FAZER LOGINفي اليوم التالي لتلقي الرسالة المجهولة المرعبة، قررت نور أن تسلك طريقًا مختلفًا تمامًا وجديدًا للبحث عن الحقيقة، طريقًا لم تفكر فيه من قبل رغم بساطته الظاهرة: مراجعة أوراقها الرسمية الخاصة بعناية فائقة ودقة متناهية، بدءًا من شهادة ميلادها الأصلية التي لم تنظر إليها فعليًا منذ سنوات طويلة جدًا، إذ كانت دائمًا تعتمد على النسخ المصورة منها في معاملاتها الرسمية المختلفة دون أن تتفحص الأصل بدقة أو تتوقف عنده يومًا.
توجهت إلى مكتب الأحوال المدنية التابع للمنطقة التي وُلدت فيها حسب أوراقها الرسمية، وطلبت الحصول على نسخة طبق الأصل من سجل ميلادها الأساسي المحفوظ في الأرشيف القديم، مستخدمة نفوذها ومعرفتها كمحامية متمرسة لتسريع الإجراءات المعتادة البطيئة والمعقدة عادة. استغرق الأمر ساعات طويلة ومملة من الانتظار والمراجعات المتكررة بين موظف وآخر، لكنها أصرّت بعناد شديد على البقاء حتى حصلت أخيرًا، بعد جهد كبير، على الوثيقة المطلوبة بين يديها.
جلست في سيارتها في موقف السيارات الخارجي المزدحم بالسيارات، وفتحت الملف بيدين مرتجفتين تمامًا من التوتر والترقب، وبدأت تقارن بدقة بين التاريخ المسجل في شهادتها الرسمية الحديثة التي اعتادت استخدامها طوال حياتها، وبين التاريخ الموجود في الوثيقة الأصلية القديمة التي حصلت عليها للتو من عمق الأرشيف. للوهلة الأولى بدت الأرقام متطابقة تمامًا دون أي اختلاف ظاهر، لكن حين دققت النظر بعناية أكبر بكثير، مستخدمة خبرتها الطويلة في فحص الوثائق القانونية، لاحظت أن هناك فرقًا طفيفًا جدًا في الشهر المذكور بين الوثيقتين، فرق قد يبدو للوهلة الأولى خطأ كتابيًا بسيطًا لا يستحق الانتباه لأي شخص عادي غير متمرس، لكنه بدا لعينها القانونية المدربة جيدًا تفصيلًا مريبًا يستحق التدقيق والبحث بشكل أعمق.
اتصلت فورًا بكريم وهي لا تزال جالسة في سيارتها في الموقف الهادئ، وأخبرته بما وجدته بصوت متحمس رغم التعب الواضح عليها، فاقترح عليها أن يقارنا معًا هذا التاريخ المكتشف حديثًا بتاريخ اختفاء الطفلة سارة المذكور تحديدًا في الخبر الصحفي القديم الذي عثر عليه سابقًا في أرشيفه الرقمي الخاص. جلسا معًا بعد ساعة كاملة في مكتبه الصغير، ووضعا الوثيقتين والخبر الصحفي جنبًا إلى جنب بعناية على المكتب الخشبي، وبدآ يقارنان التواريخ الثلاثة بدقة متناهية لا تسمح بأي هامش خطأ.
الاكتشاف كان صادمًا حقًا ومباغتًا لكليهما: التاريخ المعدّل الظاهر في شهادة ميلاد نور الرسمية الحديثة كان يوافق تمامًا، دون أي فارق يُذكر على الإطلاق، الشهر والسنة الذي اختفت فيه الطفلة سارة بالضبط من الحي حسب الخبر الصحفي القديم، بينما التاريخ الأصلي المسجل في الوثيقة القديمة الأولى كان مختلفًا عن ذلك بأشهر قليلة فقط لا أكثر، وكأن أحدًا ما تعمّد بعناية فائقة "تعديل" تاريخ ميلاد نور الحقيقي ليتوافق بشكل مقصود مع رواية مختلفة تمامًا عن حياتها وأصلها الحقيقي.
شعرت نور بدوار خفيف مفاجئ اجتاح رأسها، وأسندت رأسها بين يديها للحظة طويلة محاولة استعادة توازنها. "هذا يعني أن شخصًا ما، في وقت ما من الماضي، قام بتزوير تاريخ ميلادي بشكل متعمد. لكن لماذا بالتحديد؟ ولمصلحة من كان هذا التزوير في نهاية المطاف؟"
فكر كريم بصوت مسموع وهو يقلّب الأوراق مرة أخرى بتمعن شديد وتركيز بالغ: "ربما كان ذلك لإخفاء الفجوة الزمنية الحقيقية والواضحة بين لحظة اختفاء سارة الفعلية وبين لحظة ظهورك أنتِ فجأة في سجلات العائلة الرسمية كطفلة جديدة. إن كانت هناك فجوة زمنية واضحة وملحوظة بين الحادثتين، فقد تثير تساؤلات مشروعة لدى أي شخص فطن يراجع الأوراق بعناية كافية، لكن بتعديل التاريخ بهذه الدقة المحسوبة، أصبح كل شيء يبدو طبيعيًا تمامًا ومتسلسلًا منطقيًا دون أن يثير أي شك لدى أحد على مر السنين."
نظرت نور إلى الوثيقتين المتناقضتين أمامها بعينين مليئتين بالحيرة والألم. "هذا يعني أن جدتي، أو ربما شخصًا آخر مقربًا في العائلة، لم يكتفِ بإخفاء الحقيقة عني طوال هذه السنوات، بل قام أيضًا بتزوير مستندات رسمية للحفاظ على هذا السر إلى الأبد. كيف يمكنني بعد الآن أن أثق بأي شيء أعرفه عن نفسي؟"
وضع كريم يده على كتفها بلطف بالغ في محاولة صادقة لتهدئتها وتخفيف وطأة الصدمة الثقيلة عليها. "أعرف تمامًا أن هذا صعب جدًا يا نور، ومؤلم أكثر مما يمكن لأي كلمات أن تصفه، لكن تذكري دائمًا أن كل ما فعلته جدتك، مهما بدا غريبًا أو صادمًا الآن في نظرك، ربما كان بدافع حبها العميق لك ورغبتها الصادقة في حمايتك من خطر حقيقي داهم كان قائمًا فعلًا وقتها. الرسالة الممزقة التي وجدتِها بنفسك في تلك الغرفة السرية المظلمة كانت تتحدث بوضوح عن حماية الطفلة مهما كلف الأمر من ثمن باهظ، أليس كذلك تمامًا؟"
هزّت نور رأسها ببطء شديد، وقد بدأت خيوط القصة المعقدة تتشابك في ذهنها بشكل أوضح بكثير رغم الألم الشديد المصاحب لكل اكتشاف جديد يظهر أمامها خطوة بخطوة. بدأت تتشكل تدريجيًا لديها صورة أولية واضحة نسبيًا لما حدث بالفعل في ذلك الماضي البعيد: طفلة اختُطفت أو أُنقذت في ظروف غامضة تمامًا عام 1994، وامرأة، ربما جدتها بالذات، قررت في لحظة حاسمة أن تحميها بتبنيها سرًا تامًا وتزوير أوراقها الرسمية بالكامل، خوفًا شديدًا من شخص نافذ وخطير كان يبحث عنها بإصرار أو كان متورطًا بشكل مباشر في اختفائها الأصلي الغامض.
"يجب أن أواجه عمي سامي مرة أخرى فورًا،" قالت نور أخيرًا بصوت حازم وواثق، وقد تبدد ترددها السابق تمامًا. "هذه المرة لن أسمح له بالهروب من الإجابة أبدًا. يجب أن يخبرني بكل ما يعرفه دون استثناء، مهما كان مؤلمًا له أو لي."
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







