LOGINقبض نادر يده بقوة.ذلك الشخص كان قاسم.في البداية، لم يكن يعلم سوى أن زياد يحقق سرًا في أمر عائلة الحسيني، لكن زياد كان شديد الحذر والتكتم، حتى إنه لم يُفصح عن أي معلومة يمكن أن تسرّب شيئًا من مخططه.لاحقًا، عندما طلب منه قاسم قتل شهد، دبّر مسرحية تعمّد فيها دفعها إلى صدارة البحث على الإنترنت، وكان هدفه كشف هويتها حتى يتردد قاسم في الإقدام على إيذائها.لكنه لم يتوقع أن قاسم، بعدما عرف أن شهد هي زوجة زياد، سيسخر قائلًا: "كيف يمكن لزياد أن يتزوج ابنة عدوه؟"عندما سمع تلك الكلمات، تصبب العرق البارد من جسده.وبعد أن استفسر منه بالتفصيل، عرف الحقيقة وراء وفاة عمه وزوجته في ذلك العام.في ذلك الوقت، كان قاسم لا يزال في سن المراهقة، يعمل مجرد تابع صغير في الحدود، وبفضل ذكائه وسرعة بديهته وقسوته، لفت أنظار زعيم المنطقة الحدودية، فاحتفظ به إلى جانبه.وفي الحدود، رأى قاسم أمجد يلتقي سرًا بزعيمهم، بل وسمعه بأذنيه يخبر الزعيم عبر الهاتف بأنه نفّذ الخطة بالفعل وتسبب في موت سمير الشافعي وزوجته، والدي زياد.وفي ذلك اللقاء تحديدًا، عرف نادر لأول مرة عن العداوة التي تجمع زياد بقاسم.قبل عشرة أعوام، كان
"هل أنتِ من فعلتِ ذلك؟!"أضاء مصباح بلون العنبر في الغرفة.كان وجه نادر الملتوي غضبًا على مقربة من ياسمين، وقد أحكم قبضته حول عنقها، وسألها بصرامة: "هل أنتِ من أخبرتِ الجدة؟!"لم تستطع ياسمين التنفس وهي تحت قبضته. وفي موقف هكذا يوشك فيه المرء على الموت، لا يمكن لأحد أن يبقى غير مبالٍ، لكنها بدت كجثة هامدة، تحدّق في نادر ببرود.بل إنها ابتسمت بطرف شفتيها رغم اختناقها واحمرار وجهها من انحباس أنفاسها.تسلل شعور مرعب إلى قلبه، وكأن أصابع يده قد لسعتها نحلة، فسحبها فجأة.اندفع الهواء إلى رئتيها، فغطّت ياسمين عنقها وسعلت بشدة من أثر الاختناق.وبينما كانت تسعل، ظلت تحدّق في نادر مباشرة، ثم قالت بصوت أجش: "مجرد عجوزٍ ماتت، فلماذا كل هذا الانفعال؟"ازداد وجه نادر قتامة.عجوز...منذ صغره، كان يرى أن نورة شديدة الانحياز.لم يكن الأمر لمجرد كون زياد الحفيد الأكبر لابنها الأكبر، لقد كان السبب الحقيقي أنها، بعدما فقد زياد والديه في سن مبكرة ونشأ إلى جوارها، رقّ قلبها له، فوهبته كل ما لديها من أشياء جيدة.مجموعة الشافعي الاستثمارية!منصب رب العائلة!شهد!فبعد وفاة والدي زياد، كان والده هو من تولّى إد
وفي أحد أركان حي النخيل السكني، كانت تدور في تلك اللحظات معركة دامية.اندفعت ثلاث سيارات سوداء مسرعة خارج حي النخيل السكني، ثم دخلت فيلا تقع في المنطقة الجنوبية.فتح جمال باب السيارة ونزل، ثم حرّك معصمه قليلًا وقال ببرود: "أدخلوا الرجال."في قبو الفيلا.كان زياد يجلس على أريكة سوداء، مرتديًا ملابس سوداء بالكامل، وعلى الطاولة أمامه وُضعت قبعة سوداء وكمامة.وبهدوء شديد، بدأ ينزع الندوب المزيفة المرسومة على ظهر يده. وحين سمع الضجيج، لم يفعل سوى أن رفع جفنيه قليلًا.جرّ جمال أحد الرجال وألقاه على بعد نحو ثلاثة أمتار من زياد.ثم ألقى الحراس الرجال الأربعة الآخرين واحدًا تلو الآخر في كومة واحدة.وقف جمال إلى الجانب وقال: "سيد زياد، جميعهم أحياء."أطلق زياد همهمة باردة، وبعد أن نزع آخر ندبة مزيفة، رفع عينيه أخيرًا ونظر إلى الرجال الممددين على الأرض نظرة جادة.استند إلى ظهر الأريكة، وكانت عيناه تفيضان بالبرودة.أمسك ولاعة سوداء تمامًا ونهض متجهًا إلى الخارج. وانعكس الضوء على كتفيه العريضين، اللذين غطتهما سترة كشمير خفيفة. خفض رأسه وأشعل سيجارته، ثم هز الولاعة وأطفأ اللهب.قال بهدوء: "نحن في أو
كانت تتعالى أصوات الأمواج وضحكات الناس من حولهما، وحده ذلك الركن كان غارقًا في صمتٍ استثنائي.لم تفهم شهد لماذا طلب منها كليب ألا تطلق فانوسًا للطفل.كان قلبها مثقلًا بالندم تجاه ذلك الطفل، وما زالت تشعر بالكثير من الأسف على رحيله.رأت أصابع كليب تكتب ببطء على شاشة هاتفه: "لا أتذكر ممن سمعت هذا الأمر."كان موقف كلٍّ من شهد وطارق متطابقًا على نحو لافت فيما يخص كلام كليب؛ إذ كانا يصدّقانه بثقةٍ كاملة. قالت شهد وهي تنظر إلى الفانوس الذي بيدها، ثم إلى قلم التحديد، قبل أن تحسم أمرها: "حسنًا، إذًا سأستخدم هذا الفانوس للدعاء."وكتبت عليه ببطء حرفًا تلو الآخر: "أتمنى أن ينعم كل من أشتاق إليهم بالسلام والأمان."ثم مدت القلم إلى كليب وسألته: "كليب، هل لديك شيء تريد كتابته؟"لكن ما إن مدت يدها بالقلم حتى أدركت فجأة أن رجلًا بارد المشاعر مثله على الأرجح لن يفعل شيئًا كهذا.إلا أن ما حدث فاجأها؛ فقد مد كليب يده وأخذ القلم منها.نظرت شهد إلى الرجل الجاثي بجانبها، ثم وقعت عيناها على يده اليسرى التي يمسك بها القلم، فابتسمت وقالت: "لم أتوقع أنك أعسر."أومأ كليب إيماءة خفيفة، ثم بدأ يكتب ببطء إلى جوار
شعرت شهد، ما إن وقفت أمامه، وكأن جسدها كله قد احترق من شدة الحرارة.كان زياد يمسك السيجارة بين شفتيه. وبعد عودته من الخدمة العسكرية، طال شعره قليلًا، فلم يعد قصيرًا جدًا كما كان من قبل، لكن ملامحه بقيت حادة كما هي.قال: "ألن تناديني بأخي الأكبر؟"تعمدت تجاهل سؤاله، ورفعت ما بيدها وقالت: "أريد أن ألعب بالأعواد النارية."خفض عينيه إلى العود الناري الذي مدته نحوه، وسخر قائلًا: "ألم تعودي كبيرةً على مثل هذه الألعاب؟"ورغم أنه كان يتحدث بلهجة مستنكرة، فإنه أبعد السيجارة عن فمه، وقرّب طرفها المشتعل من العود الناري.وبصوت "تسسس"، أضاء العود بوهج من النجوم المتلألئة.رفعت عينيها، والتقتا عبر شرارات الضوء بعيني زياد السوداوين الباردتين.كانت مشاعر الفتاة الصغيرة المليئة بالفرح تكاد تظهر في عينيها وملامح وجهها، فانحنت شفتاها بابتسامة.لكنها لم تعرف لماذا استاء زياد فجأة، فأطفأ سيجارته بين أصابعه واستدار وغادر.لامس أحدهم ذراعها، فتلاشت صورة الذكرى من أمام عينيها.التفتت شهد، فوجدت كليب يمد هاتفه إليها، وعلى شاشته: "تريدين اللعب؟"هزت شهد رأسها، ثم أشارت إلى اتجاه آخر وقالت بهدوء: "أريد أن أطلق ف
كان كليب يقف خارج الباب، وحافة قبعته السوداء منخفضة جدًا فوق عينيه.لكن طوله كان يفوق شهد بكثير، لذلك بمجرد أن خفض عينيه، استطاع أن يرى بوضوح عينيها الجميلتين اللتين كانتا عادةً لامعتين آسرتين، لكنهما الآن محمرتان من كثرة البكاء.أخرج هاتفه من جيبه وكتب: "كنت مارًا من هنا، ورأيت الضوء مضاءً، فصعدت لأطمئن عليك."هكذا إذًا.كان التلفاز في غرفة المعيشة يعرض احتفالات رأس السنة. وبعد انتهاء العشاء، كان ياسين قد طلب من أحدهم ترتيب غرفة الطعام وتنظيفها، كما طلب تزيين المنزل بديكورات العام الجديد.تزيّن المنزل بزينة رأس السنة، من الأضواء المتلألئة والبالونات والشرائط الملونة، وبدا المكان بأسره مفعمًا بأجواء الاحتفال والبهجة.ومع ذلك، كان يخيّم عليه إحساس بالكآبة، ولم تكن فيه أدنى أجواء احتفالية.بل إن ضحكات الجمهور القادمة من التلفاز جعلت هدوء المنزل ووحدته أكثر وضوحًا.ارتسمت على وجه شهد لمحة من الحرج، ثم ابتسمت بعينين حمراوين وقالت وهي ترفع يدها إلى خلف رقبتها وتحكها قليلًا: "أنا ثرية أصلًا، أينما قضيت ليلة رأس السنة فهي ليلة رأس سنة... في النهاية كل الأماكن سواء."لكن عينيها المبللتين كانتا
قبضت على أصابعها المرتجفة بشدة، ونزفت راحتاها.كان الهدوء مرعبًا."شهد، شهد..."نادى رئيس التحرير ماهر باسم شهد، وقد عقد حاجبيه.ظلت جامدة كتمثال جليدي، ولم تتحرك شفتاها المتصلبتان إلا بعد برهة طويلة، وظل تعبيرها هادئًا: "تكلمي من فضلك."لما رآها لا تبكي ولا تثير ضجة، انتاب رئيس التحرير قلق شديد، خش
اعتدل زياد من اتكائه على الأريكة، ووجهه عابس وهو يلقي نظرة خاطفة على شهد المنكمشة في الزاوية. التقط هاتفه، وسحب الشاشة، وأجاب على المكالمة.قال المتصل شيئًا ما لا تعرفه."الأهم أن تعتني بصحتك أولًا، أما بالنسبة لأي شيء آخر، فاطلبي من أحدهم التواصل مع جمال الريان."كانت نبرته لطيفة وصبورة.على عكس تم
طفل...اجتاح ألم يمزق القلب وينخر العظام جسد شهد كله في لحظة.في إحدى ليالي أواخر ربيع العام الماضي، دخل زياد غرفتها عن طريق الخطأ وهو ثمل.لم تستطع نسيان كيف همس باسمها، شهد، في أذنها في لحظة شغف.في تلك الليلة، حملت بطفل زياد.بعد حملها بالطفل، طرأ تغير طفيف على علاقتها بزياد. فرغم أنه كان لا يزال
نظرت شهد إلى اتفاقية الطلاق في الدرج، فتجمدت في مكانها.خطرت ببالها عدة أفكار، فتسللت قشعريرة إلى قلبها.قبل ثلاث سنوات، لم تتمكن من الزواج من زياد إلا بفضل محبة جدة عائلة الشافعي لها.كانت تعلم أن زياد لا يحبها، فقد وافق على الزواج منها فقط لتعزيز مكانته في عائلة الشافعي. ومع دعم الجدة له، بات تحقي







