LOGINالفصل السادس عشر — الثمن الذي لم يتوقعه أحد
"حين يعجز العدو عن كسر الرجل... يبحث عن قلبه، ويطعن فيه." تجمد إيثان في مكانه. كانت كلمات الحارس تتردد في أرجاء القصر كأنها صدى كابوس. "لقد اختطفوا السيد فيليب!" لم يمنح نفسه ثانية واحدة للتفكير. اندفع نحوه وأمسكه من كتفيه. "كيف؟" كان الحارس يلهث، ووجهه مغطى بالتراب والدم. "هاجموا الحديقة الخلفية... كانوا يرتدون زي رجالنا... لم نشك فيهم حتى فوات الأوان." شحب وجه إيلي. تقدمت بخطوات مرتبكة. "أبي... أين أبي؟" خفض الحارس رأسه. "أخذوه في عربة سوداء... واتجهوا نحو الغابة الغربية." شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها. لولا أن إيثان أمسك بذراعها قبل أن تسقط. كانت يده ثابتة. دافئة. لكن عينيه كانتا مشتعلة بالغضب. قال لقائد الحرس الذي وصل لتوه: "أغلقوا جميع بوابات القصر." "لا يدخل أحد ولا يخرج." "وأرسلوا فرقة استطلاع إلى الطريق الشمالي... سيحاولون تضليلنا." أومأ القائد بسرعة. ثم التفت إيثان إلى إيلي. "سنذهب نحن إلى الغابة." نظرت إليه بذهول. "أنا؟" "لن أتركك هنا." هزت رأسها بعناد. "ولن أترك أبي." للحظة... عاد ذلك البريق القديم إلى عينيها. العناد الذي كان يعشقه فيها. رغم الخطر. ابتسم ابتسامة خافتة. "إذن ابقي بجانبي." --- بعد دقائق... كان الليل قد ابتلع الغابة. تسللت الخيول بين الأشجار الكثيفة. لم يكن يسمع سوى وقع الحوافر، وصوت الريح وهي تحرك الأغصان اليابسة. كانت إيلي تركب جوادها بجوار إيثان. ورغم الظلام... كانت تشعر بنظراته تتفقدها بين الحين والآخر. قال بهدوء: "هل أنت بخير؟" لم تنظر إليه. "لا." ساد الصمت. ثم قالت: "أشعر أن كل شيء ينهار." خفض رأسه قليلًا. "لن أدع ذلك يحدث." ابتسمت بمرارة. "ما زلت تعد كثيرًا." نظر إليها. ثم قال بثقة هادئة: "هذه المرة... لن أخلف وعدي." نظرت إليه طويلًا. لم تجد في عينيه سوى الصدق. وذلك كان أكثر ما أخافها. لأنها بدأت تصدقه من جديد. --- توقف إيثان فجأة. رفع يده. أشار للحراس بالتوقف. ترجل عن حصانه، وانحنى فوق الأرض. كانت آثار عجلات عربة واضحة وسط الوحل. لكن شيئًا آخر لفت انتباهه. بقعة دم. جف جزء منها. ومعها قطعة قماش بيضاء ممزقة. التقطتها إيلي. شهقت. كانت تعرفها. إنها من الوشاح الذي كانت قد لفته حول كتف والدها صباحًا. ارتجفت يداها. "هذا وشاح أبي." أخذ إيثان القطعة منها. تأملها. ثم نظر إلى الأشجار. قال بصوت منخفض: "تركها عمدًا." قطبت حاجبيها. "تقصد... أنه يترك لنا أثرًا؟" أومأ. "يعرف أنني سأفهم." تابعوا السير. كلما تعمقوا في الغابة... ازدادت الآثار وضوحًا. وكأن فيليب كان يقاوم بطريقته الخاصة. مرة قطعة قماش. ومرة عصاه الخشبية. ومرة أخرى... خاتمه الفضي. التقطته إيلي وهي تبكي. ضمته إلى صدرها. وقالت بصوت مخنوق: "إنه يخبرنا أنه ما زال حيًا." نظر إليها إيثان. "وسنصل إليه." --- بعد نحو ساعة... ظهر كوخ حجري قديم بين الأشجار. كان مهجورًا. لكن ضوءًا خافتًا يتسلل من إحدى النوافذ. أشار إيثان للحراس بالتفرق. ثم اقترب مع إيلي بحذر. وقبل أن يصلا... سمعا صوتًا مألوفًا. صوت فيليب. كان ضعيفًا. لكنه حي. اندفعت إيلي غريزيًا. لكن إيثان أمسك يدها. "لا." نظرت إليه بغضب. "إنه أبي!" قال بهدوء: "ولهذا لن أسمح لك بالوقوع في فخ." أشار بعينيه نحو الأرض. نظرت حيث يشير. واكتشفت خيطًا رفيعًا ممتدًا بين الشجيرات. ولو خطت خطوة أخرى... لفجرت الفخ. اتسعت عيناها. همست: "لم أره." قال وهو يقطع الخيط بخنجره: "لهذا أريدك أن تثقي بي." نظرت إليه للحظات. ثم أومأت بصمت. --- التف الحراس حول الكوخ. رفع قائدهم ثلاثة أصابع. اثنان. واحد. اندفعوا جميعًا في اللحظة نفسها. تحطم الباب. وتعالت الصرخات. اشتبك الحراس مع رجال بلاكوود. اندفع إيثان إلى الداخل. وجد فيليب مقيدًا إلى كرسي. وعلى الجانب الآخر من الغرفة... وقف رجل طويل، يرتدي معطفًا أسود، وشعره يغزوه الشيب. كان يصفق ببطء. ابتسم ابتسامة باردة. وقال وهو ينظر مباشرة إلى إيثان: "انتظرت هذه اللحظة طويلًا..." تجمد إيثان. وشحب وجهه فجأة. همست إيلي وهي تلاحظ تغير ملامحه: "هل تعرفه؟" أجاب بصوت يكاد لا يُسمع: "للأسف..." "أعرفه أكثر مما ينبغي." ابتسم الرجل مجددًا. ثم خلع قفازه الأسود ببطء. ليظهر خاتم يحمل شعار عائلة بلاكوود. وقال بصوت هادئ، لكنه يحمل تهديدًا واضحًا: "مرحبًا بعودتك إلى المنزل... يا ابن أخي." ساد صمت ثقيل. أما إيلي... فشعرت أن الحقيقة التي عرفتها الليلة لم تكن سوى البداية، وأن حياة إيثان التي ظنت أنها تعرفها... كانت مليئة بأسرار لم يخبرها بها أحد.الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد
الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت
الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه
الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول
الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث
الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى







![[خلف القناع: تعال إلي]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)