مشاركة

١٨

last update تاريخ النشر: 2026-07-08 15:01:16

الفصل الثامن عشر — بين الحياة والموت

"أصعب الاعترافات... تلك التي تأتي بينما يسرق الموت الوقت من بين يديك."

ساد الذهول داخل الكوخ.

كانت الكلمات التي خرجت من فم إيلي لا تزال تتردد في أرجاء المكان، وكأن الجدران نفسها رفضت أن تتركها ترحل.

"أنا أحبك يا إيثان..."

لكن الرجل الذي انتظرت أن يسمعها منه سنوات...

كان فاقدًا للوعي.

شحب وجهه أكثر.

ورأسه استقر فوق ذراعها بلا حراك.

ارتجفت يداها وهي تربت على خده.

"إيثان..."

لم يجب.

رفعت صوتها.

"إيثان... انظر إلي."

لا شيء.

اقترب قائد الحرس بسرعة، وانحنى بجواره.

فتح معطفه بحذر، فظهر الجرح بوضوح.

لم تكن الرصاصة قد خرجت.

قال بوجه متجهم:

"يجب أن نعيده إلى القصر فورًا."

شهقت إيلي.

"هل هو..."

لم تستطع إكمال السؤال.

هز الطبيب العسكري، الذي كان ضمن رجال الحراسة، رأسه بسرعة.

"ما زال حيًا... لكننا نخسر الوقت."

أغمضت عينيها لحظة.

وكأن قلبها توقف عن النبض ثم عاد من جديد.

---

أُعيد إيثان إلى القصر على عربة مغلقة.

كانت إيلي تجلس بجواره طوال الطريق.

لم تترك يده لحظة واحدة.

كانت أصابعه باردة.

على غير عادتها.

كلما شعرت ببرودها أكثر...

ضمتها بين كفيها.

وهمست بصوت مرتجف:

"قلت إنك لن تتركني."

انزلقت دمعة على وجنتها.

"لا تجرؤ على كسر وعدك."

جلست ماريا في الجهة الأخرى تبكي بصمت.

أما فيليب...

فكان يراقب المشهد بعينين مثقلتين بالندم.

اقترب قليلًا من ابنته.

وقال بصوت خافت:

"سامحيني."

التفتت إليه.

"على ماذا؟"

تنهد ببطء.

"لأنني كنت السبب في كل هذا."

هزت رأسها وهي تمسح دموعها.

"لا..."

لكن فيليب قاطعها.

"لو لم أطلب منه الرحيل..."

نظر إلى إيثان.

"...لما حمل هذا العبء وحده."

خفضت رأسها.

ثم همست:

"وأنا أيضًا ظلمته."

ساد الصمت.

كان صمتًا مليئًا بالندم.

---

وصلوا إلى القصر قبل الفجر بقليل.

حُملت نقالة إيثان بسرعة إلى إحدى الغرف الكبيرة.

بدأ الأطباء عملهم فورًا.

لكنهم أغلقوا الباب في وجه الجميع.

وقفت إيلي خارجه.

عيناها معلقتان بالمقبض.

كل دقيقة كانت تمر كأنها عام كامل.

مرت ساعة.

ثم أخرى.

لم تجلس.

لم تتكلم.

لم تشعر حتى بالبرد.

كان عقلها يعيد كل لحظة عاشتها معه.

أول لقاء.

أول ضحكة.

ليلة المطر.

الرسالة.

اعترافه.

ثم الرصاصة.

أغمضت عينيها بقوة.

ولأول مرة منذ وفاة والدتها...

رفعت يديها بالدعاء.

"يا رب..."

انكسر صوتها.

"خذ أي شيء مني..."

"لكن لا تأخذه."

---

بعد ساعات طويلة...

انفتح الباب أخيرًا.

خرج الطبيب.

كانت علامات الإرهاق واضحة على وجهه.

أسرعت إليه.

"كيف هو؟"

تنهد.

"الرصاصة كانت قريبة جدًا من القلب."

توقف قلبها.

ثم أكمل:

"لكننا استطعنا إخراجها."

أغلقت عينيها.

وشعرت بركبتيها تضعفان.

لكن الطبيب لم ينته.

"الخطر الحقيقي الآن..."

رفع نظره إليها.

"...أن يستعيد وعيه."

قطبت حاجبيها.

"ماذا تعني؟"

قال بصراحة:

"إن لم يستيقظ خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة..."

سكت.

ثم أكمل بهدوء مؤلم:

"...فقد لا يستيقظ أبدًا."

---

دخلت غرفته بعد أن سمح لها الطبيب.

كانت الغرفة هادئة.

تضيئها شمس الصباح الأولى.

استلقى إيثان فوق السرير بلا حراك.

الضمادات البيضاء تغطي صدره وكتفه.

وجهه بدا شاحبًا بصورة أفزعتها.

اقتربت ببطء.

وجلست بجواره.

مدت يدها.

أمسكت كفه.

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.

"أتذكر..."

همست.

"كنت تقول دائمًا إنني كثيرة الكلام."

ضحكت وسط دموعها.

"والآن..."

نظرت إليه طويلًا.

"...أنت من يرفض الكلام."

سكتت لحظة.

ثم بدأت تحكي له.

عن طفولتهما.

عن الأشجار التي كانا يتسابقان إليها.

عن البحيرة.

عن الكتب التي كان يسرقها من مكتبة والدها ليقرأها معها.

عن اليوم الذي وعدها فيه أنه لن يتركها أبدًا.

كانت تتحدث...

وكأنها تحاول أن تقوده بصوتها إلى طريق العودة.

مرت ساعة.

ثم ساعتان.

ولم يتحرك.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم مالت نحوه.

وأمسكت وجهه برفق.

وهمست قرب أذنه:

"لم أقلها لأنني كنت خائفة."

أغلقت عينيها.

"لكنني سأقولها كل يوم إن احتجت."

سقطت دمعة فوق يده.

"أنا أحبك يا إيثان."

وفي اللحظة نفسها...

شعرت بشيء دافئ يتحرك بين أصابعها.

تجمدت.

نظرت إلى يده.

هل كان ذلك وهمًا؟

حبست أنفاسها.

ثم...

تحرك إصبعه مرة أخرى.

ببطء.

ورغم أنه لم يفتح عينيه بعد...

خرج من بين شفتيه همس ضعيف بالكاد سمعته:

"...إيلي."

فشهقت، وامتلأت عيناها بالدموع، بينما لم تكن تدري أن خلف باب الغرفة يقف فيليب، وبجواره رسالة قديمة لم يجرؤ على فتحها طوال خمسة وعشرين عامًا... رسالة تحمل اسم والدة إيلي، وقد تكون الحقيقة التي ستغير كل شيء من جديد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status