LOGINكانت مريام تقف خلف مكتبها الزجاجي الشاهق في مقر شركة الفارس، تتأمل برج المراقبة عبر زجاج النافذة بملامح متوترة وتنفس حاد.
فجأة، انفتح باب المكتب الذهبي بعنف ودون استئذان. دخل **ستيفن**، ابن عمها فريد، ببدلته الإيطالية الفاخرة وشعره المصفف بعناية بأسلوب أمريكي، تعلو وجهه الوسيم ملامح حادة وتفيض بالاستعلاء. ألقى بملف أسود سميك فوق مكتبها بدويٍّ حاد: — "صباح الخير يا رئيسة مجلس الإدارة... أو بالأحرى، صباح الخير في آخر أسبوع لكِ على هذا الكرسي!" تصلبت مريام في مكانها، وعيناها الرماديتان تشتعلان بغضب مكتوم: — "كيف تتجرأ على اقتحام مكتبي بهذه الوقاحة يا ستيفن؟ هل نسيت موقعك في هذه الشركة؟" ابتسم ستيفن بسخرية، واقترب ببطء وهو يضع يديه في جيبي بنطاله: — "موقعي؟ أنا هنا بطلب من معظم أعضاء مجلس الإدارة... لقد وقعوا جميعاً على طلب اجتماع طارئ لسحب الثقة منكِ وتعييني رئيساً بدلاً عنكِ! الشركة بحاجة لرجل يقودها، بدلاً من إدارتكِ السادية التي كادت تدمر اسم العائلة." اقتربت مريام بحدة ورفعت رأسها: — "لن تجرؤوا... هذه شركتي وشركة والدي الراحل!" قهقه ستيفن بنبرة استفزازية، ثم همس وهو يلتفت ليغادر: — "والدكِ رحل يا مريام... وأيامكِ هنا أصبحت معدودة جداً. استمتعي بهذا المنظر الشاهق ريثما تفرغين مكتبكِ للرئيس الجديد!" خرج ستيفن وأغلق الباب بقوة، لتهوي مريام على كرسيها الجلدي، وصدرها يعلو ويهبط بحرقة. كانت يعصرها التوتر والضعف لأول مرة في حياتها... ولم يكن أمامها سوى حبل نجاة واحد؛ الدليل الرقمي القاتل لمقتل والديها المشفر عند ذلك العبقري! رفعت سماعة الهاتف وصاحته بشاهين بصوت مرتجف: — "شاهين! أحضر جوزيف إلى مكتبي بالشركة فوراً تحت حراسة مشددة!" بعد نصف ساعة... انفتح الباب، ودخل **جوزيف**. كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، شعره الأشقر ينسدل بعفوية على جبهته، وتسكن عينيه الزرقاوين ثقة مطلقة. التفت ببطء متأصلاً ديكور المكتب الفاخر، ثم مشى بخطوات هادئة... وجلس على الكرسي الفخم المقابل لمكتبها مباشرة دون أن ينتظر إذنها، ووضع ساقاً فوق الأخرى بروقان عجيب! تجمّدت مريام بذهول من جرأته، وصاحت بحدة: — "من سمح لك بالجوف والجلوس؟ أنت مجرد خادم ومساعد مقيد بعقد!" لم يرد جوزيف فوراً. حدق في وجهها الشاحب، وفي عينيها اللتين تحاولان إخفاء التوتر، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة. وفجأة... وقف جوزيف من كرسه ببطء. التف حول المكتب بخطوات ثقيلة ومحسوبة، حتى أصبح يقف خلف كرسيها تماماً. انحنى بجسده الطويل نحوها من الخلف، حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلامس بشرة عنقها الناصعة البياض. تصلب جسد مريام بالكامل، واتسعت عيناها بصدمة وعجز عن الحركة، بينما أغمض جوزيف عينيه لثانية واحدة، واستنشق عبير عطرها الفاخر ببطء واستفزاز قاتل. — "رائحة عطركِ زكية جداً اليوم يا سيدة الموت..." همس جوزيف بصوت خفيض، هادئ وعميق بجانب أذنها، مما أرسل قشعريرة غير مفهومة في أرجاء جسدها. وضع جوزيف يديه الرخاميتين على ذراعي كرسيها الجلدي، ليحاصرها بالكامل بين جسده والكرسي، واقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه تداعب وجهها، وقال وهو ينظر في عينيها الرماديتين عن قرب مرعب: — "لكن خلف هذا العطر الذكي... أشم رائحة الخوف والضعف. وجهكِ شاحب، وتنفسكِ مضطرب... رأيتُ ابن عمكِ ستيفن يغادر المقر قبل قليل بابتسامة النصر. هل تهاوت قلعتكِ العظيمة بهذه السرعة يا مريام؟" حاولت مريام دفع صدره بيدها، لكن يدها ارتجفت عند ملامسة ثوبه، وقالت بنبرة تحاول تصنع القسوة: — "ابتعد عني! لا تتجاوز حدودك وأعطني شفرة الملف فوراً لأسحقهم جميعاً!" ابتسم جوزيف بمراوغة وتحدٍّ حار، واقترب أكثر حتى كادت شفته تلامس وجنتها، وهو يهمس بصوت كالعسل السام: — "أبتعد؟ أنسيتِ أن أختي يارا تعالج الآن في أحدث مستشفى ملكي، وعلى نفقتكِ الخاصة وبأمر منكِ؟ بينما أنتِ هنا... تتوسلين لعقلي كي أنقذ عرشكِ من الانهيار؟" شحبت مريام تماماً، وتجمد الدم في عروقها من التقارب الحاد ومن حقيقة كلامه التي عرت كبرياءها. تابع جوزيف ونبرته تفيض بالسيطرة والهدوء: — "إذا أردتِ أن أفك الشفرة وأمنحكِ رأس عمكِ وابنه على طبق من ذهب... فلن أكون خادماً في قصتكِ بعد اليوم. إلغاء عقد العبودية فوراً... وسأكون شريككِ الوحيد والمساوي لكِ في كل شيء. فما هو قراركِ يا سيدة الموت؟"كانت جدران المكتب الشاسع تشهد على صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. لم تكن الصدمة مجرد كلمات أُلقيت في الهواء، بل كانت زلزالاً هدم كل الثوابت التي بناها جوزيف طوال حياته. سر والديه اللذين عاش يظن أنهما مجرد ضحيتين بسيطتين، اتضح أنه جزء من شبكة شائكة من الخداع والأطماع. وقف جوزيف أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة، يطالع انعكاس وجهه الخالي من أي تعبير. كانت شاشة حاسوبه المحمول لا تزال تعرض ملفات التشفير التي فكها للتو، لكن عقله لم يعد يستوعب المزيد من الأرقام. اقتربت مريام منه بخطوات بطيئة، ولأول مرة في حياتها لم تكن تشعر بتلك القوة المطلقة التي اعتادت أن ترتديها كدرع. رفعت يدها لتربت على كتفه، لكنها ترددت وأسقطتها بجانبها وهي تقول بنبرة خافتة: * جوزيف... أعلم أن الأمر أكبر من أن يُحتمل، لكننا سنواجه هذا معاً. التفت إليها جوزيف. لم تكن في عينيه حدة الحلفاء ولا دفء الأصدقاء، بل فقط تعب إنسان أُنهك من كثرة الأقنعة. رد بصوت خفيض وخالٍ من أي انفعال: * لا يا مريام. ليس هذه المرة. ما سمعته اليوم ثقيل جداً... ثقيل لدرجة أنني لا أستطيع الوقوف بجانبك وكأن شيئاً لم يكن. انقبض قلب مريام،
صَدَحَ صَرِيرُ إِطَارَاتِ السَّيَّارَةِ عَلَى الحَصَى أَمَامَ بَوَّابَةِ القَصْرِ الجَبَلِيِّ. دَفَعَتْ مريام البَابَ بَحِدَّةٍ، ونَزَلَتْ تَمْشِي بِخُطُوَاتٍ مُتَسَارِعَةٍ يَمْلَؤُهَا الغَضَبُ والذَّهُول. انْتَثَرَ شَعْرُهَا الأَحْمَرُ النَّارِيُّ عَلَى كَتِفَيْهَا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ تَقْطَعُ بِهَا المَمَرَّ المَرْمَرِيَّ الطَّوِيل. لَمْ تَنْتَظِرْ إِذْناً، ولَمْ تَقْرَعْ البَاب. دَفَعَتْ بَابَ مَكْتَبِ الجَدِّ بِكِلْتَا يَدَيْهَا، فِانْفَتَحَ بِمِصْرَاعَيْهِ وأَصْدَرَ صَوْتاً جَهْوَريّاً ارْتَدَّ فِي أَرْجَاءِ القَاعَةِ المُظْلِمَة. تَجَمَّدَتْ مريام فِي مَكَانِهَا. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا الكَحِيلَتَانِ بِصَدْمَةٍ زَلْزَلَتْ كِيَانَهَا. كَانَ الجد سليمان يَقِفُ عِنْدَ النَّافِذَةِ الزُّجَاجِيَّةِ الضَّخْمَة. لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْقِياً عَلَى الفِرَاشِ، ولَمْ يَكُنْ جَالِساً عَلَى الكُرْسِيِّ المُتَحَرِّكِ الَّذِي رَأَتْهُ عَلَيْهِ لِسَنَوَات. كَانَ يَقِفُ مُنْتَصِباً عَلَى قَدَمَيْهِ بِكَامِلِ صِحَّتِهِ وسَدَادِ قَامَتِهِ، يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَلَفّاً أَبْيَضَ ويَقْرَأُ ف
أَوْقَفَ جوزيف السيارة في العتمة، وأَطْفَأَ المحرك، فَسَادَ داخل المقصورة صمتٌ ثقيل. جَلَسَت مريام في مقعدها، وأَسْنَدَت ظهرها إلى الجلد الفاخر، فيما انْتَثَرَ شعرُها الأحمر الناري كالشعلة على كتفيها. نَظَرَت إلى الفراغ بذهول، وأَطْلَقَت تنهيدة مكسورة من أثر الصدمة. خَلَعَ جوزيف قفازه الجلدي الأسود، ورَفَعَ يده الكبيرة، ثُمَّ وَضَعَ أصابعه الدافئة تحت ذقنها، ورَفَعَ وجهها ببطء حتى أَلْتَقَت عينَاها الكحيلتان بعينيه. — "انْتَهَى العالم بالخارج يا مريام... اسْكُنِي معي هنا في هذه اللحظة، ولا تفكري في أحد سواكِ وسواي." تَنَاسَلَت دمعة حارة على خدها، فَمَسَحَهَا جوزيف بإبهامه. أَمَالَت مريام رأسها، واسْتَنَدَت بوجنتها على كفه العريض. — "جوزيف... جدي الذي كُنْتُ أراه الأب والراعي، رَآنِي مجرد أحذقة في رقعة شطرنج! تَجَرَّدَ من عطفه ومَشَى على قدميه ليتركنا ندخل المحرقة! أُحِسُّ ببرودة تطوق روحي... أُحِسُّ بأن العالم كله يرتدي الأقنعة." فَتَحَ جوزيف باب السيارة، وسَحَبَ مريام بلطف لتخرج معه إلى الهواء الجبلي. ضَمَّهَا إلى صدره من الخلف، وأَحَاطَ خصرها بساعديه الصلبين، ثُمَّ دَفَنَ وجه
انْطَلَقَت السيارات السوداء المصفحة تَقْطَعُ عتمة الطريق الساحلي نحو المرفأ الرقمي رقم 9. خَيَّمَ الصمت داخل المقصورة الخلفية، وامتزجت رائحة المطر بالعبق الفاخر لثوب مريام الأسود. انْحَنَى جوزيف نحوها، أَمْسَكَ بكفها الناعم وضَغَطَ عليه بصلابة أعادت إليها الدفء، فيما اسْتَقَرَّ الخاتم الأسود ذو الحجر البركاني في إبهامه، يَعْكِسُ هيبة السلالة الخفية التي ارْتَدَاهَا الليلة لحمايتها. في هذه الأثناء، وفي قلب القصر الجبلي المحاط بأشجار السرو، تَسَلَّلَت يارا، الشقيقة الصغرى لمريام، بخطوات خفيفة عبر الممر الخلفي المؤدي إلى جناح الجد. اسْتَبَدَّ بها الخوف والقلق على جدها بعد اقتحام الحراس للمكتب، لَكِنَّ خطواها تَسَمَّرَت فجأة قرب النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الداخلية! اتَّسَعَت عينا يارا بصدمة أَلْجَمَت لسانها! في القاعة السفلية المظلمة، يَقِفُ الجد سليمان على قدميه بثبات تام! أَلْقَى عصاه الأبنوسية جانباً، ومَشَى بخطوات سريعة وواثقة دون أي أثر للعرج أو العجز الذي تصنّعه أمام العائلة لسنوات! فَتَحَ الجد خزنة سرية مخفية خلف اللوحة الزيتية، واسْتَخْرَجَ منها ملفاً جلدياً وحاسوباً
تَصَاعَدَ العَبِيرُ الدافئ للخشب المعتق داخل الغرفة السرية، امْتَزَجَ بأنفاسهما المتسارعة التي أَحْرَقَت المسافة الضيقة بينهما. سَكَنَ الصمتُ المصفح، ولم يَقْطَعْهُ سوى وجيب قلبيهما، ورذاذ المطر الذي انْهَمَرَ بالخارج يغسل آثار العاصفة التي ضَرَبَت القصر الجبلي. اسْتَرَاحَت جبهة جوزيف على جبهة مريام، وتَطَوَّقَت يداه الثقيلتان خصرها بثبات حماها من انهيار العالم الخارجي. نَظَرَت مريام في عمق عينيه النفاذتين، بَحَثَت فيهما عن بقايا الحارس الشريف الذي عرفته، فَوَجَدَت أمامه رجلاً حَمَلَ هيبة الأسياد وعشقاً طَغَى على كل حظر. لَمَسَت مريام صدره ببراجمها المرتجفة، وهَمَسَت بنبرة يَمْتَزِجُ فيها الخوف الشديد بالشغف: — "التنين الأسود... كيف عَاشَ هذا السر في دمك كل هذه السنوات دون أن أَلْمَحَهُ في عينيك؟ كيف وَقَفْتَ حارساً لعرشي وأنت تَمْلِكُ عرشاً مظلماً يَخْشَاهُ الجميع؟" انْحَنَى جوزيف قليلاً، طَبَعَ قبلة دافئة على خط عنقها، نَفَضَت رعدة سرت في جسدها بالكامل، ثم رَفَعَ وجهها بأصابعه القوية ليلتقي بصرياً معها: — "لأن عرش آل الفارس لم يَعْنِنِي يا مريام... ولا القوة التي يمارسها ه
تسقط قطرات المطر الخفيفة على زجاج السيارة السوداء كدموع باردة تتراقص في الصباح الباكر. يسود بين جوزيف ومريام صمتٌ مشحون بعد خروجهما السريع من "بيت البحيرة"؛ صمتٌ ليس جفاءً، بل استراحة محاربين بين ليلة عشق دافئة وواقع يغلي بالأخطار. تحكم يد جوزيف اليسرى القبض على يد مريام الناعمة فوق المقعد، تعتصرها بصلابة وحنان حارق كلما زاد من سرعة المحرك، بينما تتسمر يده الأخرى على عجلة القيادة وتفحص عيناه الحادتان المنعطفات الجبلية المحاطة بالضباب. تلتفت مريام إليه، وتتأمل ملامحه الرجولية المصنوعة من صخر؛ فكه منقبض وعروق ذراعه القوية بارزة تحت طيات قميصه الخفيف. تهمس مريام بصوت دافئ يقطر حبًا وقلقًا: — "جوزيف... أنت تخفي عني شيئاً منذ أن تلقيت إشارة اللاسلكي. ماذا يقول لك شاهين بالضبط؟" لا يلتفت جوزيف بخصره، لكنه يشد على كفها أكثر، وتنخفض نبرته الرخيمة لتصل أذنها كفحاح دافئ ومطمئن: — "لا تخافي من شيء وأنا بجانبكِ يا مريام. هناك خيوط تحاول التشابك مجدداً في القصر... لكنني أقسمت لكِ أن زمن خوفكِ قد انتهى. ثقي بي فقط." تنظر مريام إلى كفه المحيط بيدها، وتبرز ابتسامة بقلب مطمئن رغم الغموض:







