Mag-log inمرّ ذلك الأسبوع كئيبًا على أريام.
منذ انفصالها عن وائل، تبدلت كثيرًا. لم تعد الفتاة التي تملأ المنزل ضحكًا وحديثًا، ولا تلك التي كانت تتحمس للخروج مع إخوتها لأبسط الأسباب. أصبحت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تحدق في هاتفها دون أن تفتحه، أو تستلقي على سريرها وهي تحدق في السقف لساعات طويلة. كان بسام وسمير يحاولان بكل الطرق إخراجها من حالتها. مرة يأخذانها إلى المكان الذي تحبه، ومرة يشترون لها الأشياء التي كانت تتحدث عنها سابقًا، ومرة يحاولان إضحاكها بالنكات والمواقف القديمة. لكن أريام كانت ترفض كل شيء. حتى الهدايا التي كانا يضعانها أمامها لم تكن تستطيع أن ترسم ابتسامة حقيقية على وجهها. كانا يعرفان أنها لا تحتاج إلى هدية... بل تحتاج إلى أن تتوقف عن التفكير. لكن كيف يمكنهما إيقاف قلبها عن التعلق بشخص اختار أن يتركها؟ في أحد الأيام، دخل سمير إلى غرفتها دون أن يطرق الباب. وجدها جالسة على حافة السرير، وشعرها منسدل حول وجهها، وعيناها شاردتان. اقترب منها وجلس بجوارها. "أختي." لم تجبه. "أريام." التفتت إليه ببطء. "نعم؟" ابتسم محاولًا أن يبدو طبيعيًا. "ما رأيك أن نذهب للتسوق؟" تنهدت وأعادت نظرها إلى الأمام. "لا أريد." "لماذا؟" "لقد مللت من كل شيء." صمت سمير للحظة. ثم قال: "هذه المرة مختلفة." نظرت إليه باستغراب. "مختلفة كيف؟" "علينا حضور حفلة غدًا." عقدت حاجبيها. "حفلة؟ لا أريد الذهاب إلى الحفلات." "ستذهبين." "سمير..." نظر إليها بجدية مصطنعة. "لن نتركك وحدك في المنزل." رمقته بنظرة ضيق. ابتسم. "سأشتري لك فستانًا جميلًا." نظرت إليه للحظات، ثم تنهدت باستسلام. "أنت مزعج." ضحك. "لكنني نجحت." وبعد إلحاح طويل من سمير، وافقت أريام على الذهاب معه. --- في مركز التسوق، بدأت ملامحها تتغير قليلًا. ليس لأنها استعادت سعادتها... لكن لأن سمير لم يمنحها فرصة لتغرق في أفكارها. كان يدخل معها كل متجر، يختار شيئًا، ثم يقول بثقة: "هذا يناسبك." "سمير، أنت لا تفهم شيئًا في الملابس." "المهم أنني أحاول." وفي النهاية اشترت فستانًا للحفلة، ومجموعة من الأحذية والمجوهرات. نظر سمير إلى الأكياس المتعددة بين يديه بدهشة. "هل قررتِ استغلالي؟" ابتسمت أريام لأول مرة منذ أيام. "نعم." ثم رفعت أحد الأكياس. "أنت كريم جدًا.....سأشتري المول كله." ضحك سمير. "ها قد عادت أريام." توقفت للحظة. اختفت ابتسامتها قليلًا. خفضت عينيها، ثم قالت بهدوء: "لن أشتري شيئًا آخر." ابتسم سمير دون أن يعلق. كان يكفيه أنها ابتسمت. --- في مساء اليوم التالي، أقيم حفل زفاف لمى وخالد. أقيم الحفل في قاعة كبيرة فاخرة، امتلأت بالضيوف والأضواء والموسيقى. كان تنظيم الحفل رائعًا، وحضر العديد من رجال الأعمال مع عائلاتهم. ومن بينهم عائلة الحريري، وعلى رأسهم بشير وعائلته. كما حضرت عائلة الكرمي، عائلة وائل. حضر والداه زاهر وسعاد، وأخته سوسن. كانت أريام ترتدي فستانًا طويلًا ضيقًا بحمالات رفيعة، بلون أخضر داكن أبرز لون بشرتها وملامحها. تركت شعرها الأسود الويفي منسدلًا على كتفيها، واكتفت بمكياج مناسب لملامحها الحادة. كانت من أولئك الفتيات اللواتي لا يحتجن إلى الكثير من المكياج حتى تبدو ملامحهن قوية وواضحة. دخلت القاعة إلى جانب عائلتها. لم تكن تحاول لفت الأنظار. ولم تكن تفكر أصلًا في نظرات الآخرين. لكنها لفتت الانتباه رغمًا عنها. --- بدأ الحفل بشكل رائع. دخل العروسان وسط التصفيقات، ثم عقدا قرانهما وسط أجواء مليئة بالفرح. وبعدها رقصت لمى مع زوجها في منتصف القاعة. ثم بدأت الموسيقى تتغير تدريجيًا، وبدأ الضيوف بالرقص. سحب بسام أريام إلى ساحة الرقص. "تعالي." قاومته قليلًا. "لا أريد." "مجرد رقصة." "بسام..." "أريام، لا تفكري كثيرًا." استسلمت. كانت أريام قد دخلت معهدًا للفنون الجميلة، وكانت تعرف الرقص بأنواعه، فقد كان الرقص بالنسبة إليها هواية تحبها منذ سنوات. لكنها كانت تخجل من الرقص أمام الغرباء. بدأت الموسيقى الهادئة. وضع بسام يده بطريقة محترمة، وبدأت أريام تتحرك معه. في البداية كانت مترددة. ثم انسجمت مع الموسيقى. وبدأت خطواتها تصبح أكثر ثقة. لم تكن تتعمد لفت الانتباه. لكنها كانت تلفت الأنظار دون تكلف. ومن بين الحاضرين، كان بشير يراقبها. التفت إلى جلال الذي كان يقف إلى جواره. "لماذا لا ترقص مع أحد؟" أجاب جلال بلا اهتمام: "لا أريد." ابتسم بشير. "ابحث عن امرأة تناسبك. هنا الكثير من النساء." ألقى جلال نظرة سريعة حوله. "كلهن متصنعات ولا يعجبنني." رفع بشير حاجبه. ثم أشار إلى أريام. "انظر إلى تلك الفتاة." نظر جلال إلى حيث أشار والده. توقفت عيناه عليها. كانت تضحك مع بسام وهي ترقص، وشعرها يتحرك مع خطواتها، بينما بدا وجهها خاليًا من أي محاولة للتصنع. ساد الصمت للحظات. قال بشير: "إنها جميلة ومؤدبة." ظل جلال ينظر إليها. وللمرة الأولى شعر أن ذوق والده ليس سيئًا إلى هذه الدرجة. ثم سأل: "من هذا الذي يرقص معها؟" ضحك بشير. "لا تقلق، هذا أخوها." قطب جلال حاجبيه. "كيف عرفت؟" ربت بشير على كتفه. "أنا أعرف عائلتها. وسأعرفك عليها بعد قليل." --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان فارس يراقب أريام. لم تكن نظرته تشبه نظرة جلال. كان جلال ينظر إليها بإعجاب واضح، أما فارس فكان ينظر إليها وكأنه يحاول فهم شيء لا يعرفه عنها. لم يبتسم. لم يبدُ عليه الانبهار. فقط تلك النظرة الثابتة والغريبة بقيت معلقة بها. وحين لاحظ أن جلال يراقبها أيضًا، انتقلت عيناه إليه للحظات. ثم عاد ينظر إلى أريام. --- بعد انتهاء الرقصة، عادت أريام إلى طاولة عائلتها وجلست، ثم أخذت كوب العصير وارتشفت منه بهدوء. بعد دقائق، جاء بشير برفقة جلال. كان حكمت يعرف بشير منذ سنوات، لذلك استقبله بحرارة. "أهلًا بشير." "أهلًا بك يا حكمت." تبادل الرجلان التحية، ثم قال بشير: "دعني أعرفك بابني." أشار إلى جلال. "هذا ابني الثاني، جلال." مد جلال يده وصافح حكمت. ثم قدم حكمت عائلته. "وهؤلاء أبنائي، بسام وسمير." صافحهما جلال باحترام. ثم التفت حكمت إلى أريام. "وهذه ابنتي الصغيرة، أريام." رفعت أريام رأسها. وقفت بأدب ومدت يدها. "مرحبًا يا عمي." ابتسم بشير وصافحها. ثم التفتت إلى جلال. تلاقت عيناهما للحظة. مد يده. صافحته أريام. كانت يدها ناعمة ودافئة، بينما بقيت ملامحها هادئة ورزينة. لم تكن تحاول لفت انتباهه. ولم تكن تعرف أصلًا أنه كان يراقبها منذ دقائق. لكن جلال شعر بتوتر غريب للحظة. سحب يده بهدوء، ونظر إليها. كان جمالها واضحًا، لكن ما أثار إعجابه أكثر كان هدوءها. لم تكن متصنعة. لم تكن تحاول أن تظهر بصورة معينة. كانت ببساطة نفسها. ولسبب لم يفهمه، وجد نفسه يتوتر أمامها. لاحظ بشير صمته، لكنه لم يعلق. ثم سأل أريام: "ماذا تعملين يا ابنتي؟" أجابت بهدوء: "لا أعمل، لا أزال طالبة." "وفي أي قسم تدرسين؟" "أدرس في قسم الأمن السيبراني." رفع بشير حاجبه بإعجاب. وقبل أن يتحدث، قال حكمت بفخر: "ابنتي ذكية جدًا، ولديها هواية في البرمجة أيضًا." ابتسمت أريام بخجل. قال بشير: "أبناؤك رائعون يا حكمت." ثم ابتسم. "أحسنت تربيتهم." أجابه حكمت: "أشكرك." كان الحديث عاديًا... لكن جلال لم يكن يستمع إلى كل ما يقال. كانت عيناه تعودان إليها بين الحين والآخر. --- في مكان آخر من القاعة، اقتربت سعاد من إيهاب وشهاب. ابتسمت محاولة فتح حديث. "إلى هذه الدرجة لا تريدون حتى أن تسلما علي؟" نظر إليها إيهاب ببرود. "من لا يريدنا، لا نريده." تغيرت ملامحها. "أنا أبقى والدتكم." ضحك شهاب بسخرية مريرة. "أمي ماتت مع أبي." تجمدت سعاد. تابع شهاب: "أنتِ والدة وائل ومجد." لم تجد ما تقوله. كانت الحقيقة أقسى من أي اتهام. بعد وفاة زوجها، اختارت سعاد الزواج من زاهر، الذي كان حبها الأول ، وكان زاهر مطلقًا من والدة سوسن. أما مجد، فلم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره. اختارت سعاد حياتها الجديدة وتركت أبناءها خلفها. لم تسأل عنهم. لم تزورهم. حتى لقاءاتهم أصبحت تحدث مصادفة في المناسبات. ومع مرور السنوات، تحولت العلاقة إلى شبه قطيعة. كان شهاب يتواصل فقط مع وائل، وأحيانًا يلتقون ثلاثتهم. أما وائل، فعاش معظم حياته يشعر بأنه وحيد. كان يفتقد الأخوة رغم وجود سوسن في حياته. ومع ذلك، كان هو دائمًا من يبادر بالتواصل معهم والسؤال عنهم. لم يستطيعوا يومًا صد لطفه وصدقه. لكن الليلة... كان وائل غائبًا. وكان غيابه حاضرًا في قلب أريام أكثر من أي شخص آخر. --- بدأت الموسيقى تنساب من جديد بهدوء في أرجاء القاعة، قبل أن ترتفع نغمتها شيئًا فشيئًا. كان سمير يراقب أريام من بعيد. اقترب منها ومد يده. ابتسم. "هذه المرة لن أتركك تجلسين وتفكرين." هزت رأسها. "سمير..." "أريام." مد يده أكثر. "أنتِ بنفسك كنتِ تجبرينني على التدريب مئة مرة." ضحكت رغمًا عنها. "لأنك كنت سيئًا." "والآن حان وقت الانتقام." ضحكت، ثم وضعت يدها في يده. "حسنًا." سحبها إلى ساحة الرقص. وقفت أريام أمامه. بدأت الموسيقى. وفي اللحظة الأولى، تغيرت ملامحها تمامًا. اختفت الفتاة الحزينة التي كانت تجلس طوال الأسبوع في غرفتها. أصبحت هادئة وواثقة. تحركت مع الإيقاع بخفة، وكأن جسدها حفظ الموسيقى منذ سنوات. ابتسم سمير. "ما زلتِ تتذكرين.....كنت أظن أنك نسيتِ." "أنا لا أنسى شيئًا." قالتها وهي تنظر أمامها. ولم يعرف سمير إن كانت تقصد الرقص... أم شيئًا آخر. بدأت الرقصة. خطوة إلى اليمين... ثم التفافة... ثم تراجعا معًا قبل أن يلتقيا في حركة متناسقة. تعالت همسات الإعجاب من حولهما. لكن جلال كان يراقبها بتفحص. هذه المرة لم يحاول إخفاء إعجابه. كانت عيناه تتبعان كل حركة. أعجبه حضورها. ثقتها. هدوءها. والطريقة التي كانت تبتسم بها. أما فارس... فكان يقف بعيدًا. يراقبها بنظرات غامضة. لم يعرف أحد ماذا تعني. وحين دارت أريام حول سمير، ضاقت عيناه قليلًا. ثم انتقل نظره إلى جلال. كان واضحًا أنه لاحظ إعجاب جلال بها. بقي يراقبه لثوانٍ. ثم عاد إلى أريام. وكأن شيئًا ما بدأ يأخذ مكانه في ذهنه. تسارعت الموسيقى. أمسك سمير بيد أريام، دارت حوله بخفة، ثم عادت إليه في حركة متقنة. تعالت التصفيقات. ضحكت أريام. وكانت تلك الضحكة أول ضحكة حقيقية تخرج منها منذ أسبوع. توقف سمير أمامها، ثم انحنى معها وسط التصفيق. قال وهو يلتقط أنفاسه: "هل ما زلتِ تعتقدين أنني لا أجيد الرقص؟" ضحكت. "لا." رفع حاجبه. "أخيرًا اعترفتِ؟" "أعتقد أنك أصبحت مقبولًا." وضع يده على صدره متظاهرًا بالتأثر. "مقبول فقط؟ بعد كل هذه السنوات؟" ضحكت مجددًا. ثم احتضنته فجأة. ضمها سمير إليه وهو يضحك. وفي تلك اللحظة، ابتسم جلال دون أن يشعر. ظل ينظر إليها للحظات. أما فارس، فلم يبتسم. بقيت عيناه عليها... كانت تلك الليلة قد بدأت تكشف شيئًا لم يكن أحد مستعدًا له. أريام، التي جاءت إلى الحفل فقط كي تهرب من حزنها... لم تكن تعرف أن حضورها الهادئ، ورقصة واحدة مع أخيها، ستجعل أكثر من عين تتوقف عندها. وأن بين تلك النظرات... كانت هناك نظرة إعجاب. وأخرى غامضة. وربما كانت الأيام القادمة كفيلة بكشف الفرق بينهما.اشتعلت عيناه غضبًا، وتبدلت ملامحه في لحظة. تقدم نحوها خطوة وقال بصرامة: "أنتِ تحلمين! لن أطلقكِ. أنا لست أداة تستغلينها متى شئتِ ثم تتخلصين منها عندما لا تعود تناسبكِ!" حدقت فيه بصدمة. "أستغلك؟ بماذا استغللتك يا جلال؟" "ألا تعرفين؟ انت تزوجتني فقط لتغيظيه، لم تفكري حتى كيف ستكون حياتنا بعد الزاج." ضحكت بمرارة، ثم قالت: "أنت أكثر من استفاد من زواجنا!" قطب حاجبيه. تابعت، وقد بدأت الكلمات تخرج منها محملة بكل ما كتمته طوال الأيام الماضية: "هل تظنني حمقاء؟ أنت أيضًا تزوجتني حتى يسجل والدك الشركة باسمك، وقد نجحت في الحصول على ما أردته!" توقفت للحظة، ثم أشارت إلى نفسها بأصابع مرتجفة. "أما أنا، فماذا استفدت؟ أخبرني! ماذا استفدت غير أنني أعيش كل يوم وأنا أحاول فهمك، وأتحمل برودك، وأتشاجر معك بسبب أشياء تافهة؟" ازداد وجه جلال قتامة. "هل اللعب بمشاعري شيء تافه بالنسبة إليكِ؟" "أنا لم ألعب بمشاعرك!" "لكنّكِ خدعتني!" "وأنت لست بريئًا كما تحاول أن تظهر!" ساد الصمت للحظة. كان كل منهما ينظر إلى الآخر بغضب، بينما تتراكم الكلمات التي لم يقولاها بعد. ثم قالت أري
كان يرتدي رداء الحمام، وشعره الأسود مبللًا، تتساقط منه قطرات ماء صغيرة على جبينه وعنقه. بدا أنه خرج لتوه من الحمام، ولم يكن يتوقع أن يجدها واقفة أمامه. تجمدت نظراته للحظة، ثم عاد البرود إلى ملامحه. "ماذا تريدين؟" ابتلعت أريام ريقها. لم تكن تتوقع أن يستقبلها بابتسامة، لكنها لم تتخيل أيضًا أن ينظر إليها بهذه الطريقة، وكأن وجودها آخر شيء يرغب فيه. قالت بصوت خافت: "ألن تدعني أدخل؟" لم يجب. ابتعد عن الباب تاركًا لها المجال، ثم استدار ودخل الغرفة. دخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء. كان الجناح مرتبًا، وأغراضه موضوعة بعناية على الطاولة، بينما كانت حقيبته مفتوحة بالقرب من خزانة الملابس. لم يلتفت جلال إليها. اتجه نحو الحقيبة، وأخرج قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا، ثم بدأ يرتدي ملابسه أمامها دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الحمام. كانت تلك أول مرة يفعل فيها شيئًا كهذا أمامها. راقبته أريام بصمت. لم تخفض عينيها، ولم تُدر رأسها خجلًا. كانت تعرف أنه يتعمد استفزازها، أو ربما يريد أن يثبت لها أن وجودها لم يعد يعني له شيئًا. وعلى الرغم من الألم الذي شعرت به، قررت ألا تمنحه متع
كانت تكره نفسها في كل مرة تتذكره فيها، وفي كل مرة تجد قلبها يشتاق إليه رغم محاولاتها المستمرة لإقناعه بأن الماضي قد انتهى. لقد مضت قدمًا. تزوجت رجلًا آخر، وبدأت حياة جديدة، وكان يفترض بها أن تطوي الصفحة القديمة إلى الأبد. لكنها، بدلًا من أن تعيش تلك الحياة، وجدت نفسها غارقة في مشكلات لم تكن تتوقعها، وكان جزء كبير منها نابعًا من مشاعرها التي لم تستطع حسمها. مسحت وجهها بيدها، ثم نظرت إلى ميرو الذي رفع رأسه نحوها. ابتسمت له ابتسامة باهتة، ومدت يدها تمسح ظهره. "أنا أعرف أنني المخطئة، يا ميرو... أعرف ذلك." سكتت لحظة، ثم عادت تنظر إلى الأشجار. كانت تتمنى لو استطاعت أن تحب جلال. منذ البداية، لم يكن رجلًا سيئًا في نظرها. بل كانت ترى فيه صفات كثيرة تستحق الإعجاب، وكانت تأمل أن تمنح علاقتهما فرصة حقيقية، وأن يأتي يوم تنظر إليه فيه بقلب مختلف. لكن تصرفاته الأخيرة، وقسوته، وبروده، والطريقة التي بات يعاملها بها، جعلتها تنفر منه تدريجيًا. ومع ذلك، لم تستطع أن تتجاهل حقيقة كانت تؤلمها أكثر من أي شيء آخر. لقد كانت هي من أشعلت النار أولًا. حين تزوجها جلال، لم يكن يعرف أن قل
وفجأة، تذكرت أمرًا آخر، فالتفتت إلى والدتها وقالت: "بالمناسبة، نسيت أن أخبركم بشيء." نظرت إليها هناء باهتمام. "ما هو؟" ابتسمت أريام للمرة الأولى منذ مغادرتها الفيلا، ولو ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. "لقد ظهرت النتائج، ونجحت. كنت الأولى على القسم." اتسعت ابتسامة هناء، وتبدلت ملامحها من القلق إلى الفرح. "حقًا؟ مبارك يا ابنتي!" اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم قبلت جبينها بفخر. "ابنتي الذكية والمتفوقة! هذا خبر يستحق الاحتفال، سأجهز كل شيء بنفسي." ابتسم بسام وهو يقول: "مبارك يا أريام. كنت أعرف أنكِ ستتفوقين." شعرت أريام بدفء عائلتها يحيط بها، وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل دموعها تترقرق في عينيها مجددًا. لكنها هذه المرة لم تكن دموع حزن خالص؛ فقد امتزج ألمها بشعور عميق بالامتنان لأنها لم تكن وحدها. قالت بهدوء: "شكرًا لكم، لكن لا داعي للاحتفال الآن. لنؤجله إلى وقت آخر، فأنا متعبة وأريد الصعود إلى غرفتي." ربتت هناء على ذراعها بحنان. "حسنًا يا حبيبتي، ارتاحي قليلًا. سنتحدث لاحقًا." أومأت أريام، ثم حملت حقيبتها الصغيرة واتجهت إلى الطابق العلوي. تابعتها هناء
ساد الصمت داخل السيارة لبعض الوقت. لم يرد بسام أن يحاصر أخته بالأسئلة، لكنه لم يستطع تجاهل حالتها أيضًا. كانت تجلس بجواره، تضم يديها إلى حجرها، وتنظر من النافذة دون أن يبدو أنها ترى شيئًا مما يمر أمامها. وأخيرًا، التفت إليها وقال: "هل ستخبرينني الآن بما حدث؟" أدارت وجهها نحوه. "جلال لم يعد كما كان، أخي. إما أن يتجاهلني تمامًا، وإما أن ينتهي بنا الأمر إلى شجار. لم أعد أحتمل هذا الوضع." قطب بسام حاجبيه. "هل كان يعاملك بهذه الطريقة منذ بداية زواجكما؟" "لا. في البداية لم يكن هكذا، لكنه تغير مع الوقت. أصبح باردًا، وكأن وجودي في حياته عبء عليه." تأملها بسام قليلًا، ثم سألها السؤال الذي خطر في باله: "هل تعتقدين أنه يخونك؟" توقفت أريام عن تحريك أصابعها. عادت إلى ذاكرتها الصور التي أرسلتها سيرين إليها، والصور التي أثارت الشكوك في نفسها، لكنها، رغم كل شيء، لم تكن مقتنعة بأن جلال قد خانها. هزت رأسها. "لا." "إذن، ما السبب؟" ترددت أريام، ثم قالت: "إنه يعرف بعلاقتي السابقة مع وائل. أعتقد أنه يعاقبني على الماضي، ويعاملني بهذه الطريقة لأنه لا يستطيع تجاوز الأمر." نظر إليها بسام باست
بقيت أريام جالسة على أرض غرفة المعيشة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بنقطة فارغة أمامها. كانت تحاول أن تهدأ، أن تجمع أفكارها المتناثرة، وأن تفهم كيف وصلت إلى هذه اللحظة التي لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها. قبل زواجها من جلال، كانت نادرًا ما تبكي أو تسمح للحزن بأن يهزمها. كانت حياتها هادئة وسلسة، لا تعرف هذا القدر من التعب النفسي، ولا تدرك كيف يمكن لشخص واحد أن يجعلها تشعر بكل هذا الاختناق. لكن منذ دخل جلال حياتها، تغيرت أشياء كثيرة. أصبحت تبكي أكثر مما ينبغي، وتتشاجر على أمور لم تكن تستحق، وتنتهي خلافاتهما دائمًا باستنزاف ما تبقى لديها من طاقة. رفعت رأسها ببطء، فوقعت عيناها على هاتفها المحطم. مدت يدها والتقطته، تتأمل شاشته المتصدعة للحظات، ثم أخرجت شريحة الاتصال وألقت الهاتف جانبًا. لم يكن هناك أمل في أن يعمل مجددًا، تمامًا كما لم يعد لديها أمل في إصلاح أي شيء بينهما في تلك اللحظة. نهضت أخيرًا، وصعدت إلى الطابق العلوي. أخرجت حقيبة سفر فارغة من الخزانة، وبدأت تجمع ملابسها وأغراضها الشخصية دون اهتمام بترتيبها. كانت تريد المغادرة فحسب، ولم يعد أي شيء آخر مهمًا بالنسبة إلي







