LOGINالفصل الثاني: جدران الرعب
تسلَّلَ إلى أذنِها صوتٌ عميقٌ ومألوفٌ، وبدأَ يتضحُ رويداً رويداً، محطِّماً جدارَ الصمتِ الثقيلِ الذي لفَّ حواسَّها... فتحَتْ عينَيها على مصراعيهما، وقفزتْ فجأةً من مكانِها كأنَّ صاعقةً ضربتْ جسدَها، لترتدَّ إلى الوراءِ باحثةً عن جدارٍ تستندُ إليهِ وهي تلهثُ بجنونٍ.
كان زوجُها يوسف يقفُ أمامَها مباشرةً، ينظرُ إليها بقلقٍ، ويمدُّ يدَهُ ليمسكَ بها، لكنَّها ابتعدتْ عنهُ مذعورةً كأنَّها لم تتعرَّفْ عليهِ بعدُ، وأنفاسُها تتلاحقُ بعنفٍ، وعيناها الهالكتانِ تتنقلانِ بين وجهِهِ المرتعشِ وكفيْها.
رفعتْ يديها المرتجفتينِ أمامَ وجهِها مباشرةً، وبدأتْ تحدِّقُ فيهما بذهولٍ مرعبٍ وفزعٍ عارمٍ، كأنَّها تطاردُهما بعينيها بحثاً عن آثارِ الدماءِ والسكّينِ؛ تفركُ كفَّيها ببعضِهما بجنونٍ، غيرَ مصدقةٍ أنها تراهما نظيفتينِ كأن شيئاً لم يكن، وكأنَّ ما جرى لم يتركْ سوى أثرِ الكابوسِ في رأسِها.
استمرَّتْ في التراجعِ وهى تنظر اليه حتى اصطدمَ ظهرُها بالخزانةِ. اقتربَ منها يوسف بهدوءٍ شديدٍ قائلاً بصوتٍ دافئٍ ومطمئنٍّ: اهدئي... لكنَّها رفعتْ كفيها أمامَ وجهِها ترفضُ أيَّ لمسةٍ كأنَّها تحتمي من خطرٍ قاتلٍ.
جذبَها إليهِ بقوةٍ وهزَّ جسدَها برفقٍ وهو يهتفُ: فوقي... فوقي!. انهارتْ بين يديهِ تماماً، وسقطتْ على الأرضِ عاجزةً عنِ الحراكِ... احتواها بين يديهِ والقلقُ يملأُ قلبَهُ ويداهُ ترتعشانِ خوفاً عليها، حتَّى استطاعَ رفعَها بصعوبةٍ وتركها لتستلقيَ على السريرِ، ثم جرى في الشقةِ كالمجنونِ إلى أن وصلَ إلى الهاتفِ وطلبَ الطبيبَ.
بينما كان يوسف غارقاً في مكالمته الهاتفية، استعادت نادية جزءاً من وعيها المشتت، لكنَّ الرعبَ كان قد أكلَ روحَها... و زحفتْ ببطءٍ شديدٍ نحو زاويةِ الغرفةِ، وجلستْ متكورةً على نفسها، تضمُّ ركبتيها إلى صدرِها بقوةٍ مفرطةٍ، وعيناها المتسعتانِ متثبتتانِ على جدرانِ الغرفةِ الفارغةِ كأنَّهما ترصدانِ أشباحاً لا يراها غيرُها .
حين أنهى يوسف مكالمته واقترب منها ليطمئنَ عليها، محاولاً مدَّ يدِهِ نحو كتفِها بحذرٍ شديدٍ، أطلقتْ من بين أسنانِها أصواتاً غريبةً ومختنقةً تشبهُ الأنينَ الحادَّ، وابتعدتْ بوجهها وتراجعت للخلفِ اكثر كأنها تبتعد عن شبحاً.
وقفَ يوسف مكانَهُ عاجزاً، تكسوه حيرةٌ قاتلةٌ وألمٌ عميقٌ، لا يستطيعُ الاقترابَ منها ولا تحملَ رؤيتها بهذا الانهيارِ المرعبِ، إلى أن دوتْ طرَقَاتُ الطبيبِ على بابِ الشقةِ معلنةً وصولَهُ.
بعد وقت قصير، كان الدكتور "مراد" يجلس في غرفة المعيشة المجاورة، يغلق حقيبته الطبية بهدوء، بينما كان يوسف يقف بالقرب من النافذة، يفرك كفيه بقلق بالغ، وعيناه معلقاتان بباب غرفة النوم حيث استغرقت "نادية" في نوم عميق بفعل الحقنة المهدئة التي أعطاها إياها الطبيب.
التفت الطبيب مراد إليه، وقال بصوت هادئ يحمل ثقل التجربة: — اطمئن يا يوسف، المهدئ أثّر عليها وسيضمن لها ساعات من النوم الهادئ ليتراجع التوتر العصبي الحاد.
لكن... لا يمكننا الاستمرار هكذا طويلاً، فالأمر بات يتجاوز مجرد نوبات عابرة.
اقترب يوسف بخطوات بطيئة، وظهرت على وجهه علامات الإرهاق العميقة، ليهتف بصوت خفيض وشبه منكسر: — حالتها تتدهور يا دكتور مراد بشكل مرعب...الأمر لم يعد كوابيس عادية، بل إن الأدهى من ذلك هو صمتها المطلق؛ إنها لا تفصح أبداً عما تراه أو تعيشه في تلك العوالم المظلمة أثناء نومها . ترفض أن تبوح بحرف واحد عما يدور في عقلها.
تأمل الطبيب مراد ملامح يوسف المنهكة ثم تابع بجدية: — تذكر يا يوسف كيف بدأ الأمر في البداية؛ مجرد أحلام بسيطة عابرة وكوابيس خفيفة لم تكن تحمل أي معنى خطير أو تهديد حقيقي، وكدنا نغفل عنها لولا تكرارها.
لكن الآن... هذا الصمت المطبق الذي تلجأ إليه هو الجانب الأكثر خطورة، لأنه يحول ما بداخلها إلى سجن خفي يأكلها ببطء من الداخل.
رفع الطبيب نظاراته قليلاً وأردف بحسم: — إذا كانت الأدوية والمهدئات لم تعد تجدي نفعاً، وصمتها يغذي هذا التدهور، فهذا يعني أننا تجاوزنا مرحلة العلاج المنزلي.
أعتقد أن الوقت قد حان لتنتقل "نادية" إلى مصحة أو مستشفى للعلاج النفسي المتخصص؛ فهناك ستتلقى رعاية متواصلة ومراقبة دقيقة لحالتها التي باتت تشكل خطراً حقيقياً عليها وعلى استقراركما.
قطب يوسف جبينه بغضب مكتوم، وهز راسه بقوة وهو يجيب بحسم قاطع: — لن يحدث هذا أبداً! لقد ناقشنا هذا الأمر سابقاً يا دكتور، وأنا لن أوافق على حجزها في تلك الأماكن أبداً.
رد الطبيب بهدوء وهو يلملم أوراقه: — لكن يا يوسف، البقاء في هذا المحيط بصمتها الحالي أصبح خطراً داهماً عليها وعليك.
قاطعه يوسف بصوت حازم وثابت، بينما كانت عيناه تحدق في فراغ الغرفة: — قلت لن يحدث، سأبحث عن أي طريقة أخرى لإنقاذها، لكن مستشفيات الأمراض العقلية خط أحمر لن أسمح بتجاوزه أبداً.
بعد أن غادر الطبيب الشقة تاركاً خلفه ثقلاً من الحيرة والقلق، أغلق يوسف الباب ببطء، واستند برأسه إليه وهو يتنفس بصعوبة بالغة، محاولاً ترميم توازنه والالم الذى يعتصر قلبه... لكنه ما إن استدار ليعود إلى الداخل، حتى جمدت قدمه في مكانه.
قد تناهى إلى أذنيهِ من جهةِ المطبخِ المظلمِ صوتُ احتكاكٍ معدنيٍّ غامضٍ، يليهِ انزلاقٌ خافتٌ لشيءٍ مجهولٍ كانه يحتك على بلاطِ الأرضيةِ؛ صوتٌ مبهمٌ ومتقطعٌ، أشبهُ بنصلٍ حادٍّ يُسحبُ ببطء.
دفعتهُ حيرتُهُ وقلقُهُ للتقدمِ ببطءٍ شديدٍ نحو المطبخِ المظلمِ، بخطواتٍ حذرة تكادُ لا تُسمعُ، محاولاً تبديدَ الشكِّ بيقينِ العيانِ. لكنَّهُ ما إن اقتربَ من المدخلِ، حتى تسمّرَ مكانَهُ فجأةً، وفتحتْ عيناهُ على مصراعيهما في رعبٍ مباغتٍ، بينما تجمدَ الدمُ في عروقهِ وهو يرى ظلاً حالكاً يتحركُ ببطءٍ خلفَ زجاجِ المطبخِ الشفافِ، على شكل يدٍ غريبة ترتفعُ.. ثم تهبطُ، تاركةً إياهُ عالقاً بين هلعِ الواقعِ وظلالِ الوهمِ.
***
ظلال المجهولهبطَتْ ناديةُ إلى مقعدِها ببطءٍ غريبٍ، وأغمضتْ عينَيْها كأنها لم تفعلْ شيئاً، بينما كان الدكتورُ مراد واقفاً يلهثُ بعنفٍ، يفركُ كفَّيه المرتجفتينِ كمن شاهدَ شبحاً ينشقُّ عن الأرضِ، ولم يجدْ ما يقولهُ أمامَ هذا الانهيارِ الكاملِ لكلِّ قوانينِ الطبِّ والعقلِ. أما يوسفُ، فقد وقفَ منتصباً، وقد تلاشتْ من عينيهِ كلُّ نظراتِ الترددِ والرجاء، ليحلَّ محلَّها جمودٌ حادٌّ كالنصلِ.اقتربَ منه مراد بخطواتٍ متعثرةٍ، وقال بصوتٍ متحشرجٍ يكادُ يضيعُ في صمتِ الغرفةِ:يوسفُ... أعلمُ أن ما رأيناه يعجزُ العقلُ عن استيعابِهِ، ولعلهُ تفريغٌ عصبيٌّ حادٌّ... لكننا يجب أن نستمرَّ في الجلساتِ لنعرفَ كيف نوقفُ هذا الانجرافَ...قاطعه يوسفُ بصوتٍ جافٍ يقطرُ يأساً ومرارةً، كأنما ينحتُ الكلماتِ من صخرٍ:كفى يا دكتور مراد! انتهى الأمر. أيُّ طبٍّ هذا الذي نتحدثُ عنه بعد ما رأيناه؟ العقلُ نفسه عاجز امام هذا ! انا بدأت أصل إلى حافةِ الجنونِ، ولن أترددَ بعد اليومِ في طرقِ أيِّ بابٍ.. سأبحثُ عن شيخٍ، عن عارفٍ، أو حتى عن ساحرٍ إن كان في هذا سيبقيها على قيدِ الحياةِ! لن أتركها فريسةً لهذا العذابِ.التفتَ إليه
نداء الظلامقبلَ إذنِ قمرِ بدقائقَ معٍ، طيرَ يوسفُ في فراشِهِ بحثتاً عن دفءِ ناديةَ كعودهِ، لكن كفَّهُ لم تلمسْ بضعة سادةِ جمعتِ الجمعةَ وخاويةٍ... فتحَ روجِ دفعةً واحدةً، وانتفضَ من مكانِهِ وقد سبقَ قلبُهُ جسمَهُ إلى خوفِ، فتلقى نظرة سريعاً في الغرفةِ فلاشقةِ في العتمة فلم تجدْها، ثم خرجَ مسرعاًُ. بين أرجاء المنشأة، حتى تتوقف عند دخولِ.كانت ناديةُ وحدَها في قلبِ الظلامِ، ساكنةً بصورةٍ عكستِ الرعبَ في صدرِهِ، تحدقُ بثباتٍ غريبٍ في التمثالٍ الفرعونيٍّ المستقرِّ فوق سطحِِ، ولا تراهُ بعينيها فقط، بل انتظرُ منه شيئاً لا يعرفهُ.اقتربَ منها يوسفُ بحذرٍ، هناك أنفاسُهُ توجعُ كلما اقتربَ أكثرَ، ثم مدَّهِ ناجيٍ ووضعَها كتفها علىِها المرتجفِ، وقال بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلقُ: ـ ناديةُ... حبيبتي، ماذا تفعلين هنا وحدكِ في هذا الوقتِ؟لم تجبهُ فوراً، وظلتْ عيناها حديثتينِ بالمثالِ، ثم انتفضَ جسدُها فجأةً ونهضتْ بحركةٍ لامعةٍ غيرِ طبيعتِها، وتتفتتْ إليه كما لو أنها تسمعُه للمرة الأولى صوت، عيناها مفتوحتين لكنهما خاليتانِ من أيِّ تعبيرٍ، قبل أن تقولَ بصوتٍ أجشَّ خافتٍ: ـ تفضل... تنادي علي...الجوائ
أبواب الذاكرةكانَ صمتُ الغرفةِ أثقلَ من أن تحتملَهُ الجدران. جلسَ يوسفُ إلى جوارِ نادية، يحتضنُ كفَّها الباردةَ بين يديه، بينما وقفَ الدكتورُ مراد أمامها يراقبُ انتظامَ أنفاسِها، وينتظرُ اللحظةَ التي تستقرُّ فيها ذاكرتُها خلفَ ذلك السكون.قال بصوتٍ هادئٍ: ـ ناديةُ... هل تسمعينني؟ ـ نعم. ـ هل تعرفين أين أنتِ؟ ـ في عيادةِ الدكتورِ مراد. ـ جيدُ... لا تحاولي التفكيرَ في شيءٍ. فقط اتركي الذكرياتِ تأتي وحدها... أريدُ منكِ أن تعودي إلى آخرِ مكانٍ شعرتِ فيهِ بالسعادةِ مع يوسفَ... المكانِ الذي تتذكرينه بوضوحٍ.ساد الصمتُ، وتحركتْ جفونُها تحتَ عينيها المغلقتين، ثم ارتسمتْ على شفتيها ابتسامةٌ خفيفةٌ: ـ كنا مسافرين.لم يتحرك مراد، بل تابع بنبرة إنسيابية: ـ إلى أين؟ تنفستْ ببطءٍ: ـ الصحراءُ. ـ هل تتذكرين متى؟ صمتت لحظةً، ثم قالت: ـ شهرُ العسلِ وبدأت ملامحها تتغير .تبادلَ مرادُ ويوسفُ نظرةً سريعةً، لكنَّ الطبيبَ لم يسمح لدهشتهِ أن تظهرَ، بل واصلَ ببرودٍ مهنيٍّ: ـ خذي وقتكِ... لا تبحثي عن شيءٍ. فقط أخبريني بما ترينه الآن.بقيت نادية ساكنةً برهةً، ثم قالت بصوتٍ أكثرِ وضوحًا: ـ الطريقُ. ـ أي طريقٍ؟
بداية الاختراقتقدمَ يوسفُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ كأنه يقرع طبولَ الفزع، ومدَّ يدَهُ المرتجفةَ ليلامسَ كتفها بحذرٍ شديد، وهو ينادي بصوتٍ خفيضٍ يغلبُهُ القلق: ـ نادية... حبيبتي، هل أنتِ بخير؟كأن صوته كان التعويذةَ التي أنهت ذلك السحرَ الأسودَ؛ فجأةً، وبحركةٍ مباغتةٍ تشبه انتفاضةَ النائمِ، اهتزَّ جسدُها، وزالت تلك التصلباتُ المرعبةُ عن ملامحِها... التفتتْ إليه بابتسامةٍ هادئةٍ وعاديةٍ تماماً، وقالت بصوتها الطبيعي... هل انتهيتَ من إعدادِ الفطور بهذه السرعة ؟وقف يوسف مسمَّراً مكانه، يحدقُ فيها بذهولٍ قاتل؛ مع اختفاء آثار الرعبِ في عينيها، وكل أثر لتلك الابتسامةِ الميتةِ التي كانت ترافقُ انعكاسَها في المرآةِ قبل ثوانٍ معدودة. حاول أن يبتسمَ بتكلفٍ ليخفي اضطرابَهُ، وقال بصوتٍ متحشرج: ـ ن... نعم، الفطور جاهز.مرَّ ذلك اليومُ بثقلٍ مذهلٍ على أعصابِ يوسف، كان يراقبُ كلَّ حركةٍ تقومُ بها، وكل نظرةٍ ترمقُها عيناها، بينما كانت هي تتعاملُ بصورةٍ طبيعيةٍ تماماً وكأن شيئاً لم يكن... ومع حلولِ المساء، وحين خلعتْ حذاءها واستغرقتْ في النومِ المتقطع، تسللَ يوسفُ بهدوءٍ إلى الشرفةِ
الفصل الرابع : بداية المطرلم تتأخرْ في الاستجابةِ لندائهِ؛ بل وصلتْ إليهِ وباتتِ ابتسامتُها الهادئةُ تسبقُ خطواتِها، وسألتهُ بنبرةٍ طبيعيةٍ تخلو من أيِّ توجسٍ:ماذا بك يا حبيبي، هل ناديتني؟عقدَ حاجبيْه بذهولٍ، ومدَّ يدَهُ ليشيرَ إلى الدرجِ المفتوحِ، وسألَها بصوتٍ مشحونٍ بالقلقِ:أين السكاكينُ التي كانت هنا؟ لا يوجدُ شيءٌ في الدرجِ على الإطلاقِ!أطلقتْ ضحكةً خفيفةً، رقيقةً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تلمعانِ ببريقٍ غامضٍ وقالت بتهكمٍ هادئٍ:أمسِ كنا ننظفُ المطبخَ يا حبيبي، وكلُّ الأشياءِ موجودةٌ في الدولابِ الكبيرِ بالأسفلِ.أدارتْ ظهرَها ببطءٍ، وتركتْهُ واقفاً بمفردهِ في منتصفِ المطبخِ بطريقةٍ مثيرةٍ ومريبةٍ، وكأنها تتركهُ يصارعُ أفكارَهُ وحدَهُ في هذه المتاهةِ الجديدةِ.اخرج يوسفُ نفس قوى وتمتم فى سره هل اصابنى انا الاخر التوتر من اى شئ حولى ، وعادَ إلى المطبخ ليكملَ إعدادَ الفطور، لكنَّ يديه ظلّتا تتحركانِ بصورةٍ آلية، بينما كان ذهنه قد ابتعدَ تمامًا عن المكان، وعادَ به إلى سنواتٍ بعيدة، إلى يومٍ لم يكن يعرف فيه نادية، ولم يكن يعرف أن فتاةً تدخل قاعةَ المحاضرات متأخرةً في صباحٍ ممطر
الفصل الثالث : الهدوء الغامضالتقط يوسف أنفاسه بصعوبة بالغة، وتصلب جسده في منتصف الرواق المظلم، لكنه لم يكن من الرجال الذين يهابون الظلال أو يستسلمون للذعر الخفى فهو لا يأمن بوجود قوة خارقة . لهذا ظل عقله يرفض الاستسلام للوهم، مؤمناً بأن الرعب الحقيقى داخل النفس البشرية ولا يوجد شئ بدون تفسير .وبحركه واثقة وثابتة، تقدم نحو المطبخ المظلم بخطوات بطيئة، وأضاء النور بينما كان صوت الاحتكاك المعدني الخافت مازال يتكرر بانتظام مزعج، نظر الى كل شئ حولة فلم يكن هناك اى شئ غير عادى وأدوات المطبخ ثابتة .اقترب ... ومد يده بحسم وفتح شباك المطبخ المطل على الشارع، ليتدفق هواء الليل البارد محاملاً بصوت حفيف خشن؛ وإذا به يكتشف أن ما ظنه حركة يد أو ظل كائن غريب، لم يكن سوى أغصان الشجرة القديمة المجاورة للنافذة، والتي كانت تضرب الزجاج وتتحرك بحدة مع كل هبوب الريح .تنفس يوسف الصعداء بابتسامة ساخرة من نفسه، وأغلق الشباك محكماً إغلاقه، مدركاً أن إرهاقه العصبي وقلقه المستمر على نادية قد بدأ يصنعان له أوهاماً مشابهة لكوابيسها، وعاد بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة مزمجراً بصمت: لا شيء يستحق الهلع.توجّه يوسف







