Masukبعد انتهاء الحفل، عادت عائلة الحريري إلى الفيلا .
كان الليل قد أرخى ستاره على المدينة، لكن داخل المنزل لم يكن هناك ما يشبه الهدوء. جلس حكمت في غرفة الجلوس، صامتًا، غارقًا في أفكاره. كانت عيناه معلقتين بنقطة مجهولة أمامه، وكأن شيئًا ثقيلاً يشغل ذهنه. لاحظت هناء شروده، فاقتربت منه وجلست إلى جواره. "حكمت... ما بك؟ تبدو شاردًا." التفت إليها، ثم نظر إلى أبنائه الجالسين في الجهة الأخرى من الغرفة. "أفكر في أمور الشركة، لا شيء آخر." لم تقتنع هناء، لكنها لم تضغط عليه. وفي تلك اللحظة، التفت حكمت إلى أريام التي كانت تجلس بصمت. "ابنتي، لا بد أنك متعبة. اذهبي إلى غرفتك وارتاحي." رفعت أريام عينيها إليه، ثم أومأت بهدوء. "حسنًا، أبي." نهضت وغادرت الغرفة. وما إن اختفت خلف الباب حتى تغيرت ملامح حكمت. التفت إلى زوجته وأبنائه، وكأن الحديث الذي كان يخفيه أصبح أثقل من أن يحتفظ به وحده. قال بسام: "أبي... تحدث. ماذا لديك؟" ابتسم حكمت ابتسامة ساخرة قصيرة. "أنت تفهمني يا ولد." ثم أطلق زفرة طويلة. "لا أعلم إن كان الخبر جيدًا أم سيئًا." قال سمير باهتمام: "ما هو؟" صمت حكمت لحظات قبل أن يقول: "لقد جاء عرض زواج لأختكم." تجمدت ملامح هناء. "ماذا؟ ومن هم؟" أجاب بسام بسرعة: "لا تفكر كثيرًا وارفض. أريام لن توافق." ثم أضاف: "فضلاً عن أنها بالكاد خرجت من علاقتها مع وائل، ولم تتعافَ بعد." أومأ حكمت. "فكرت في كل هذا." ثم توقف قليلًا. "لكن..." نظر إليهم جميعًا. "العائلة التي طلبت يدها هي عائلة آل شاهين." ساد الصمت. كان اسم آل شاهين وحده كافيًا لتغيير ملامح الجميع. قال حكمت: "أنتم تعرفون من هم." كانت عائلة آل شاهين من أغنى العائلات في البلاد، ولم تكن ثروتهم وحدها ما منحهم تلك الهيبة. كان لهم نفوذ واسع وعلاقات تمتد إلى دوائر لا يتحدث عنها الناس كثيرًا، ولذلك كان الجميع يحسب ألف حساب قبل أن يدخل في خصومة معهم. قال سمير: "أخبرنا بكل شيء." ثم سأل: "هل طلبوا يدها لفارس؟" هز حكمت رأسه. "لا." تبادل الإخوة النظرات. قال حكمت: "تحدث معي بشير بنفسه. طلب يد أريام لابنه جلال." رفع سمير حاجبيه. "جلال؟" أومأ حكمت. "قال إنه رآها في الحفل وأعجب بها، وكان يتحدث معي بطريقة جعلتني لا أعرف كيف أرفضه مباشرة." قال بسام: "والآن ماذا سنفعل؟" أجاب حكمت: "قال إنه سيرتب عشاءً يجمع العائلتين، لنتحدث في الأمر." ثم نظر إلى أبنائه. "سنذهب إلى العشاء، وبعدها ستقرر أختكم بنفسها إن كانت موافقة أم لا." سكت قليلاً قبل أن يضيف: "في النهاية... هي لن تعود إلى وائل." ثم قال بنبرة أكثر جدية: "وعائلة آل شاهين ليست عائلة يمكن تجاهلها بسهولة. لقد اختاروها من بين جميع الفتيات." لم يعلق أحد. لكن بسام لم يكن مرتاحًا للفكرة. كان يعرف أخته أكثر من الجميع. ويعرف أن موافقتها السريعة لن تعني بالضرورة أنها تجاوزت وائل. --- في الجهة الأخرى في منزل آل شاهين، اجتمعت العائلة في غرفة واسعة تحيط بها الفخامة من كل جانب. كان بشير يجلس في صدر المجلس، بينما جلس أبناؤه وأفراد العائلة من حوله. قال فارس: "أبي، لماذا جمعتنا؟" نظر بشير إلى الجميع، ثم قال بهدوء: "أريد أن أخبركم بأمر." صمت لحظة. "لقد وجدت كنة لآل شاهين." رفعت فاديا رأسها باهتمام. "من هي؟" ابتسم بشير. "ابنة عائلة الحريري." ثم تابع: "فتاة جميلة، مؤدبة، وصغيرة في السن. رأيتها اليوم، وأعتقد أنها مناسبة لجلال." تجمد شهاب وإيهاب. أما فارس فرفع عينيه ببطء. قال: "هي مرتبطة بالفعل." ساد الصمت. حتى جلال، الذي كان هادئًا طوال الوقت، تغيرت ملامحه. نظر بشير إلى فارس باستغراب. "كيف تعرف؟" قال فارس: "اسأل شهاب... سيخبرك." التفتت الأنظار جميعها إلى شهاب. تنهد شهاب قبل أن يقول: "كانت حبيبة أخي وائل." ساد الصمت من جديد. ثم أضاف: "لكن... انفصلا. ووائل سافر." لم تتغير ملامح بشير كثيرًا. قال ببساطة: "لا بأس، طالما أنهما انفصلا." ثم تابع: "لقد طلبت يدها من والدها، وسنقيم عشاءً خاصًا للتحدث في الأمر." قال عزت: "سنراها بأنفسنا، وبعدها نقرر. مع أنني أثق بذوق ابني." أما جلال فلم يتحدث. كان الأمر يزعجه. لم تعجبه فكرة أن الفتاة التي اختارها كانت مرتبطة برجل آخر، حتى وإن كانت العلاقة قد انتهت. أما فارس... فقد ظل صامتًا. لكن اسم أريام أعاد إليه ذكرى قديمة. ذكرى لم يعرف أحد عنها شيئًا. --- قبل عام كان فارس يركض في أحد الممرات الضيقة، بينما أصوات رجال يقتربون من خلفه. كانت عصابة تلاحقه. كان كتفه ينزف بعد أن أصابه أحدهم بسكين، لكنه لم يتوقف. دخل أحد المباني السكنية بسرعة، يبحث عن مكان يختبئ فيه. وفي اللحظة التي فتح فيها أحد الأبواب، وجد فتاة تقف أمامه. كانت أريام. لم يمنحها فرصة لاستيعاب ما يحدث. دفعها إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفه. وقبل أن تصرخ، وضع يده على فمها، بينما كانت يده الأخرى تمسك مسدسًا. قال بصوت خشن، مختلف عن صوته الحقيقي: "حرف واحد... وسأقتلك." تجمدت أريام. كانت عيناه فقط ظاهرتين خلف القناع الأسود الذي يغطي كامل وجهه. لم تتكلم. ولم تتحرك. لكن عينيها امتلأتا بالدموع. لاحظ فارس خوفها، لكنه لم يكن يملك وقتًا لطمأنتها. قال: "أريد أدوات لتنظيف جرحي." بيدين مرتجفتين، بدأت أريام تبحث. وجدت صندوق الإسعافات الأولية وأحضرته إليه. مد يده نحوه. "نظفي جرحي." جلست أمامه، بينما بقي المسدس قريبًا منها. نزعت كم قميصه قليلًا، فظهر الجرح في كتفه. بدأت بتنظيفه بحذر شديد. كانت يدها ترتجف في كل مرة تقترب فيها من الجرح، وكأنها تخشى أن تؤلمه فيقرر إيذاءها. لاحظ فارس ذلك. ولسبب لم يفهمه وقتها، خفف من قبضته على المسدس. وضعت المطهر على الجرح، ثم غطته بضماد كبير. نهض فارس بعدها واتجه نحو الشرفة. راقب الطريق. كانت سيارة العصابة قد غادرت. بقي للحظات يراقبها، ثم عاد إلى الداخل. نظر إلى أريام. لم يقل شيئًا. خرج من الشقة واختفى. لم يعرف اسمها آنذاك. لكن وجهها بقي في ذاكرته. وبعد فترة، رآها مرة أخرى. كانت تضحك وتتحدث مع وائل. عندها عرف من تكون. أريام الحريري. ومنذ ذلك اليوم، كان يشعر نحوها بإعجاب خافت لم يسمح له بالنمو. لكن فكرة أن تصبح زوجة لجلال لم تعجبه. ومع ذلك... لم يكن مستعدًا للتدخل. فهو لم يكن يريد الزواج أصلًا. كان فارس وجلال مختلفين عن بقية الشباب في عمرهما. لم يكن الزواج والنساء محور اهتمامهما. كانت حياتهما تدور حول العمل، العائلة، والأشخاص الذين يثقون بهم. وكان ذلك جانبًا ورثاه عن والدهما. لكن فارس لم يكن مجرد محامٍ يملك شركة محاماة ناجحة. كان يخفي حياة أخرى لا يعرفها سوى قلة. في العام الماضي، انضم إلى منظمة النسر الأبيض، وهي منظمة حكومية سرية تحقق في أخطر القضايا التي تعجز الجهات العادية عن الوصول إليها. وكان أخطر ملف بين أيديهم هو... عصابة العرّاب. لم تكن عصابة عادية. كانت شبكة إجرامية ضخمة متورطة في الاتجار بالبشر والاختطاف وتجارب غير قانونية على البشر. كانوا يخطفون أشخاصًا ويستخدمونهم في تجارب سرية على أدوية تؤثر في الجهاز العصبي والعقل. ضحايا كثيرون لم يخرجوا من تلك التجارب أحياء. والأخطر أن العصابة لم تكن تعمل في مكان واحد. كلما اكتشفت المنظمة موقعًا لهم، نفذت مداهمة. لكن معظم المقبوض عليهم كانوا يموتون قبل أن يصلوا إلى التحقيق. ومع مرور الوقت، أصبح فارس يشارك بنفسه في بعض المهمات. ولهذا السبب لم يكن يفكر في الزواج. كان يعرف أن حياته مليئة بالمخاطر، وأن أي شخص يقترب منه قد يدفع ثمن ذلك. --- مرت ثلاثة أيام. وجاء يوم العشاء. لم يخبر أحد أريام بالأمر. كان أفراد عائلة الحريري متوترين، وكل واحد منهم ينتظر الآخر ليخبرها. وأخيرًا قرر حكمت أن تتحدث هناء معها. دخلت هناء غرفة ابنتها. كانت أريام تجلس أمام المرآة، تمشط شعرها بهدوء. قالت هناء: "أريام... أريد التحدث معك." التفتت إليها. "ماذا هناك أمي؟" جلست هناء إلى جوارها. "وصل عرض زواج لك." توقفت يد أريام. لم تبدُ عليها الصدمة التي توقعها الجميع. قالت بهدوء: "ومن هو؟" أخبرتها هناء عن جلال وآل شاهين. ساد الصمت للحظات. ثم قالت أريام: "إذا كان رجلًا جيدًا... فلا سبب لدي لرفضه." حدقت هناء بها. "أريام، أنت خرجتِ للتو من علاقة فاشلة. لم تتعافي بعد، فلا تفكري في اتخاذ قرار بهذه السرعة." ابتسمت أريام ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تخفي خلفها شيئًا من الألم. "أمي... أنا أفكر في مستقبلي." ثم نظرت إلى نفسها في المرآة. "الحياة لن تتوقف عند وائل." سكتت لحظة. "وفي كل الأحوال، أنا سألتقي بشخص وأتزوج يومًا ما." التفتت إلى والدتها. "إذا كان جلال شخصًا جيدًا ويحترمني... فلن أرفض لمجرد أنني كنت أحب شخصًا آخر." بقيت هناء صامتة. كانت كلمات ابنتها منطقية... لكن قلب الأم كان يخبرها أن أريام لم تتجاوز وائل بعد. غادرت هناء الغرفة وأخبرت حكمت وبقية العائلة بما قالته. تفاجأ الجميع. أما بسام، فلم تعجبه الفكرة إطلاقًا. لكنه لم يعترض أمام والده. قرر شيئًا واحدًا فقط. بعد انتهاء العشاء، سيتحدث مع أريام بمفرده. كان يريد أن يعرف... هل هي فعلًا مستعدة للبدء من جديد؟ أم أنها كانت تحاول فقط دفن وجعها تحت اسم رجل آخر؟اشتعلت عيناه غضبًا، وتبدلت ملامحه في لحظة. تقدم نحوها خطوة وقال بصرامة: "أنتِ تحلمين! لن أطلقكِ. أنا لست أداة تستغلينها متى شئتِ ثم تتخلصين منها عندما لا تعود تناسبكِ!" حدقت فيه بصدمة. "أستغلك؟ بماذا استغللتك يا جلال؟" "ألا تعرفين؟ انت تزوجتني فقط لتغيظيه، لم تفكري حتى كيف ستكون حياتنا بعد الزاج." ضحكت بمرارة، ثم قالت: "أنت أكثر من استفاد من زواجنا!" قطب حاجبيه. تابعت، وقد بدأت الكلمات تخرج منها محملة بكل ما كتمته طوال الأيام الماضية: "هل تظنني حمقاء؟ أنت أيضًا تزوجتني حتى يسجل والدك الشركة باسمك، وقد نجحت في الحصول على ما أردته!" توقفت للحظة، ثم أشارت إلى نفسها بأصابع مرتجفة. "أما أنا، فماذا استفدت؟ أخبرني! ماذا استفدت غير أنني أعيش كل يوم وأنا أحاول فهمك، وأتحمل برودك، وأتشاجر معك بسبب أشياء تافهة؟" ازداد وجه جلال قتامة. "هل اللعب بمشاعري شيء تافه بالنسبة إليكِ؟" "أنا لم ألعب بمشاعرك!" "لكنّكِ خدعتني!" "وأنت لست بريئًا كما تحاول أن تظهر!" ساد الصمت للحظة. كان كل منهما ينظر إلى الآخر بغضب، بينما تتراكم الكلمات التي لم يقولاها بعد. ثم قالت أري
كان يرتدي رداء الحمام، وشعره الأسود مبللًا، تتساقط منه قطرات ماء صغيرة على جبينه وعنقه. بدا أنه خرج لتوه من الحمام، ولم يكن يتوقع أن يجدها واقفة أمامه. تجمدت نظراته للحظة، ثم عاد البرود إلى ملامحه. "ماذا تريدين؟" ابتلعت أريام ريقها. لم تكن تتوقع أن يستقبلها بابتسامة، لكنها لم تتخيل أيضًا أن ينظر إليها بهذه الطريقة، وكأن وجودها آخر شيء يرغب فيه. قالت بصوت خافت: "ألن تدعني أدخل؟" لم يجب. ابتعد عن الباب تاركًا لها المجال، ثم استدار ودخل الغرفة. دخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء. كان الجناح مرتبًا، وأغراضه موضوعة بعناية على الطاولة، بينما كانت حقيبته مفتوحة بالقرب من خزانة الملابس. لم يلتفت جلال إليها. اتجه نحو الحقيبة، وأخرج قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا، ثم بدأ يرتدي ملابسه أمامها دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الحمام. كانت تلك أول مرة يفعل فيها شيئًا كهذا أمامها. راقبته أريام بصمت. لم تخفض عينيها، ولم تُدر رأسها خجلًا. كانت تعرف أنه يتعمد استفزازها، أو ربما يريد أن يثبت لها أن وجودها لم يعد يعني له شيئًا. وعلى الرغم من الألم الذي شعرت به، قررت ألا تمنحه متع
كانت تكره نفسها في كل مرة تتذكره فيها، وفي كل مرة تجد قلبها يشتاق إليه رغم محاولاتها المستمرة لإقناعه بأن الماضي قد انتهى. لقد مضت قدمًا. تزوجت رجلًا آخر، وبدأت حياة جديدة، وكان يفترض بها أن تطوي الصفحة القديمة إلى الأبد. لكنها، بدلًا من أن تعيش تلك الحياة، وجدت نفسها غارقة في مشكلات لم تكن تتوقعها، وكان جزء كبير منها نابعًا من مشاعرها التي لم تستطع حسمها. مسحت وجهها بيدها، ثم نظرت إلى ميرو الذي رفع رأسه نحوها. ابتسمت له ابتسامة باهتة، ومدت يدها تمسح ظهره. "أنا أعرف أنني المخطئة، يا ميرو... أعرف ذلك." سكتت لحظة، ثم عادت تنظر إلى الأشجار. كانت تتمنى لو استطاعت أن تحب جلال. منذ البداية، لم يكن رجلًا سيئًا في نظرها. بل كانت ترى فيه صفات كثيرة تستحق الإعجاب، وكانت تأمل أن تمنح علاقتهما فرصة حقيقية، وأن يأتي يوم تنظر إليه فيه بقلب مختلف. لكن تصرفاته الأخيرة، وقسوته، وبروده، والطريقة التي بات يعاملها بها، جعلتها تنفر منه تدريجيًا. ومع ذلك، لم تستطع أن تتجاهل حقيقة كانت تؤلمها أكثر من أي شيء آخر. لقد كانت هي من أشعلت النار أولًا. حين تزوجها جلال، لم يكن يعرف أن قل
وفجأة، تذكرت أمرًا آخر، فالتفتت إلى والدتها وقالت: "بالمناسبة، نسيت أن أخبركم بشيء." نظرت إليها هناء باهتمام. "ما هو؟" ابتسمت أريام للمرة الأولى منذ مغادرتها الفيلا، ولو ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. "لقد ظهرت النتائج، ونجحت. كنت الأولى على القسم." اتسعت ابتسامة هناء، وتبدلت ملامحها من القلق إلى الفرح. "حقًا؟ مبارك يا ابنتي!" اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم قبلت جبينها بفخر. "ابنتي الذكية والمتفوقة! هذا خبر يستحق الاحتفال، سأجهز كل شيء بنفسي." ابتسم بسام وهو يقول: "مبارك يا أريام. كنت أعرف أنكِ ستتفوقين." شعرت أريام بدفء عائلتها يحيط بها، وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل دموعها تترقرق في عينيها مجددًا. لكنها هذه المرة لم تكن دموع حزن خالص؛ فقد امتزج ألمها بشعور عميق بالامتنان لأنها لم تكن وحدها. قالت بهدوء: "شكرًا لكم، لكن لا داعي للاحتفال الآن. لنؤجله إلى وقت آخر، فأنا متعبة وأريد الصعود إلى غرفتي." ربتت هناء على ذراعها بحنان. "حسنًا يا حبيبتي، ارتاحي قليلًا. سنتحدث لاحقًا." أومأت أريام، ثم حملت حقيبتها الصغيرة واتجهت إلى الطابق العلوي. تابعتها هناء
ساد الصمت داخل السيارة لبعض الوقت. لم يرد بسام أن يحاصر أخته بالأسئلة، لكنه لم يستطع تجاهل حالتها أيضًا. كانت تجلس بجواره، تضم يديها إلى حجرها، وتنظر من النافذة دون أن يبدو أنها ترى شيئًا مما يمر أمامها. وأخيرًا، التفت إليها وقال: "هل ستخبرينني الآن بما حدث؟" أدارت وجهها نحوه. "جلال لم يعد كما كان، أخي. إما أن يتجاهلني تمامًا، وإما أن ينتهي بنا الأمر إلى شجار. لم أعد أحتمل هذا الوضع." قطب بسام حاجبيه. "هل كان يعاملك بهذه الطريقة منذ بداية زواجكما؟" "لا. في البداية لم يكن هكذا، لكنه تغير مع الوقت. أصبح باردًا، وكأن وجودي في حياته عبء عليه." تأملها بسام قليلًا، ثم سألها السؤال الذي خطر في باله: "هل تعتقدين أنه يخونك؟" توقفت أريام عن تحريك أصابعها. عادت إلى ذاكرتها الصور التي أرسلتها سيرين إليها، والصور التي أثارت الشكوك في نفسها، لكنها، رغم كل شيء، لم تكن مقتنعة بأن جلال قد خانها. هزت رأسها. "لا." "إذن، ما السبب؟" ترددت أريام، ثم قالت: "إنه يعرف بعلاقتي السابقة مع وائل. أعتقد أنه يعاقبني على الماضي، ويعاملني بهذه الطريقة لأنه لا يستطيع تجاوز الأمر." نظر إليها بسام باست
بقيت أريام جالسة على أرض غرفة المعيشة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بنقطة فارغة أمامها. كانت تحاول أن تهدأ، أن تجمع أفكارها المتناثرة، وأن تفهم كيف وصلت إلى هذه اللحظة التي لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها. قبل زواجها من جلال، كانت نادرًا ما تبكي أو تسمح للحزن بأن يهزمها. كانت حياتها هادئة وسلسة، لا تعرف هذا القدر من التعب النفسي، ولا تدرك كيف يمكن لشخص واحد أن يجعلها تشعر بكل هذا الاختناق. لكن منذ دخل جلال حياتها، تغيرت أشياء كثيرة. أصبحت تبكي أكثر مما ينبغي، وتتشاجر على أمور لم تكن تستحق، وتنتهي خلافاتهما دائمًا باستنزاف ما تبقى لديها من طاقة. رفعت رأسها ببطء، فوقعت عيناها على هاتفها المحطم. مدت يدها والتقطته، تتأمل شاشته المتصدعة للحظات، ثم أخرجت شريحة الاتصال وألقت الهاتف جانبًا. لم يكن هناك أمل في أن يعمل مجددًا، تمامًا كما لم يعد لديها أمل في إصلاح أي شيء بينهما في تلك اللحظة. نهضت أخيرًا، وصعدت إلى الطابق العلوي. أخرجت حقيبة سفر فارغة من الخزانة، وبدأت تجمع ملابسها وأغراضها الشخصية دون اهتمام بترتيبها. كانت تريد المغادرة فحسب، ولم يعد أي شيء آخر مهمًا بالنسبة إلي







