LOGINالفصل الخامس عشر — أول اعتراف
"أقسى الحروب ليست تلك التي تدور بالسلاح... بل تلك التي تدور بين قلبين يخاف كل منهما أن يعترف للآخر." ظل إيثان يحتضن إيلي للحظات طويلة، بينما كانت شهقاتها تتكسر فوق صدره. لم يكن يسمع شيئًا. لا أصوات الحراس. ولا المطر الذي ما زال يهطل خارج النفق. ولا أوامر قائد الحرس. كان يسمع نبضها فقط. ذلك النبض الذي افتقده خمس سنوات كاملة. أما إيلي... فلم تشعر بنفسها وهي تتشبث به. كانت أصابعها تغرس نفسها في معطفه الممزق. وكأنها تخشى أن يختفي بمجرد أن تتركه. رفع يده ببطء. مررها فوق شعرها المبتل. وقال بصوت منخفض: "اهدئي..." رفعت وجهها إليه. كانت عيناها حمراوين من البكاء. "كدت أفقدك." ابتسم ابتسامة متعبة. "لكنك لم تفعلي." هزت رأسها. "لا تقلها بهذه البساطة." اقتربت أكثر دون أن تشعر. وقالت بصوت مكسور: "حين رأيتك تسقط..." سكتت. لم تستطع إكمال الجملة. فهم ما أرادت قوله. رفع يده ومسح دموعها بإبهامه. "أنا هنا." نظرت إليه طويلًا. ثم ابتعدت فجأة. كأنها تذكرت نفسها. تذكرت غضبها. وتاريخهما. خفضت رأسها. شعرت بالحرج من اندفاعها. لكن إيثان لم يعلق. احترم ارتباكها. وقف بصعوبة، متألمًا من جرح كتفه. لاحظ قائد الحرس ذلك. اقترب بسرعة. "سيدي، يجب أن يرى الطبيب هذا الجرح." أجاب إيثان بهدوء: "لاحقًا." قال الحارس بإصرار: "إنه ينزف." لكن إيثان كان ينظر إلى إيلي. ولم يحول عينيه عنها. قال: "أولًا... نؤمن القصر." --- عاد الجميع إلى القصر وسط حراسة مشددة. كانت الممرات مليئة بالحراس. النوافذ المكسورة أُغلقت بالألواح الخشبية. والخدم يتحركون في صمت مشوب بالخوف. دخل إيثان غرفة الاستقبال، واجتمع بقائد الحرس وعدد من الرجال. أما إيلي فاتجهت إلى غرفة والدها. وجدته مستيقظًا. لكنه بدا أكثر ضعفًا من أي وقت مضى. ابتسم عندما رآها. "عدتِ." جلست بجواره. وأمسكت يده. "لن أتركك." ابتسم بحزن. "أعرف." ظل صامتًا قليلًا. ثم سألها: "هل ما زلتِ غاضبة من إيثان؟" خفضت رأسها. لم تعرف كيف تجيب. قال فيليب بهدوء: "كنت أعلم أنك ستكرهينني يوم تعرفين الحقيقة." رفعت عينيها إليه. "لماذا لم تخبرني؟" تنهد ببطء. "لأنني كنت أظن أن الكراهية أرحم من أن أراك ميتة." انكسرت دمعة جديدة على خدها. اقتربت وقبلت جبينه. "كنت وحدك تحمل كل هذا." ابتسم. "ولم أعد أستطيع." أخرج من درج صغير بجوار السرير مفتاحًا آخر. كان مختلفًا عن الأول. مصنوعًا من الفضة. ومحفورًا عليه نفس الشعار الذي رأته فوق الصندوق. وضعه في يدها. "احتفظي به." نظرت إليه باستغراب. "يفتح ماذا؟" قال بصوت خافت: "المكتبة القديمة..." "هناك ستجدين بقية الحقيقة." قبل أن تسأله... دخل الطبيب. أشار إليها بالخروج حتى يفحص والدها. خرجت ببطء. وأغلقت الباب خلفها. --- كان الممر هادئًا. وقفت تستند إلى الحائط. أغمضت عينيها. كل شيء حدث خلال الساعات الماضية كان يفوق قدرتها على الاستيعاب. خطوات هادئة اقتربت منها. فتحت عينيها. كان إيثان. توقف أمامها. ظل ينظر إليها دون أن يتكلم. هي أيضًا لم تتكلم. وأخيرًا... قال: "كيف هو؟" "متعب." أومأ بصمت. استدار ليغادر. لكن صوتها أوقفه. "إيثان." التفت إليها. ترددت. ثم قالت: "شكرًا." ابتسم بخفة. "لأي شيء؟" أخفضت نظرها. "لأنك أنقذت أبي." رفعت عينيها إليه. "ولأنك أنقذتني." اقترب خطوة. كانت المسافة بينهما قصيرة. لكنها لم تبتعد. قال بهدوء: "حتى لو عاد الزمن..." "سأفعل الشيء نفسه." ابتلعت ريقها. "ولماذا؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال دون تردد: "لأنني أحبك." ساد الصمت. لم يكن اعترافًا خرج في لحظة رومانسية. بل خرج هادئًا. صادقًا. خاليًا من أي محاولة لإقناعها. كانت مجرد حقيقة. حبس الزمن نفسه أنفاسه. شعرت إيلي بأن قلبها توقف. لقد انتظرت هذه الكلمات سنوات. وتمنت سماعها آلاف المرات. لكنها حين سمعتها... لم تعرف ماذا تقول. نظر إليها إيثان. ورأى الحيرة. والخوف. والدموع. ابتسم ابتسامة هادئة. وقال: "لا أريد جوابًا الآن." "ولا غدًا." "أريد فقط أن تعرفي أنني لم أتوقف عن حبك يومًا." ثم مر بجوارها. متجهًا نحو السلم. تركها واقفة وحدها. وقلبها يخوض أعنف معركة عرفها. لكن بينما كان إيثان يهبط درجات السلم... سمع صوت إطلاق رصاص مكتوم من الحديقة الخلفية. توقف فورًا. وفي اللحظة التالية... اندفع أحد الحراس إلى داخل القصر وهو يصرخ: "سيدي إيثان... لقد اختطفوا السيد فيليب!"الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد
الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت
الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه
الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول
الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث
الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى







