على حجر، ولا صوت كاهن الدم. صوت اتنين سواقين ميكروباص بيتخانقوا تحت البلكونة في عز الظهر. "يا عم عدي بقى الله يخرب بيت أم الزحمة!" فتح عينيه مرة واحدة. السقف اللي فوقه مش سقف حجري مشروخ. سقف أوضته في شبرا، فيه بقعة رطوبة على شكل قارة أفريقيا هو حافظها من وهو عنده 10 سنين. قام مفزوع. إيده راحت على صدره. مفيش دم. مفيش جرح. التيشيرت اللي لابسه مكتوب عليه Engineering Since 2019 وريحته عرق. بص حواليه. اللابتوب مفتوح على مشروع محطة التحلية اللي كان شغال عليه. علبة القهوة التركي فاضية. الساعة 2:15 الضهر. يوم التلات. نام 14 ساعة. "أنا كنت فين؟" قالها بصوت عالي. أمه خبطت على الباب ودخلت من غير ما تستنى رد كعادتها، شايلة صينية عليها كوباية شاي بلبن. "كنت فين يا حبيبي؟ ده انت نايم من امبارح المغرب! صحابك كلموك 3 مرات وقلت لهم تعبان. وشك أصفر كده ليه؟" سهيل بص لأمه. نفس الوش، نفس الغمازة، نفس الأغنية اللي كانت بتغنيها وهي في المطبخ من شوية. بس هو مش فاكر إيه الأغنية. ودانه بتصفر. "حلمت حلم طويل أوي يا ماما... طويل بطريقة غبية." أمه ضحكت: "احكي. كنت بتحلم بإيه؟" حاول يفتكر. مفيش. فيه صور بتجري بسرعة وتختفي. سوق؟ مرايات؟ بنت عينيها عسلي؟ خاتم؟ كل ما يمسك صورة، تسيح زي الدخان. "مش فاكر. فاكر إني كنت تايه." قالها وقام فتح البلكونة. هنا بقى القاهرة الحقيقية ضربت وشه مرة واحدة. حر أغسطس بيلسع. ريحة عادم ودخان كشري من المحل اللي تحت. صوت الكاسيت بتاع قهوة عم عبده مشغل مهرجانات. عيل صغير بيجري ورا كورة كفر في الشارع الضيق، وست بتزعق من بلكونة: "يا أحمد اطلع بقى!" الميكروباصات بتحمل: "تحرير تحرير! واحد تحرير!" مفيش سما نحاسي. سما القاهرة مغبرة عادية، بس زرقا على خفيف. مفيش ناس بتبيع ذكريات. الناس بتبيع مناديل وفول. كل حاجة عادية زيادة عن اللزوم لدرجة إنها توجع. دخل أوضته تاني، وقعد على المكتب. قدامه نوت بوك قديمة كان بيكتب فيها أفكار المشاريع. فتحها على صفحة فاضية. إيده لوحدها بدأت تكتب. ما كتبش كمهندس. كتب كواحد خايف ينسى. اسمي سهيل، 27 سنة، مهندس من القاهرة. وقعت مني مخطوطة اسمها مرايا النسيان... سوق بيبيعوا فيه الذكريات بدل الفلوس... بنت اسمها هيام، عينيها لون العسل، ماسكة سيف خشب مكسور... مدينة اسمها ميراث محبوسة ورا جدار صمت... حارس المرايا طلع أنا بس أكبر بـ20 سنة... فضل يكتب 3 ساعات متواصلة. إيده وجعته. كتب كل حاجة. القانون اللي بيمنع الكذب، التضحية، المرايتين، أمه عيانة وميراث عطشانة، الدم الأبيض. لما خلص، كان عرقان. قرا اللي كتبه وضحك. "إيه الهبل ده؟ أنا اتفرجت على إيه قبل ما أنام؟" قفل النوت بوك ورماها على السرير. قام لبس ونزل. الشارع زحمة كالعادة. وهو ماشي رايح يجيب قهوة من عم عبده، خبط في واحد. "سوري يا باشا." الراجل كان عجوز، لابس جلابية بيضا، وشه مألوف بشكل يخوف. ابتسم لسهيل ابتسامة هادية وقال: "أخيراً حد فينا فهم. قانون الدم مش عايز دم عشان يموت. عايز دم عشان يفتكر." سهيل اتسمر مكانه. "إيه؟ انت قلت إيه؟" العجوز بص له باستغراب: "إيه يا ابني؟ بقولك حاسب الله يكرمك." ومشي. سهيل وقف في نص الشارع، العربيات بتزمر حواليه، والناس بتعدي وتخبط فيه، وهو حاسس إن قلبه هيقف. الجملة دي... الجملة دي هو كاتبها بخط إيده جوه النوت بوك من 5 دقايق. نفس الجملة بالحرف. جري رجع البيت. فتح النوت بوك بعنف على آخر صفحة. الصفحة فاضية. كل اللي كتبه... اتمسح. مفيش غير سطر واحد جديد، مكتوب بحبر بني ريحته تراب قديم، بخط مش خطه. "لو نسيت ميراث، هتنسى هيام. المرايا هتفتح لك تاني الساعة 3:13 الفجر. لوحدك." بص على الساعة. كانت 3:10 الفجر. هو كان فاكر إنه نزل الصبح. هو ازاي الوقت بقى فجر تاني؟ هو نام تاني امتى؟ وصوت خناقة الميكروباصات اللي صحي عليها الصبح... لسه شغال تحت البلكونة بنفس الكلام بنفس الخناقة. كأن اليوم بيتعاد. وفجأة... من أوضة أمه، سمع نفس الأغنية القديمة اللي كان ناسيها. أمه بتغنيها بصوت واطي. نفس الأغنية اللي كانت في الحلم.بعد قهوة الخميس، سهيل ما روحش البيت.روح المستشفى.مش عشان تعبان. عشان سخن. سخن بطريقة مش طبيعية. جسمه مولع نار، وترمومتر الصيدلية اللي تحت البيت قاري 39.8 ومش بينزل.أمه كانت هتتجنن: "يا ابني انت كنت كويس الصبح! إيه اللي حصلك مرة واحدة؟"الدكتور في المستشفى بص عليه وقال: "مجهود. قلة نوم. ضغط شغل. هنعلق له محلول ويروح."علقوا له المحلول. سهيل نايم على سرير أبيض، حواليه عيانين بيكحوا، وريحة ديتول، وصوت جهاز الضغط بيزمر كل شوية.بس السخونية ما كانتش بتنزل. كانت بتطلع.40.140.5الممرضة جت جري: "يا دكتور الولد بيهلوس!"سهيل فعلاً كان بيهلوس. بس مش هلوسة.كان شايف السقف بتاع المستشفى بيتشقق. الشق الرفيع اللي شافه في قاعة المرايا أول مرة. بيكبر. وطالع منه نفس الهوا السخن اللي ريحته معدن محروق.وكان سامع صوت هيام بتصرخ. بعيد. بس الصوت بيقرب."سهيل! بياخدوا ذاكرتك! فوق!"فتح عينيه بالعافية. أمه ماسكة إيده بتعيط. مصعب واقف جنبها."ماما...""أنا هنا يا حبيبي هنا.""الشاي... الشاي اللي بلبن..." قالها وهو مش فايق.أمه اتخضت: "شاي إيه دلوقتي يا ابني؟"سهيل كان بيحاول يفتكر. كان بيحاول يمسك في ذكر
ميراث عمرها ما كانت هادية كده بعد ما رجعت لها الذاكرة.الناس افتكرت كل حاجة مرة واحدة. افتكروا أسامي ولادهم، افتكروا جوازاتهم، افتكروا مين سرق ومين خان ومين حب. المدينة كلها بقت بتصرخ. ناس بتحضن بعض وناس بتمسك في بعض تتخانق على ورث من 50 سنة.وفي نص الدوشة دي، هيام كانت واقفة لوحدها على بوابة المرايا المكسورة.بقالها 3 أيام مستنية."هو قال هيرجع." قالتها لحارس البوابة العجوز، اللي هو جد سهيل بس صغير."اللي بيدخل عالم الحي ويرجع، مش بيرجع بنفس القلب يا بنتي." قالها الجد. "عالمه تقيل. بينسي."هيام هزت راسها بعناد. نفس العناد اللي كان في عينيها وهي ماسكة السيف الخشب."سهيل مش بينسى. ده وعد."بس في اليوم التالت، المرايا ما فتحتش. السما الزرقا اللي رجعت لميراث من كام يوم، رجعت تاني نحاسي. غامق. كأنها مصدية.والمياه اللي جت من مشروع سهيل... نشفت. المحطة اللي اشتغلت فجأة، وقفت.الناس جرت على هيام: "فين المهندس بتاعك؟ فين اللي وعدنا بالمياه؟ ضحك علينا وخد ذكرياتنا ومشي زي اللي قبله!"هيام ما ردتش. رفعت سيفها الخشب اللي اتصلح لوحده بعد ما قانون الدم اتكسر، سيف بقى حديد بجد، وبيه.وطلعت فوق أعل
الساعة كانت 3:11.سهيل واقف في نص الصالة، ماسك النوت بوك اللي فجأة بقى فاضي، وسامع أمه بتغني في أوضتها نفس الأغنية اللي المفروض كان ناسيها، وصوت الخناقة تحت البلكونة بيتعاد بالحرف."يا عم عدي بقى الله يخرب بيت أم الزحمة!"نفس الجملة. نفس نبرة الصوت. كأن حد داس replay.جري على البلكونة. الشارع تحت كان هو. نفس الميكروباص الأبيض واقف بالعرض، نفس الراجل أبو جلابية بيضا اللي لسه خابط فيه من شوية... واقف تحت بيبص لفوق عليه.بس المرة دي الراجل ما كانش بيبتسم. كان بيشاور له. بيشاور على الشارع.سهيل بص على الشارع.كان فيه عيل صغير، حوالي 8 سنين، بيجري ورا كورة كفر. نفس الواد اللي شافه الصبح. بيجري من بين العربيات.وفجأة... كل حاجة وقفت.مش الزحمة وقفت. الصوت وقف.صوت المهرجانات من القهوة اتكتم. صوت الموتوسيكلات اتكتم. حتى صوت أمه اللي بتغني سكت مرة واحدة كأن حد شد الفيشة.الشارع كله بقى silent. صمت تقيل، صمت مش بتاع القاهرة. صمت بتاع مكان مقفول بقاله 100 سنة. صمت ميراث.الواد الصغير وقف في نص الأسفلت. الكورة وقعت من إيده. ورفع وشه وبص لسهيل فوق في البلكونة. عينيه... عينيه لون العسل.عيني هيام.
سهيل صحي على صوت خناقة.مش صوت سلاسل بتتجر على حجر، ولا صوت كاهن الدم. صوت اتنين سواقين ميكروباص بيتخانقوا تحت البلكونة في عز الظهر."يا عم عدي بقى الله يخرب بيت أم الزحمة!"فتح عينيه مرة واحدة. السقف اللي فوقه مش سقف حجري مشروخ. سقف أوضته في شبرا، فيه بقعة رطوبة على شكل قارة أفريقيا هو حافظها من وهو عنده 10 سنين.قام مفزوع. إيده راحت على صدره.مفيش دم. مفيش جرح. التيشيرت اللي لابسه مكتوب عليه Engineering Since 2019 وريحته عرق.بص حواليه. اللابتوب مفتوح على مشروع محطة التحلية اللي كان شغال عليه. علبة القهوة التركي فاضية. الساعة 2:15 الضهر. يوم التلات.نام 14 ساعة."أنا كنت فين؟" قالها بصوت عالي.أمه خبطت على الباب ودخلت من غير ما تستنى رد كعادتها، شايلة صينية عليها كوباية شاي بلبن."كنت فين يا حبيبي؟ ده انت نايم من امبارح المغرب! صحابك كلموك 3 مرات وقلت لهم تعبان. وشك أصفر كده ليه؟"سهيل بص لأمه. نفس الوش، نفس الغمازة، نفس الأغنية اللي كانت بتغنيها وهي في المطبخ من شوية. بس هو مش فاكر إيه الأغنية. ودانه بتصفر."حلمت حلم طويل أوي يا ماما... طويل بطريقة غبية."أمه ضحكت: "احكي. كنت بتحلم
سهيل فهم فجأة ليه المرايا كانت بتقول "الوعد ليه تمن تاني".التمن مش ذكرى. التمن هو اللي طلب في الأول."عايزني أدفع مكانك؟" سهيل سأل وجسمه كله بيترعش، بس مش خوف. غضب."لأ. عايزك تعمل اللي أنا ما قدرتش أعمله. ما تدفعش منك. خلي الدين يخلص."وفجأة المرايا البيضا كلها اتحولت لأسود. ومن السواد طلع صوت الكاهن تاني، بس المرة دي بيصرخ:"خيانة! بتكسر قانون الدم مرتين!"الأرض اللي كانت اتملت مياه صافية، المياه دي فارت. بقت بتغلي.ومن قلب المياه المغلية، طلع كائن تاني. مش حجري المرة دي. معمول من مرايات مكسورة. كل حتة فيه بتعكس وش سهيل وهو بيعيط، وهو بيضحك، وهو صغير، وهو ميت.ده كان "الديان". اللي بيجي يلم الدين لما قانون الدم يتكسر.الديان ما بصش للجد. بص لسهيل."انت الوريث الحي الوحيد. هتدفع انت."ورفع إيده المراية، وضرب ضربة في الهوا.الضربة ما جتش في سهيل.جت في هيام.هيام وقعت على ركبها، ومسكت دماغها وصرخت. صرخة مش وجع... صرخة نسيان."هيام!" سهيل جرى عليها. "هيام بصيلي!"هيام رفعت وشها، وعينيها العسلية... فاضية. "إنت... إنت مين؟"سهيل اتجمد. ده كان أسوأ من الموت. ده كان القانون بيتنفذ. بياخد
الضربة الأولى من حارس العهد المكسور ما نزلتش على سهيل.نزلت على الأرض بينه وبين هيام، فشقت البلاط الحجري لنصين وطلعت منه نار باردة، نار ملهاش دخان، ريحتها زي ريحة الدم لما ينشف على حديد."مش هتاخدها!" صرخت هيام وجرت وقفت قدامه، رافعة سيفها الخشبي المكسور. السيف الخشبي اللي كان يبان لعبة، المرة دي كان بينور بلون عسلي، نفس لون عينيها.الحارس بص لها كأنها ذبابة. مد إيده الحجرية، فالسيف الخشبي طار من إيدها واتكسر على الحيط.سهيل ما فكرش. السيف اللي في إيده، اللي كان ساكت طول الرحلة، سخن فجأة لدرجة إنه لسع كفه. بص جواه، لقى انعكاسه مش هو. لقى راجل عجوز لابس نفس الخاتم اللي كان عند أبوه.أبوه.الصوت اللي كان طالع من كل حتة سكت، وبقى طالع من السيف نفسه:يا سهيل يا ولدي... أنا ما اختفيتش. أنا اللي مضيت العهد الأول.سهيل اتجمد.جديك ماكسرش العهد عشان ينقذ ميراث. جدك كسر العهد عشان ينقذني أنا. أنا كنت مولود من غير ذاكرة زيهم، فجدك راح لحارس المرايا وقاله: خد ذاكرتي أنا، واديها لحفيدي. ومن ساعتها وأنا عايش في المرايا.الكائن الحجري وقف. كأنه هو كمان بيسمع.الكاهن العجوز اللي طالع من المراية ضحك،







