Share

4-انقلابات القوة

last update publish date: 2026-07-31 08:23:43

كانت مريام تقف خلف مكتبها الزجاجي الشاهق في مقر شركة الفارس، تتأمل برج المراقبة عبر زجاج النافذة بملامح متوترة وتنفس حاد.

فجأة، انفتح باب المكتب الذهبي بعنف ودون استئذان.

دخل **ستيفن**، ابن عمها فريد، ببدلته الإيطالية الفاخرة وشعره المصفف بعناية بأسلوب أمريكي، تعلو وجهه الوسيم ملامح حادة وتفيض بالاستعلاء. ألقى بملف أسود سميك فوق مكتبها بدويٍّ حاد:

— "صباح الخير يا رئيسة مجلس الإدارة... أو بالأحرى، صباح الخير في آخر أسبوع لكِ على هذا الكرسي!"

تصلبت مريام في مكانها، وعيناها الرماديتان تشتعلان بغضب مكتوم:

— "كيف تتجرأ على اقتحام مكتبي بهذه الوقاحة يا ستيفن؟ هل نسيت موقعك في هذه الشركة؟"

ابتسم ستيفن بسخرية، واقترب ببطء وهو يضع يديه في جيبي بنطاله:

— "موقعي؟ أنا هنا بطلب من معظم أعضاء مجلس الإدارة... لقد وقعوا جميعاً على طلب اجتماع طارئ لسحب الثقة منكِ وتعييني رئيساً بدلاً عنكِ! الشركة بحاجة لرجل يقودها، بدلاً من إدارتكِ السادية التي كادت تدمر اسم العائلة."

اقتربت مريام بحدة ورفعت رأسها:

— "لن تجرؤوا... هذه شركتي وشركة والدي الراحل!"

قهقه ستيفن بنبرة استفزازية، ثم همس وهو يلتفت ليغادر:

— "والدكِ رحل يا مريام... وأيامكِ هنا أصبحت معدودة جداً. استمتعي بهذا المنظر الشاهق ريثما تفرغين مكتبكِ للرئيس الجديد!"

خرج ستيفن وأغلق الباب بقوة، لتهوي مريام على كرسيها الجلدي، وصدرها يعلو ويهبط بحرقة. كانت يعصرها التوتر والضعف لأول مرة في حياتها... ولم يكن أمامها سوى حبل نجاة واحد؛ الدليل الرقمي القاتل لمقتل والديها المشفر عند ذلك العبقري!

رفعت سماعة الهاتف وصاحته بشاهين بصوت مرتجف:

— "شاهين! أحضر جوزيف إلى مكتبي بالشركة فوراً تحت حراسة مشددة!"

بعد نصف ساعة...

انفتح الباب، ودخل **جوزيف**.

كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، شعره الأشقر ينسدل بعفوية على جبهته، وتسكن عينيه الزرقاوين ثقة مطلقة. التفت ببطء متأصلاً ديكور المكتب الفاخر، ثم مشى بخطوات هادئة... وجلس على الكرسي الفخم المقابل لمكتبها مباشرة دون أن ينتظر إذنها، ووضع ساقاً فوق الأخرى بروقان عجيب!

تجمّدت مريام بذهول من جرأته، وصاحت بحدة:

— "من سمح لك بالجوف والجلوس؟ أنت مجرد خادم ومساعد مقيد بعقد!"

لم يرد جوزيف فوراً. حدق في وجهها الشاحب، وفي عينيها اللتين تحاولان إخفاء التوتر، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة.

وفجأة... وقف جوزيف من كرسه ببطء.

التف حول المكتب بخطوات ثقيلة ومحسوبة، حتى أصبح يقف خلف كرسيها تماماً. انحنى بجسده الطويل نحوها من الخلف، حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلامس بشرة عنقها الناصعة البياض.

تصلب جسد مريام بالكامل، واتسعت عيناها بصدمة وعجز عن الحركة، بينما أغمض جوزيف عينيه لثانية واحدة، واستنشق عبير عطرها الفاخر ببطء واستفزاز قاتل.

— "رائحة عطركِ زكية جداً اليوم يا سيدة الموت..."

همس جوزيف بصوت خفيض، هادئ وعميق بجانب أذنها، مما أرسل قشعريرة غير مفهومة في أرجاء جسدها.

وضع جوزيف يديه الرخاميتين على ذراعي كرسيها الجلدي، ليحاصرها بالكامل بين جسده والكرسي، واقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه تداعب وجهها، وقال وهو ينظر في عينيها الرماديتين عن قرب مرعب:

— "لكن خلف هذا العطر الذكي... أشم رائحة الخوف والضعف. وجهكِ شاحب، وتنفسكِ مضطرب... رأيتُ ابن عمكِ ستيفن يغادر المقر قبل قليل بابتسامة النصر. هل تهاوت قلعتكِ العظيمة بهذه السرعة يا مريام؟"

حاولت مريام دفع صدره بيدها، لكن يدها ارتجفت عند ملامسة ثوبه، وقالت بنبرة تحاول تصنع القسوة:

— "ابتعد عني! لا تتجاوز حدودك وأعطني شفرة الملف فوراً لأسحقهم جميعاً!"

ابتسم جوزيف بمراوغة وتحدٍّ حار، واقترب أكثر حتى كادت شفته تلامس وجنتها، وهو يهمس بصوت كالعسل السام:

— "أبتعد؟ أنسيتِ أن أختي يارا تعالج الآن في أحدث مستشفى ملكي، وعلى نفقتكِ الخاصة وبأمر منكِ؟ بينما أنتِ هنا... تتوسلين لعقلي كي أنقذ عرشكِ من الانهيار؟"

شحبت مريام تماماً، وتجمد الدم في عروقها من التقارب الحاد ومن حقيقة كلامه التي عرت كبرياءها.

تابع جوزيف ونبرته تفيض بالسيطرة والهدوء:

— "إذا أردتِ أن أفك الشفرة وأمنحكِ رأس عمكِ وابنه على طبق من ذهب... فلن أكون خادماً في قصتكِ بعد اليوم. إلغاء عقد العبودية فوراً... وسأكون شريككِ الوحيد والمساوي لكِ في كل شيء. فما هو قراركِ يا سيدة الموت؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 55 : ظِلاَلُ الـمَاضِي

    أَوْقَفَ جوزيف السيارة في العتمة، وأَطْفَأَ المحرك، فَسَادَ داخل المقصورة صمتٌ ثقيل. جَلَسَت مريام في مقعدها، وأَسْنَدَت ظهرها إلى الجلد الفاخر، فيما انْتَثَرَ شعرُها الأحمر الناري كالشعلة على كتفيها. نَظَرَت إلى الفراغ بذهول، وأَطْلَقَت تنهيدة مكسورة من أثر الصدمة. خَلَعَ جوزيف قفازه الجلدي الأسود، ورَفَعَ يده الكبيرة، ثُمَّ وَضَعَ أصابعه الدافئة تحت ذقنها، ورَفَعَ وجهها ببطء حتى أَلْتَقَت عينَاها الكحيلتان بعينيه. — "انْتَهَى العالم بالخارج يا مريام... اسْكُنِي معي هنا في هذه اللحظة، ولا تفكري في أحد سواكِ وسواي." تَنَاسَلَت دمعة حارة على خدها، فَمَسَحَهَا جوزيف بإبهامه. أَمَالَت مريام رأسها، واسْتَنَدَت بوجنتها على كفه العريض. — "جوزيف... جدي الذي كُنْتُ أراه الأب والراعي، رَآنِي مجرد أحذقة في رقعة شطرنج! تَجَرَّدَ من عطفه ومَشَى على قدميه ليتركنا ندخل المحرقة! أُحِسُّ ببرودة تطوق روحي... أُحِسُّ بأن العالم كله يرتدي الأقنعة." فَتَحَ جوزيف باب السيارة، وسَحَبَ مريام بلطف لتخرج معه إلى الهواء الجبلي. ضَمَّهَا إلى صدره من الخلف، وأَحَاطَ خصرها بساعديه الصلبين، ثُمَّ دَفَنَ وجه

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 54 : مَأْدَبَةُ الأَقْنِعَةِ وَالخَدِيعَةُ المَكْشُوفَةُ

    انْطَلَقَت السيارات السوداء المصفحة تَقْطَعُ عتمة الطريق الساحلي نحو المرفأ الرقمي رقم 9. خَيَّمَ الصمت داخل المقصورة الخلفية، وامتزجت رائحة المطر بالعبق الفاخر لثوب مريام الأسود. انْحَنَى جوزيف نحوها، أَمْسَكَ بكفها الناعم وضَغَطَ عليه بصلابة أعادت إليها الدفء، فيما اسْتَقَرَّ الخاتم الأسود ذو الحجر البركاني في إبهامه، يَعْكِسُ هيبة السلالة الخفية التي ارْتَدَاهَا الليلة لحمايتها. في هذه الأثناء، وفي قلب القصر الجبلي المحاط بأشجار السرو، تَسَلَّلَت يارا، الشقيقة الصغرى لمريام، بخطوات خفيفة عبر الممر الخلفي المؤدي إلى جناح الجد. اسْتَبَدَّ بها الخوف والقلق على جدها بعد اقتحام الحراس للمكتب، لَكِنَّ خطواها تَسَمَّرَت فجأة قرب النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الداخلية! اتَّسَعَت عينا يارا بصدمة أَلْجَمَت لسانها! في القاعة السفلية المظلمة، يَقِفُ الجد سليمان على قدميه بثبات تام! أَلْقَى عصاه الأبنوسية جانباً، ومَشَى بخطوات سريعة وواثقة دون أي أثر للعرج أو العجز الذي تصنّعه أمام العائلة لسنوات! فَتَحَ الجد خزنة سرية مخفية خلف اللوحة الزيتية، واسْتَخْرَجَ منها ملفاً جلدياً وحاسوباً

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 53: هَوِيَّةٌ فِي الظِّلِّ

    تَصَاعَدَ العَبِيرُ الدافئ للخشب المعتق داخل الغرفة السرية، امْتَزَجَ بأنفاسهما المتسارعة التي أَحْرَقَت المسافة الضيقة بينهما. سَكَنَ الصمتُ المصفح، ولم يَقْطَعْهُ سوى وجيب قلبيهما، ورذاذ المطر الذي انْهَمَرَ بالخارج يغسل آثار العاصفة التي ضَرَبَت القصر الجبلي. اسْتَرَاحَت جبهة جوزيف على جبهة مريام، وتَطَوَّقَت يداه الثقيلتان خصرها بثبات حماها من انهيار العالم الخارجي. نَظَرَت مريام في عمق عينيه النفاذتين، بَحَثَت فيهما عن بقايا الحارس الشريف الذي عرفته، فَوَجَدَت أمامه رجلاً حَمَلَ هيبة الأسياد وعشقاً طَغَى على كل حظر. لَمَسَت مريام صدره ببراجمها المرتجفة، وهَمَسَت بنبرة يَمْتَزِجُ فيها الخوف الشديد بالشغف: — "التنين الأسود... كيف عَاشَ هذا السر في دمك كل هذه السنوات دون أن أَلْمَحَهُ في عينيك؟ كيف وَقَفْتَ حارساً لعرشي وأنت تَمْلِكُ عرشاً مظلماً يَخْشَاهُ الجميع؟" انْحَنَى جوزيف قليلاً، طَبَعَ قبلة دافئة على خط عنقها، نَفَضَت رعدة سرت في جسدها بالكامل، ثم رَفَعَ وجهها بأصابعه القوية ليلتقي بصرياً معها: — "لأن عرش آل الفارس لم يَعْنِنِي يا مريام... ولا القوة التي يمارسها ه

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 52: عَاصِفَةُ القَصْرِ الـمُظْلِمِ

    تسقط قطرات المطر الخفيفة على زجاج السيارة السوداء كدموع باردة تتراقص في الصباح الباكر. يسود بين جوزيف ومريام صمتٌ مشحون بعد خروجهما السريع من "بيت البحيرة"؛ صمتٌ ليس جفاءً، بل استراحة محاربين بين ليلة عشق دافئة وواقع يغلي بالأخطار. تحكم يد جوزيف اليسرى القبض على يد مريام الناعمة فوق المقعد، تعتصرها بصلابة وحنان حارق كلما زاد من سرعة المحرك، بينما تتسمر يده الأخرى على عجلة القيادة وتفحص عيناه الحادتان المنعطفات الجبلية المحاطة بالضباب. تلتفت مريام إليه، وتتأمل ملامحه الرجولية المصنوعة من صخر؛ فكه منقبض وعروق ذراعه القوية بارزة تحت طيات قميصه الخفيف. تهمس مريام بصوت دافئ يقطر حبًا وقلقًا: — "جوزيف... أنت تخفي عني شيئاً منذ أن تلقيت إشارة اللاسلكي. ماذا يقول لك شاهين بالضبط؟" لا يلتفت جوزيف بخصره، لكنه يشد على كفها أكثر، وتنخفض نبرته الرخيمة لتصل أذنها كفحاح دافئ ومطمئن: — "لا تخافي من شيء وأنا بجانبكِ يا مريام. هناك خيوط تحاول التشابك مجدداً في القصر... لكنني أقسمت لكِ أن زمن خوفكِ قد انتهى. ثقي بي فقط." تنظر مريام إلى كفه المحيط بيدها، وتبرز ابتسامة بقلب مطمئن رغم الغموض:

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 51: لَيْلَةٌ خَارِجَ حُدُودِ الزَّمَنِ

    في مكانٍ بعيدٍ تماماً عن صخب الميناء وشاشات الإنذار التي كانت تشتعل بالرموز الحمراء، كانت قطرات المطر الغزيرة تطرق الزجاج الخشبي لـ "بيت البحيرة" الملعق عند أطراف الغابة الجبلية. منزلٌ قديم يُستخدم عادةً كملجأ طوارئ لتشفير البيانات، لكنه الليلة استحكم عزلةً تامة بعد أن قطعت العاصفة الهوجاء خطوط الاتصال وأغلقت الطرق الجبلية بالصخور والوحل. لا صدى للسياسة هنا، ولا صوت للأسهم ولا لرجال الشرطة... فقط صوت الحطب وهو يحترق في المدفئة الحجرية، يلقي بظلال دافئة وبرتقالية على أثاث الغرفة الخشبي كانت مريام تقف قرب المدفئة، ترتدي قميصاً صوفياً واسعاً أعرها إياه جوزيف بعد أن ابتلت ملابسها الرسمية بالكامل أثناء هروبهما السريع من القصر قبل إغلاق الطرق. كانت تنظر إلى جمر النار ويدها الخالية تفرد أصابعها بدفء، تشعر لأول مرة منذ سنوات بأنها تتنفس بلا قيد ولا قناع. اقترب جوزيف من الخلف بخطوات هادئة تجر ثقلاً رجولياً آسراً. كان عاري الصدر إلا من قميص قطني خفيف يبرز عرض كتفيه ووسامته الأسمرة، ويحمل في يده كوبين من الشاي الساخن. وضع الكوبين على الطاولة الخشبية الصغيرة، ولم يبتعد... بل وقف خلفها تماماً،

  • سيدة الموت ....خادمي العزيز    الفصل 50: طَلَقَاتُ الحَقِيقَةِ وَانْكِسَارُ الأَقْنِعَةِ

    تطاير شرار الرصاص المكتوم على الجدران الحجرية للقبو السفلي، واستحالت أروقة البنك القديم إلى ساحة حرب خاطفة. كان جوزيف يتنفس بدفقات سريعة وشديدة، ضاغطاً الصندوق الخشبي والوثائق بين صدره وسلاحه التكتيكي، بينما كان شاهين يتبادل إطلاق النار بحزم خلف الساتر الرخامي المائل. صرخ شاهين بصوت جهوري تحت دوي الرصاص: — "جوزيف! عدد الحراس يزداد عند المخرج الرئيسي! كريستيانو أرسل فصيلاً كاملاً لمسح الأثر!" انقبض فك جوزيف، وعيناه تشتعلان بغضب ورجولة لا ترحم. برز من خلف العمود بخاطفة وسرعة فهد، ليطلق ثلاث طلقات متتالية بدقة متناهية شلت حركة القناصة المتقدمين عند السلم المظلم. قال جوزيف بصوت حاد كالسيف وهو يسحب شاهين نحو النفق المائي القديم للمبنى: — "لن يدمروا هذه الوثائق حتى لو اضطررت لإحراق القبو فوق رؤوسهم! التحرك فوراً نحو السيارة الخلفية!" اندفع الاثنان عبر الممر الضيق، وسط صرخات الملاحقين واحتراق طلقات الرصاص في العتمة، حتى اخترقا البوابة الخشبية الخلفية ليقفزا داخل السيارة السوداء التي انطلقت بسرعة جنونية شاقة شوارع العاصمة القديمة! في هذه الأثناء، في الصالة المغلقة لشركة المنافسي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status