Share

الفصل 5

last update publish date: 2026-09-10 03:58:18

مرت ثلاثة أيام، وجاء موعد العشاء.

حجز بشير غرفة خاصة للطعام في مطعم الدلال، التابع لمجموعة آل شاهين.

قبل وصول عائلة الحريري، كانت عائلة شاهين قد اجتمعت في الغرفة، وتبادل أفرادها الحديث بينما كان جلال يجلس بصمته المعتاد.

نظر بشير إلى ابنه وقال بنبرة جادة:

«أريدك أن تثير إعجابها. لا أريد هذا الوجه العابس، ستخاف الفتاة وتهرب.»

رفع جلال حاجبه ونظر إليه ببرود.

«وهل تريدني أن أبتسم طوال الوقت؟»

ضحكت لمى بخفة.

«على الأقل حاول أن تبدو إنسانًا طبيعيًا الليلة.»

نظر إليها جلال بطرف عينه، بينما ابتسم بشير.

«فقط لا تجعلها تندم على موافقتها على مقابلتك.»

بعد وقت قصير وصلت عائلة الحريري في الموعد.

تبادل الجميع التحيات والمجاملات، ثم جلسوا حول الطاولة.

كانت أريام تجلس إلى جانب والدها، وحاولت أن تبدو هادئة رغم شعورها بأن جميع الأنظار موجهة إليها.

كانت نظراتهم مختلفة.

والدة جلال أعجبها شكل أريام وهدوؤها منذ اللحظة الأولى.

أما الجد عزت، فقد رأى فيها فتاة مؤدبة ولطيفة.

جلال لم يُظهر أي رد فعل واضح، لكنه كان بين حين وآخر يختلس النظر إليها دون أن تشعر.

أما فارس، فلم تبدُ عليه أي علامة اهتمام أو اعتراض.

في المقابل، كان إيهاب وشهاب الوحيدين اللذين بدت عليهما علامات الانزعاج.

خصوصًا شهاب، الذي كان يحمل سرًا لم يخبر به وائل.

بدأ الحديث بين العائلتين، وتبادلوا المجاملات لبعض الوقت.

ثم التفت الجد عزت إلى أريام وسألها:

«كم عمرك يا ابنتي؟»

التفتت إليه أريام وأجابته بهدوء:

«عشرون عامًا.»

ابتسم الجد.

«رغم صغر سنك، تبدين رزينة جدًا. عادةً الشباب في مثل عمرك لا يكونون بهذه الرزانة والهدوء.»

خفضت أريام عينيها قليلًا.

«شكرًا لك.»

استمر الحديث لبعض الوقت، ثم بدأ الجميع بتناول العشاء.

بعد انتهاء الطعام، اعتذرت أريام وذهبت إلى الحمام.

وبعد دقائق، استأذن شهاب وخرج من الغرفة.

لاحظ جلال الأمر، وشعر بأن هناك شيئًا غريبًا.

انتظر لحظات، ثم نهض بحجة إجراء مكالمة هاتفية.

خرج إلى الممر، وعندما وصل إلى نهايته رأى شهاب يدخل إحدى الغرف، وكانت أريام معه.

توقف جلال في مكانه.

ثم اقترب دون أن يشعر به أحد، وبقي واقفًا بالقرب من الباب يستمع إلى حديثهما.

قال شهاب بنبرة غاضبة:

«لم أتوقع أن تتركي وائل وتتزوجي جلال.»

نظرت إليه أريام ببرود.

«ومن أكون معه أو من أتزوج، هذا ليس من شأنك.»

«بل من شأني. لقد تركتِ أخي الذي يحبك أكثر من نفسه، والآن تريدين الزواج من أخي جلال.»

«شهاب، أنت تتجاوز حدودك.»

«كنت مخدوعًا عندما ظننت أنك تحبينه مثلما يحبك.»

شدت أريام أصابعها قليلًا، لكنها حافظت على هدوئها.

«أنت لا تعلم شيئًا عن الذي كان بيننا.»

«والذي كان بيننا انتهى. وحتى لو لم أتزوج جلال، فأنا مستحيل أن أعود إلى وائل.»

تغيرت ملامح شهاب.

«لماذا؟ ماذا فعل وائل؟»

صمتت أريام للحظة.

«اذهب واسأل أخاك، ولا تزعجني.»

استدار شهاب ليمنعها من الخروج.

«لا أصدق أنه أخطأ في حقك.»

التفتت اريام، نظرت إليه للحظات، ثم قالت:

«شهاب، أنا ووائل تركنا بعضنا، فلا تتدخل بيننا.»

«ولماذا؟ من حقي أن أعرف. هل خانك؟»

تغيرت تعابير أريام فورًا.

صمتت.

لاحظ شهاب ذلك الصمت، لكنه لم يكرر سؤاله.

قال شهاب:

«بالتأكيد هناك خطأ. وائل ليس من هذا النوع.»

قالت أريام بهدوء:

«أنا لم أقل إنه من هذا النوع، فلا تستنتج من نفسك.»

كانت كلماتها هادئة، لكنها أخفت خلفها شيئًا لم يستطع شهاب فهمه.

«وأنا محوته من حياتي. لذلك لا تذكر اسمه أمامي.»

خرجت من الغرفة ثم تبعهاشهاب، بينما بقي جلال للحظات مختبئا في زاوية الممر ينظر إلى الباب.

ثم عاد إلى غرفة الطعام.

كان الجميع يحتسي القهوة ويتحدث.

جلس جلال في مكانه ونظر إلى أريام.

لم تتغير ملامحها.

وكأن شيئًا مما حدث في الممر لم يؤثر بها.

بعد دقائق، قال الجد عزت إلى حكمت:

«سيد حكمت، يشرفني أن أطلب يد ابنتك للزواج من حفيدي جلال. أريام فتاة لطيفة وهادئة وجميلة، ويشرفني أن تكون كنةً لآل شاهين.»

ساد الصمت.

بقيت أريام بملامح محايدة، لكن التوتر ظهر في عينيها.

قال حكمت:

«يشرفني ذلك، لكن القرار قرار أريام، ولن أتدخل فيه.»

توجهت جميع الأنظار إليها.

ابتلعت أريام توترها وقالت:

«أنا مترددة بعض الشيء، لأنني لا أعرف السيد جلال.»

ثم نظرت إليه.

«أريد وقتًا للتعرف إليه قبل أن أقرر.»

لم يتردد جلال في الإجابة:

«أنا أيضًا فكرت في الأمر نفسه.»

ابتسم بشير.

«إذن اتفقنا. سيتعرفان إلى بعضهما، وبعدها يكون القرار لهما.»

انتهى العشاء، وغادرت عائلة الحريري.

وبعد أن أُغلق الباب خلفهم، قالت فاديا:

«بشير، الفتاة جميلة وصفاتها مثالية لنا.»

ثم نظرت إلى جلال.

«لكنها صغيرة جدًا عليه.»

رفع جلال حاجبه.

«هل ترينني رجلًا عجوزًا؟»

ضحكت فاديا.

«لا يا بني، لكن الفتاة في العشرين من عمرها. ربما لم تكن جاهزة للزواج.»

قالت لمى:

«وأنا تزوجت في الحادية والثلاثين.»

نظر إليها جلال.

«إذن لماذا تريدون تزويجي قبل الثلاثين؟»

تدخل بشير مبتسمًا:

«لأنك مختلف.»

ثم أضاف:

«لمى وجدت شريك حياتها وهي في الثلاثين... أما أنت، فقد وجدته الآن.»

نظر إليه جلال لثوانٍ، ثم ضحك بسخرية.

---

مرّ شهر كامل.

خلال ذلك الشهر، اعتادا على رؤية بعضهما مرتين في الأسبوع. في البداية كانت لقاءاتهما أشبه بمحاولات للتعرف إلى شخص غريب، لكن مع مرور الأيام بدأت المسافات بينهما تضيق شيئًا فشيئًا.

كانت أريام قد اكتشفت أن جلال رجل مختلف عما تخيلته.

كان باردًا... هادئًا أكثر مما ينبغي، قليل الكلام، ونادرًا ما يُظهر مشاعره على وجهه.

لكنها لم تجد في بروده قسوة.

كان يستمع إليها باهتمام، يسألها عن يومها، يتذكر التفاصيل الصغيرة التي تخبره بها، ويحرص على أن تعود إلى منزلها بأمان.

وفي إحدى المرات قالت له مازحة:

"أنت دائمًا هكذا؟"

رفع جلال عينيه إليها.

"كيف؟"

"بارد."

ظل ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول بهدوء:

"أحاول ألا أكون كذلك."

ضحكت.

"لكنك تفشل."

ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه.

"ربما."

ومنذ ذلك اليوم، بدأت أريام تفهم أن بروده لم يكن اختيارًا منه، بل جزءًا من شخصيته.

أما جلال، فلم يجد فيها شيئًا واحدًا يجعله يتردد.

كلما عرفها أكثر، ازداد اقتناعًا بأن اختياره كان صحيحًا.

وعندما سألها والدها عن رأيها النهائي، لم تتردد طويلًا.

وافقت على الزواج.

---

أقيمت الخطبة في قصر آل شاهين.

لم تكن حفلة ضخمة، بل اجتماعًا عائليًا صغيرًا اقتصر على الأقارب والأصدقاء المقربين.

كان القصر مضاءً بالكامل، والموسيقى الهادئة تتسلل بين أرجائه، بينما توزعت العائلات في أرجاء الصالة يتبادلون الأحاديث والتهاني.

لكن خلف تلك الأجواء الهادئة، كان هناك أمر واحد يثقل صدر والد وائل.

كان يعلم أن خبر خطبة أريام سينتشر عاجلًا أم آجلًا.

ولهذا، قبل بدء الحفل بساعات، اتصل بشهاب.

"أريد منك خدمة."

جاءه صوت شهاب من الطرف الآخر:

"ما الأمر؟"

قال والد وائل بجدية:

"لا أريد أن يصل خبر خطبة أريام إلى وائل."

ساد الصمت للحظات.

ثم قال شهاب باستغراب:

"لماذا تخفي عنه؟ بالنهاية سيعرف."

تنهد الرجل.

"أعرف."

"إذن ما الفائدة؟"

خفض صوته وقال:

"وائل نفسيته ليست جيدة."

لم يجب شهاب.

تابع الرجل:

"أعلم أنه ليس بيننا مودة، لكن أرجوك... لا تخبره."

ظل شهاب صامتًا للحظات قبل أن يقول:

"حسنًا."

لكن شيئًا في داخله كان يخبره أن إخفاء الأمر لن يمنع الألم، بل سيؤجله فقط.

---

في الطابق العلوي من القصر، كانت أريام تقف أمام المرآة.

كانت ترتدي فستانًا أبيض ضيقًا من الدانتيل، ينساب على جسدها بأناقة، بينما تركت شعرها منسدلًا حول كتفيها.

كان مكياج عينيها ناعمًا لكنه أبرز جمالهما، واكتملت إطلالتها بأحمر شفاه أحمر زاد ملامحها جمالًا.

نظرت إلى نفسها طويلًا.

اليوم كانت مخطوبة.

اليوم أصبحت رسميًا مرتبطة برجل آخر.

ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة.

لم تكن حزينة.

على الأقل، هذا ما حاولت إقناع نفسها به.

فتحت الباب ودخلت والدتها.

توقفت للحظة وهي تنظر إليها بإعجاب.

"ما شاء الله... جميلة جدًا."

ابتسمت أريام.

"حقًا؟"

اقتربت منها والدتها وأمسكت يدها.

"أجمل عروس."

خفضت أريام عينيها بخجل.

ثم خرجتا معًا إلى الحفل.

---

كان جلال يقف بين أفراد عائلته.

ارتدى بدلة سوداء بتصميم خاص، وقميصًا أسود زاد من هيبة مظهره، وكان لون بشرته البيضاء يجعل ملامحه أكثر وضوحًا تحت إضاءة القاعة.

كان يتحدث مع أحد أقاربه عندما رفع عينيه فجأة.

وتوقفت الكلمات في فمه.

كانت أريام تنزل الدرج.

بقي ينظر إليها دون أن يشعر بمن حوله.

ابتلع ريقه بصعوبة.

للمرة الأولى منذ أن عرفها، شعر أن الكلمات عاجزة عن وصف ما يراه.

لم تكن جميلة فقط.

كانت المرأة التي اختارها.

والآن، هذا الجمال سيصبح جزءًا من حياته.

ابتسم دون أن ينتبه.

اقترب منها عندما وصلت إلى أسفل الدرج.

قال بهدوء:

"تبدين جميلة."

نظرت إليه أريام وابتسمت.

"فقط جميلة؟"

توقف للحظة، ثم قال:

"جداً."

ضحكت بخفة.

"هكذا أفضل."

مد يده إليها.

وضعت يدها في يده، وتوجها معًا إلى مكان الحفل.

ابتسمت عندما هنأها الجميع.

لكن قلبها...

كان في مكان آخر.

شهاب كلما نظر إلى أريام، كانت يرى الفتاة التي أحبها وائل يومًا.

وكلما وقعت عيناها على جلال، كان يتذكر أن هناك رجلًا آخر بعيدًا عنهم جميعًا.

رجل لم يكن يعرف أن المرأة التي كانت جزءًا من حياته أصبحت الآن مخطوبة لرجل آخر.

---

مرت الساعات وسط التهاني والضحكات.

التقطت العائلتان الصور.

احتفل الجميع.

كانت أريام تضع خاتم الخطبة في إصبعها وتنظر إليه بين حين وآخر، بينما جلال كان أكثر هدوءًا، لكنه لم يكن يستطيع منع عينيه من العودة إليها كل بضع دقائق.

وفي لحظة ابتعدت أريام قليلًا عن الجميع.

وقفت قرب إحدى النوافذ الكبيرة.

جاء جلال خلفها.

"هل أنتِ متعبة؟"

هزت رأسها.

"قليلًا."

وقف بجانبها.

ثم قال:

"هل أنتِ سعيدة؟"

نظرت إليه باستغراب.

"لماذا تسأل؟"

"لأنني أريد أن أعرف."

صمتت لحظة.

ثم ابتسمت.

"نعم... سعيدة."

نظر إليها جلال مطولًا.

"هذا أهم شيء."

رفعت أريام يدها، ونظرت إلى خاتمها.

لم تعرف لماذا، لكن في تلك اللحظة شعرت أن حياتها القديمة قد أغلقت بابها خلفها.

وأن بابًا جديدًا فُتح أمامها.

قررت ان تنسى الماضي وكأن وائل يكن موجودًا في حياتها أصلًا.

هكذا أقنعت نفسها.

وهكذا أرادت أن يراه الجميع.

وفي مكان بعيد، كان رجل آخر يعيش أيامه دون أن يعرف أن حياته القديمة بدأت تُغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 98

    اشتعلت عيناه غضبًا، وتبدلت ملامحه في لحظة. تقدم نحوها خطوة وقال بصرامة: "أنتِ تحلمين! لن أطلقكِ. أنا لست أداة تستغلينها متى شئتِ ثم تتخلصين منها عندما لا تعود تناسبكِ!" حدقت فيه بصدمة. "أستغلك؟ بماذا استغللتك يا جلال؟" "ألا تعرفين؟ انت تزوجتني فقط لتغيظيه، لم تفكري حتى كيف ستكون حياتنا بعد الزاج." ضحكت بمرارة، ثم قالت: "أنت أكثر من استفاد من زواجنا!" قطب حاجبيه. تابعت، وقد بدأت الكلمات تخرج منها محملة بكل ما كتمته طوال الأيام الماضية: "هل تظنني حمقاء؟ أنت أيضًا تزوجتني حتى يسجل والدك الشركة باسمك، وقد نجحت في الحصول على ما أردته!" توقفت للحظة، ثم أشارت إلى نفسها بأصابع مرتجفة. "أما أنا، فماذا استفدت؟ أخبرني! ماذا استفدت غير أنني أعيش كل يوم وأنا أحاول فهمك، وأتحمل برودك، وأتشاجر معك بسبب أشياء تافهة؟" ازداد وجه جلال قتامة. "هل اللعب بمشاعري شيء تافه بالنسبة إليكِ؟" "أنا لم ألعب بمشاعرك!" "لكنّكِ خدعتني!" "وأنت لست بريئًا كما تحاول أن تظهر!" ساد الصمت للحظة. كان كل منهما ينظر إلى الآخر بغضب، بينما تتراكم الكلمات التي لم يقولاها بعد. ثم قالت أري

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 97

    كان يرتدي رداء الحمام، وشعره الأسود مبللًا، تتساقط منه قطرات ماء صغيرة على جبينه وعنقه. بدا أنه خرج لتوه من الحمام، ولم يكن يتوقع أن يجدها واقفة أمامه. تجمدت نظراته للحظة، ثم عاد البرود إلى ملامحه. "ماذا تريدين؟" ابتلعت أريام ريقها. لم تكن تتوقع أن يستقبلها بابتسامة، لكنها لم تتخيل أيضًا أن ينظر إليها بهذه الطريقة، وكأن وجودها آخر شيء يرغب فيه. قالت بصوت خافت: "ألن تدعني أدخل؟" لم يجب. ابتعد عن الباب تاركًا لها المجال، ثم استدار ودخل الغرفة. دخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء. كان الجناح مرتبًا، وأغراضه موضوعة بعناية على الطاولة، بينما كانت حقيبته مفتوحة بالقرب من خزانة الملابس. لم يلتفت جلال إليها. اتجه نحو الحقيبة، وأخرج قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا، ثم بدأ يرتدي ملابسه أمامها دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى الحمام. كانت تلك أول مرة يفعل فيها شيئًا كهذا أمامها. راقبته أريام بصمت. لم تخفض عينيها، ولم تُدر رأسها خجلًا. كانت تعرف أنه يتعمد استفزازها، أو ربما يريد أن يثبت لها أن وجودها لم يعد يعني له شيئًا. وعلى الرغم من الألم الذي شعرت به، قررت ألا تمنحه متع

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 96

    كانت تكره نفسها في كل مرة تتذكره فيها، وفي كل مرة تجد قلبها يشتاق إليه رغم محاولاتها المستمرة لإقناعه بأن الماضي قد انتهى. لقد مضت قدمًا. تزوجت رجلًا آخر، وبدأت حياة جديدة، وكان يفترض بها أن تطوي الصفحة القديمة إلى الأبد. لكنها، بدلًا من أن تعيش تلك الحياة، وجدت نفسها غارقة في مشكلات لم تكن تتوقعها، وكان جزء كبير منها نابعًا من مشاعرها التي لم تستطع حسمها. مسحت وجهها بيدها، ثم نظرت إلى ميرو الذي رفع رأسه نحوها. ابتسمت له ابتسامة باهتة، ومدت يدها تمسح ظهره. "أنا أعرف أنني المخطئة، يا ميرو... أعرف ذلك." سكتت لحظة، ثم عادت تنظر إلى الأشجار. كانت تتمنى لو استطاعت أن تحب جلال. منذ البداية، لم يكن رجلًا سيئًا في نظرها. بل كانت ترى فيه صفات كثيرة تستحق الإعجاب، وكانت تأمل أن تمنح علاقتهما فرصة حقيقية، وأن يأتي يوم تنظر إليه فيه بقلب مختلف. لكن تصرفاته الأخيرة، وقسوته، وبروده، والطريقة التي بات يعاملها بها، جعلتها تنفر منه تدريجيًا. ومع ذلك، لم تستطع أن تتجاهل حقيقة كانت تؤلمها أكثر من أي شيء آخر. لقد كانت هي من أشعلت النار أولًا. حين تزوجها جلال، لم يكن يعرف أن قل

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 95

    وفجأة، تذكرت أمرًا آخر، فالتفتت إلى والدتها وقالت: "بالمناسبة، نسيت أن أخبركم بشيء." نظرت إليها هناء باهتمام. "ما هو؟" ابتسمت أريام للمرة الأولى منذ مغادرتها الفيلا، ولو ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. "لقد ظهرت النتائج، ونجحت. كنت الأولى على القسم." اتسعت ابتسامة هناء، وتبدلت ملامحها من القلق إلى الفرح. "حقًا؟ مبارك يا ابنتي!" اقتربت منها واحتضنتها بقوة، ثم قبلت جبينها بفخر. "ابنتي الذكية والمتفوقة! هذا خبر يستحق الاحتفال، سأجهز كل شيء بنفسي." ابتسم بسام وهو يقول: "مبارك يا أريام. كنت أعرف أنكِ ستتفوقين." شعرت أريام بدفء عائلتها يحيط بها، وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل دموعها تترقرق في عينيها مجددًا. لكنها هذه المرة لم تكن دموع حزن خالص؛ فقد امتزج ألمها بشعور عميق بالامتنان لأنها لم تكن وحدها. قالت بهدوء: "شكرًا لكم، لكن لا داعي للاحتفال الآن. لنؤجله إلى وقت آخر، فأنا متعبة وأريد الصعود إلى غرفتي." ربتت هناء على ذراعها بحنان. "حسنًا يا حبيبتي، ارتاحي قليلًا. سنتحدث لاحقًا." أومأت أريام، ثم حملت حقيبتها الصغيرة واتجهت إلى الطابق العلوي. تابعتها هناء

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 94

    ساد الصمت داخل السيارة لبعض الوقت. لم يرد بسام أن يحاصر أخته بالأسئلة، لكنه لم يستطع تجاهل حالتها أيضًا. كانت تجلس بجواره، تضم يديها إلى حجرها، وتنظر من النافذة دون أن يبدو أنها ترى شيئًا مما يمر أمامها. وأخيرًا، التفت إليها وقال: "هل ستخبرينني الآن بما حدث؟" أدارت وجهها نحوه. "جلال لم يعد كما كان، أخي. إما أن يتجاهلني تمامًا، وإما أن ينتهي بنا الأمر إلى شجار. لم أعد أحتمل هذا الوضع." قطب بسام حاجبيه. "هل كان يعاملك بهذه الطريقة منذ بداية زواجكما؟" "لا. في البداية لم يكن هكذا، لكنه تغير مع الوقت. أصبح باردًا، وكأن وجودي في حياته عبء عليه." تأملها بسام قليلًا، ثم سألها السؤال الذي خطر في باله: "هل تعتقدين أنه يخونك؟" توقفت أريام عن تحريك أصابعها. عادت إلى ذاكرتها الصور التي أرسلتها سيرين إليها، والصور التي أثارت الشكوك في نفسها، لكنها، رغم كل شيء، لم تكن مقتنعة بأن جلال قد خانها. هزت رأسها. "لا." "إذن، ما السبب؟" ترددت أريام، ثم قالت: "إنه يعرف بعلاقتي السابقة مع وائل. أعتقد أنه يعاقبني على الماضي، ويعاملني بهذه الطريقة لأنه لا يستطيع تجاوز الأمر." نظر إليها بسام باست

  • سيد جلال... زوجتك تحمل طفل رجلٍ آخر   الفصل 93

    بقيت أريام جالسة على أرض غرفة المعيشة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بنقطة فارغة أمامها. كانت تحاول أن تهدأ، أن تجمع أفكارها المتناثرة، وأن تفهم كيف وصلت إلى هذه اللحظة التي لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها. قبل زواجها من جلال، كانت نادرًا ما تبكي أو تسمح للحزن بأن يهزمها. كانت حياتها هادئة وسلسة، لا تعرف هذا القدر من التعب النفسي، ولا تدرك كيف يمكن لشخص واحد أن يجعلها تشعر بكل هذا الاختناق. لكن منذ دخل جلال حياتها، تغيرت أشياء كثيرة. أصبحت تبكي أكثر مما ينبغي، وتتشاجر على أمور لم تكن تستحق، وتنتهي خلافاتهما دائمًا باستنزاف ما تبقى لديها من طاقة. رفعت رأسها ببطء، فوقعت عيناها على هاتفها المحطم. مدت يدها والتقطته، تتأمل شاشته المتصدعة للحظات، ثم أخرجت شريحة الاتصال وألقت الهاتف جانبًا. لم يكن هناك أمل في أن يعمل مجددًا، تمامًا كما لم يعد لديها أمل في إصلاح أي شيء بينهما في تلك اللحظة. نهضت أخيرًا، وصعدت إلى الطابق العلوي. أخرجت حقيبة سفر فارغة من الخزانة، وبدأت تجمع ملابسها وأغراضها الشخصية دون اهتمام بترتيبها. كانت تريد المغادرة فحسب، ولم يعد أي شيء آخر مهمًا بالنسبة إلي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status