LOGINجلس وائل في أحد مقاعد المطار، محاطًا بأصوات المسافرين وإعلانات الرحلات التي تتردد في أرجاء المكان.
كانت حقيبته موضوعة إلى جواره، وجواز سفره بين أصابعه، بينما بقيت عيناه معلقتين بشاشة الرحلات دون أن يقرأ حرفًا واحدًا مما عليها. كانت رحلته بعد أقل من ساعة. رحلة بلا عودة... أو هكذا أقنع نفسه. خفض رأسه وأغمض عينيه، فعادت به ذاكرته ثلاثة أشهر إلى الوراء... كان كل شيء قد بدأ بألم بسيط في معدته. لم يهتم به في البداية. كان يعتقد أنه بسبب الإرهاق وقلة النوم، لكن الألم أصبح يتكرر، ثم بدأ يشعر بالغثيان وفقدان الشهية. كان يأكل القليل، ثم يشعر وكأن معدته ممتلئة تمامًا. وبدأ جسده يتغير. فقد بعض وزنه، وأصبح التعب يلازمه حتى في الأيام التي لم يفعل فيها شيئًا. وفي أحد الأيام، كان وحده في شقته عندما شعر بغثيان شديد. دخل الحمام، وانحنى فوق المغسلة. تقيأ... ثم تجمد مكانه. كان هناك دم. حدق فيه لثوانٍ طويلة، غير قادر على استيعاب ما يراه. في اليوم التالي ذهب إلى المستشفى. تحاليل... أشعة... منظار... ثم خزعة. كانت الأيام التي انتظر فيها النتيجة أطول أيام حياته. وحين جلس أمام الطبيب، كان يعرف من نظراته أن الأمر ليس بسيطًا. قال الطبيب بهدوء: "سيد وائل... ظهرت نتيجة الخزعة." رفع وائل عينيه إليه. "ماذا لدي؟" صمت الطبيب لحظة، ثم قال: "وجدنا ورمًا في المعدة." لم يفهم وائل في البداية. "ورم؟" "نعم." ابتلع ريقه، وشعر بأن قلبه بدأ يخفق بعنف. تجنب الطبيب النظر إلى عينيه للحظات، ثم قال: "التحاليل أظهرت أنك مصاب بسرطان المعدة، والمرض في مرحلة متقدمة." شعر وكأن شيئًا انهار داخله. لم يسمع بقية الكلمات بوضوح. مرحلة متقدمة... ظل المصطلح يتردد في رأسه وكأنه حكم صدر عليه. كان عمره لا يزال صغيرًا، وكانت أمامه أحلام كثيرة... وكان هناك شخص واحد يفكر فيه أكثر من أي شيء آخر. أريام. خرج من المستشفى يومها وجلس داخل سيارته لساعات. لم يشغل المحرك. ظل ينظر أمامه وكأن العالم كله توقف. ثم بدأ العلاج. في البداية حاول أن يقاوم. كان يقول لنفسه إنه سيشفى، وأن الأمر مجرد مرحلة وستنتهي. لكن خلال الأسابيع التالية، بدأ المرض يأخذ منه شيئًا فشيئًا. ازداد ضعفه. فقد المزيد من وزنه. أصبح الطعام عدوًا له. والغثيان جزءًا من يومه. وفي إحدى المرات، اضطر إلى دخول المستشفى بسبب نزيف شديد. عندها أخبره الطبيب أن حالته أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن العلاج لن يكون سهلًا. خرج وائل من غرفة الطبيب وهو يشعر بأنه يحمل عمره كله فوق كتفيه. وفي تلك الليلة، اتخذ قراره. لن يخبر أريام. لن يسمح لها بأن تعيش معه أيامًا مليئة بالخوف، ثم تستيقظ يومًا لتجد أنه رحل. كان يعرفها. يعرف أنها ستبقى إلى جانبه مهما حدث. ستبكي معه. ستتمسك بيده في المستشفى. وستحاول إقناعه بأنه سيشفى. وهذا تحديدًا ما لم يستطع تحمله. لم يكن يخاف الموت بقدر خوفه من أن يرى الحزن في عينيها بسببه. لذلك بدأ يبتعد. تجاهل اتصالاتها. اختلق الأعذار. وتعمد أن يكون قاسيًا معها. وفي النهاية قال لها الكلمات التي مزقت قلبه قبل أن تمزق قلبها: "يجب أن ننفصل." فتح وائل عينيه في المطار. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع. نظر إلى هاتفه. ظهرت أمامه صورة أريام. مرر إصبعه فوق الشاشة، ثم توقف قبل أن يفتح محادثتها. همس: "سامحيني..." ارتجف صوته. "لم أترككِ لأنني لم أعد أحبكِ... تركتكِ لأنني أحببتكِ أكثر مما ينبغي." مسح دموعه سريعًا عندما سمع إعلان رحلته. نهض وأمسك حقيبته. مشى بين المسافرين بخطوات ثقيلة. كان الجميع ذاهبين إلى مكان ما. إلا وائل... كان يهرب من المرأة التي أحبها، ومن الحقيقة التي لم يملك الشجاعة ليخبرها بها. وفجأة... سمع صوتًا مألوفًا خلفه. "وائل!" توقف في مكانه. تجمد للحظة، وكأنه عرف صاحب الصوت قبل أن يستدير. استدار ببطء. كانت أريام تتقدم نحوه، وخلفها بسام. تعلقت عيناه بها. لم يكن مستعدًا لرؤيتها. ليس الآن... ليس بعد أن أقنع نفسه بأنه يستطيع الرحيل دون أن يلتفت خلفه. اقتربت منه أريام، وكانت أنفاسها متسارعة من شدة الركض. قالت وهي تحاول السيطرة على صوتها: "بهذه السهولة تترك كل شيء وترحل؟" لم يجب. نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالعتاب. "وائل... هل حقًا لم تعد تحبني؟ هل ستسافر لأنك تتهرب مني؟" ظل صامتًا. كانت كل كلمة منها تضرب المكان الأكثر ألمًا في داخله. تابعت: "أعدك أنني لن أزعجك... لن أطلب منك شيئًا، ولن أحاول إجبارك على العودة إليّ." أخفض وائل عينيه. كان يريد أن يصرخ في وجهها بأنه يحبها. أن يحتضنها. أن يخبرها بكل شيء. لكنه لم يفعل. قال ببرود حاول جاهدًا أن يحافظ عليه: "لقد قررت هذا منذ زمن... وهذا لا يتعلق بمسألة انفصالنا." ضحكت أريام بسخرية ممزوجة بالألم. "إذن لماذا ...... لماذا تسافر فجأة؟" "لدي أمور يجب أن أنهيها هناك." نظرت إليه طويلًا، وكأنها تحاول اكتشاف الكذبة خلف عينيه. ثم قالت: "لقد جئت فقط لكي لا أندم لأنني لم أحاول إصلاح ما بيننا." اقتربت منه خطوة. "وائل... هذه آخر فرصة." ارتجف قلبه. "هل تريد أن تتركني وترحل؟" أغمض عينيه للحظة. ثم فتحهما وقال: "أريام... أنا لن أغير قراري." ساد الصمت بينهما. نظرت إليه للحظات، ثم أومأت برأسها ببطء، وكأنها تحاول جمع ما تبقى من كرامتها. "حسنًا... بالتوفيق." استدارت، لكنها توقفت للحظة وقالت دون أن تنظر إليه: "ولا تظن أن حياتي ستتوقف عندك. لن تؤثر عليّ." ابتلعت غصتها وأكملت: "سأعيش حياتي... وسأجد رجلًا أفضل منك، يحبني ويقدرني." قالتها ثم استدارت وغادرت مع بسام. كان بسام يراقب من بعيد. لم يتدخل. ولم يودع صديقه الذي كان يعتبره أخًا. بقي وائل واقفًا في مكانه للحظات. ظل ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه أريام. ثم تمتم بصوت خافت: "تجدين رجلًا آخر غيري؟" اشتدت قبضته حول جواز سفره. مجرد التفكير في الأمر جعل الدم يفور في عروقه. تخيل رجلًا آخر يمسك يدها... يضحك معها... يحتضنها... فشعر بألم يكاد يخنقه. لكنه أجبر نفسه على الهدوء. هو من اختار هذا الطريق. ولن يسمح لنفسه بأن يكون أنانيًا. كان والده هو الوحيد من عائلته الذي يعرف مرضه، وقد جهز له كل مستلزمات العلاج في الولايات المتحدة. أما فرع الشركة هناك... فلم يكن سوى حجة. وائل كان ذاهبًا للعلاج. أكمل طريقه. وقبل أن يدخل بوابة الصعود، توقف للحظة ونظر خلفه. لكنه لم يجد أحدًا. ابتسم ابتسامة مكسورة، ثم قال بصوت خافت: "أتمنى أن تكرهيني... فهذا سيكون أسهل عليكِ من أن تحزني على موتي." ثم استدار ومضى. وحيدًا. --- في الجهة الأخرى... كان جلال يجلس في غرفة الاستقبال، محاطًا بعائلته. عائلة آل شاهين. عائلة يعرفها الجميع، ويعرفون معها اسمًا ارتبط بالمال والنفوذ والمكانة. كان جلال يجلس إلى جانب أخيه الأكبر فارس، بينما كان جده عزت في المقعد المقابل له. وبالقرب منه جلست والدته فاديا. أما شقيقته لمى فكانت منشغلة بالحديث عن تفاصيل حفل زفافها الذي لم يتبقَ عليه سوى أسبوع. وفي الجهة الأخرى جلس ابناء عمه المتوفي شهاب وإيهاب، الاخوان اللذان تبناهما بشير بعد وفاة والدهما في حادث. تزوجت والدتهما وتركتهم. كان والدهما الابن الاكبر لعائلة آل شاهين ؛ لم يتردد بشير في احتضانهما وإدخالهما إلى عائلته. نظر الجد عزت إلى جلال وفارس، ثم قال بحزم: "حفل زفاف لمى بعد أسبوع... أريد بعدها حفل زفاف أحدكما." رفع جلال حاجبه. "أنا لا أزال صغيرًا على الزواج. تحدث مع فارس، هو الأكبر." نظر الجميع إلى فارس. قال بهدوء: "وأنا أيضًا لا أفكر في الزواج الآن." تنهد بشير وقال: "لا أحد منكما صغير." ثم أشار إلى فارس. "واحد في السادسة والعشرين..." ثم نظر إلى جلال. "والثاني في الثامنة والعشرين." قال بنبرة حازمة: "أغلب أولاد عمكما تزوجوا، وبعضهم أصغر منكما." تدخل عزت بنبرة أكثر عاطفية: "أنا الوحيد الذي لم يكن لدي زوجة ابن..." نظر إلى لمى. "لمى ستتزوج، وسيصبح البيت فارغًا." ثم ضرب عصاه على الأرض بخفة. "أريد كنة... وحفيدًا." ضحكت فاديا. "وأنا أيضًا." ثم أخرجت مجموعة من الصور ووضعتها على الطاولة. "جمعت صور العديد من الفتيات الجميلات." دفعت الصور باتجاههما. "انظرا." لم يتحرك أي منهما. نظر فارس إلى جلال. ونظر جلال إلى فارس. ثم أعادا النظر بعيدًا وكأن الصور غير موجودة. نفد صبر الجد. "إذن لن تنظروا؟" لم يجب أحد. تنهد عزت وقال: "أريد أن أفرح بكما قبل أن أرحل." ساد الصمت. حتى فارس، الذي كان دائمًا أكثرهم هدوءًا، تغيرت ملامحه قليلًا. لكن بشير لم يسمح للموقف بأن يتحول إلى عاطفة فقط. قال بحزم: "أمامكما ليس أسبوعًا... بل شهر." نظر الاثنان إليه. تابع: "إن لم يتزوج أحدكما خلال هذا الشهر، فسأطردكما من القصر والشركة." رفع فارس حاجبه وقال ببرود: "لا يهمني أصلًا. أنا نادرًا ما آتي إلى القصر." ثم أضاف بثقة: "وأيضًا أنا لا أعمل في الشركة. لدي شركة خاصة بي." كان فارس محاميًا مشهورًا. لم يخسر قضية من قبل، واستطاع أن يؤسس شركة محاماة تحمل اسمه. وعلى عكس بقية أفراد العائلة، اختار أن يعزل نفسه عن أعمال آل شاهين. لم يكن شغفه إدارة الأعمال. كان شغفه المحاماة. نظر بشير إلى جلال. كان يعرف أن تهديد فارس لن يجدي نفعًا. أما جلال... فكان مختلفًا. جلال كان مهووسًا بالعمل. وكانت الشركة بالنسبة إليه أكثر من مجرد عمل. لذلك بقي جلال الوحيد الذي يستطيع تهديده. قال جلال بضيق: "أبي، لا أريد أن يقرر أحد عني، خصوصًا في أمور الزواج." ابتسم بشير ابتسامة صغيرة، وكأنه كان ينتظر هذه الجملة. "إذن لا تجعلني أقرر." صمت جلال. تابع بشير: "إن تزوجت... فسأسجل الشركة باسمك." رفع جلال رأسه فورًا. كان يعلم أن والده لم يقلها عبثًا. ابتسم بشير، فقد عرف أنه أصاب نقطة ضعفه. "فكر بالأمر." ظل جلال صامتًا للحظات. ثم قال: "سأفكر في الأمر." ابتسمت فاديا بانتصار، بينما تبادل فارس وعزت نظرة قصيرة. أما جلال... فقد بدأ يفكر بالفعل. ليس في الزواج. بل في الشركة التي لطالما أراد أن تكون تحت سيطرته الكاملة. ولم يكن يعلم أن القرار الذي سيتخذه خلال هذا الشهر سيقلب حياته بالكامل.اشتعلت عيناه غضبًا، وتبدلت ملامحه في لحظة. تقدم نحوها خطوة وقال بصرامة: "أنتِ تحلمين! لن أطلقكِ. أنا لست أداة تستغلينها متى شئتِ ثم تتخلصين منها عندما لا تعود تناسبكِ!" حدقت فيه بصدمة. "أستغلك؟ بماذا استغللتك يا جلال؟" "ألا تعرفين؟ انت تزوجتني فقط لتغيظيه، لم تفكري حتى كيف ستكون حياتنا بعد الزاج." ضحكت بمرارة، ثم قالت: "أنت أكثر من استفاد من زواجنا!" قطب حاجبيه. تابعت، وقد بدأت الكلمات تخرج منها محملة بكل ما كتمته طوال الأيام الماضية: "هل تظنني حمقاء؟ أنت أيضًا تزوجتني حتى يسجل والدك الشركة باسمك، وقد نجحت في الحصول على ما أردته!" توقفت للحظة، ثم أشارت إلى نفسها بأصابع مرتجفة. "أما أنا، فماذا استفدت؟ أخبرني! ماذا استفدت غير أنني أعيش كل يوم وأنا أحاول فهمك، وأتحمل برودك، وأتشاجر معك بسبب أشياء تافهة؟" ازداد وجه جلال قتامة. "هل اللعب بمشاعري شيء تافه بالنسبة إليكِ؟" "أنا لم ألعب بمشاعرك!" "لكنّكِ خدعتني!" "وأنت لست بريئًا كما تحاول أن تظهر!" ساد الصمت للحظة. كان كل منهما ينظر إلى الآخر بغضب، بينما تتراكم الكلمات التي لم يقولاها بعد. ثم قالت أري
كان يرتدي رداء الحمام، وشعره الأسود مبللًا، تتساقط منه قطرات ماء صغيرة على جبينه وعنقه. بدا أنه خرج لتوه من الحمام، ولم يكن يتوقع أن يجدها واقفة أمامه. تجمدت نظراته للحظة، ثم عاد البرود إلى ملامحه. "ماذا تريدين؟" ابتلعت أريام ريقها. لم تكن تتوقع أن يستقبلها بابتسامة، لكنها لم تتخيل أيضًا أن ينظر إليها بهذه الطريقة، وكأن وجودها آخر شيء يرغب فيه. قالت بصوت خافت: "ألن تدعني أدخل؟" لم يجب. ابتعد عن الباب تاركًا لها المجال، ثم استدار ودخل الغرفة. دخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء. كان الجناح مرتبًا، وأغراضه موضوعة بعناية على الطاولة، بينما كانت حقيبته مفتوحة بالقرب من خزانة الملابس. لم يلتفت جلال إليها. اتجه نحو الحقيبة، وأخرج قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا، ثم بدأ يرتدي ملابسه أمامها دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الحمام. كانت تلك أول مرة يفعل فيها شيئًا كهذا أمامها. راقبته أريام بصمت. لم تخفض عينيها، ولم تُدر رأسها خجلًا. كانت تعرف أنه يتعمد استفزازها، أو ربما يريد أن يثبت لها أن وجودها لم يعد يعني له شيئًا. وعلى الرغم من الألم الذي شعرت به، قررت ألا تمنحه متع
كانت تكره نفسها في كل مرة تتذكره فيها، وفي كل مرة تجد قلبها يشتاق إليه رغم محاولاتها المستمرة لإقناعه بأن الماضي قد انتهى. لقد مضت قدمًا. تزوجت رجلًا آخر، وبدأت حياة جديدة، وكان يفترض بها أن تطوي الصفحة القديمة إلى الأبد. لكنها، بدلًا من أن تعيش تلك الحياة، وجدت نفسها غارقة في مشكلات لم تكن تتوقعها، وكان جزء كبير منها نابعًا من مشاعرها التي لم تستطع حسمها. مسحت وجهها بيدها، ثم نظرت إلى ميرو الذي رفع رأسه نحوها. ابتسمت له ابتسامة باهتة، ومدت يدها تمسح ظهره. "أنا أعرف أنني المخطئة، يا ميرو... أعرف ذلك." سكتت لحظة، ثم عادت تنظر إلى الأشجار. كانت تتمنى لو استطاعت أن تحب جلال. منذ البداية، لم يكن رجلًا سيئًا في نظرها. بل كانت ترى فيه صفات كثيرة تستحق الإعجاب، وكانت تأمل أن تمنح علاقتهما فرصة حقيقية، وأن يأتي يوم تنظر إليه فيه بقلب مختلف. لكن تصرفاته الأخيرة، وقسوته، وبروده، والطريقة التي بات يعاملها بها، جعلتها تنفر منه تدريجيًا. ومع ذلك، لم تستطع أن تتجاهل حقيقة كانت تؤلمها أكثر من أي شيء آخر. لقد كانت هي من أشعلت النار أولًا. حين تزوجها جلال، لم يكن يعرف أن قل
وفجأة، تذكرت أمرًا آخر، فالتفتت إلى والدتها وقالت: "بالمناسبة، نسيت أن أخبركم بشيء." نظرت إليها هناء باهتمام. "ما هو؟" ابتسمت أريام للمرة الأولى منذ مغادرتها الفيلا، ولو ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. "لقد ظهرت النتائج، ونجحت. كنت الأولى على القسم." اتسعت ابتسامة هناء، وتبدلت ملامحها من القلق إلى الفرح. "حقًا؟ مبارك يا ابنتي!" اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم قبلت جبينها بفخر. "ابنتي الذكية والمتفوقة! هذا خبر يستحق الاحتفال، سأجهز كل شيء بنفسي." ابتسم بسام وهو يقول: "مبارك يا أريام. كنت أعرف أنكِ ستتفوقين." شعرت أريام بدفء عائلتها يحيط بها، وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل دموعها تترقرق في عينيها مجددًا. لكنها هذه المرة لم تكن دموع حزن خالص؛ فقد امتزج ألمها بشعور عميق بالامتنان لأنها لم تكن وحدها. قالت بهدوء: "شكرًا لكم، لكن لا داعي للاحتفال الآن. لنؤجله إلى وقت آخر، فأنا متعبة وأريد الصعود إلى غرفتي." ربتت هناء على ذراعها بحنان. "حسنًا يا حبيبتي، ارتاحي قليلًا. سنتحدث لاحقًا." أومأت أريام، ثم حملت حقيبتها الصغيرة واتجهت إلى الطابق العلوي. تابعتها هناء
ساد الصمت داخل السيارة لبعض الوقت. لم يرد بسام أن يحاصر أخته بالأسئلة، لكنه لم يستطع تجاهل حالتها أيضًا. كانت تجلس بجواره، تضم يديها إلى حجرها، وتنظر من النافذة دون أن يبدو أنها ترى شيئًا مما يمر أمامها. وأخيرًا، التفت إليها وقال: "هل ستخبرينني الآن بما حدث؟" أدارت وجهها نحوه. "جلال لم يعد كما كان، أخي. إما أن يتجاهلني تمامًا، وإما أن ينتهي بنا الأمر إلى شجار. لم أعد أحتمل هذا الوضع." قطب بسام حاجبيه. "هل كان يعاملك بهذه الطريقة منذ بداية زواجكما؟" "لا. في البداية لم يكن هكذا، لكنه تغير مع الوقت. أصبح باردًا، وكأن وجودي في حياته عبء عليه." تأملها بسام قليلًا، ثم سألها السؤال الذي خطر في باله: "هل تعتقدين أنه يخونك؟" توقفت أريام عن تحريك أصابعها. عادت إلى ذاكرتها الصور التي أرسلتها سيرين إليها، والصور التي أثارت الشكوك في نفسها، لكنها، رغم كل شيء، لم تكن مقتنعة بأن جلال قد خانها. هزت رأسها. "لا." "إذن، ما السبب؟" ترددت أريام، ثم قالت: "إنه يعرف بعلاقتي السابقة مع وائل. أعتقد أنه يعاقبني على الماضي، ويعاملني بهذه الطريقة لأنه لا يستطيع تجاوز الأمر." نظر إليها بسام باست
بقيت أريام جالسة على أرض غرفة المعيشة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بنقطة فارغة أمامها. كانت تحاول أن تهدأ، أن تجمع أفكارها المتناثرة، وأن تفهم كيف وصلت إلى هذه اللحظة التي لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها. قبل زواجها من جلال، كانت نادرًا ما تبكي أو تسمح للحزن بأن يهزمها. كانت حياتها هادئة وسلسة، لا تعرف هذا القدر من التعب النفسي، ولا تدرك كيف يمكن لشخص واحد أن يجعلها تشعر بكل هذا الاختناق. لكن منذ دخل جلال حياتها، تغيرت أشياء كثيرة. أصبحت تبكي أكثر مما ينبغي، وتتشاجر على أمور لم تكن تستحق، وتنتهي خلافاتهما دائمًا باستنزاف ما تبقى لديها من طاقة. رفعت رأسها ببطء، فوقعت عيناها على هاتفها المحطم. مدت يدها والتقطته، تتأمل شاشته المتصدعة للحظات، ثم أخرجت شريحة الاتصال وألقت الهاتف جانبًا. لم يكن هناك أمل في أن يعمل مجددًا، تمامًا كما لم يعد لديها أمل في إصلاح أي شيء بينهما في تلك اللحظة. نهضت أخيرًا، وصعدت إلى الطابق العلوي. أخرجت حقيبة سفر فارغة من الخزانة، وبدأت تجمع ملابسها وأغراضها الشخصية دون اهتمام بترتيبها. كانت تريد المغادرة فحسب، ولم يعد أي شيء آخر مهمًا بالنسبة إلي







