Share

اعجاب

last update publish date: 2026-04-23 13:24:25

في صباحٍ هادئ، كانت هتون تجلس مع الجدة قمر ولين، حين التفتت الجدة إليها بنبرة أخف من المعتاد، وكأنها تحمل خبرًا مختلفًا هذه المرة:

“هتون… هناك حفل زفاف قريب.”

رفعت هتون عينيها بتساؤل.

تابعت الجدة:

“ابن عم سامر… ابن منير الربيع. العائلة دعتنا جميعًا، وأريدكِ أن تأتي معنا.”

ترددت هتون قليلًا، وكأن الفكرة بدت بعيدة عن حالتها:

“زفاف؟ لا أعلم إن كنت مستعدة…”

تدخلت لين بسرعة، بابتسامة مشجعة:

“بل أنتِ مستعدة! سنجهّزكِ أنا والجدة، وستكونين أجمل الحاضرين.”

نظرت هتون بينهما، ثم تنفست ببطء:

“ربما… ربما أحتاج فعلًا أن أخرج من هذا الجو.”

ابتسمت الجدة برضا:

“إذن اتفقنا.”

في يوم الحفل، كانت الغرفة تعجّ بحركة خفيفة.

لين تختار، والجدة تعلّق، وهتون تقف أمام المرآة بصمت، وكأنها ترى نفسها بعد فترة طويلة من الانكسار.

ارتدت فستانًا بسيطًا، أنيقًا دون مبالغة. لم يكن لافتًا بقدر ما كان يعكس هدوءها الجديد. شعرها منسدل بعناية، وملامحها طبيعية، لكن فيها شيء مختلف… قوة هادئة لم تكن موجودة من قبل.

نظرت إلى نفسها للحظة، وكأنها لا تصدق:

“هل هذه أنا؟”

اقتربت لين وقالت بحماس:

“نعم! وهذه أجمل نسخة منكِ.”

أما الجدة، فاكتفت بنظرة طويلة، ثم قالت:

“الجمال لا يأتي من الفستان… بل من السلام الذي بدأ يعود لكِ.”

في الأسفل، كان سامر ينتظر.

حين نزلت هتون…

توقف.

لم يكن التغيير صاخبًا، لكنه واضح.

نظر إليها للحظة أطول مما ينبغي، ثم تدارك نفسه بسرعة، وأبعد نظره قليلًا، وكأنه لا يريد أن يُظهر ما شعر به.

قال بنبرة طبيعية:

“جاهزة؟”

لكن صوته لم يكن ثابتًا تمامًا.

لاحظت الجدة ذلك، لكنها لم تعلق، فقط ابتسمت بخفة.

أما هتون، فلم تنتبه لكل التفاصيل، فقط أومأت:

“نعم.”

في الطريق، كان الجو أخفّ.

لين تتحدث بحماس، والجدة تتابعها، بينما هتون تنظر من النافذة، لكنها هذه المرة لم تكن غارقة في القلق… بل تراقب الحياة تعود تدريجيًا.

أما سامر، فكان يقود بصمت أكثر من المعتاد.

يلتفت أحيانًا، دون قصد واضح، ثم يعيد نظره للطريق بسرعة.

كان يحاول أن يبقي كل شيء طبيعيًا…

لكن شيئًا ما في داخله بدأ يتغيّر، بهدوء لا يعلنه.

وعند وصولهم إلى قاعة الزفاف، كانت الأضواء والموسيقى والوجوه المبتسمة عالمًا مختلفًا تمامًا عما عاشته هتون مؤخرًا.

توقفت للحظة عند المدخل.

ثم تنفست بعمق… ودخلت.

هذه المرة، لم تكن تهرب من الماضي…

بل تخطو خطوة صغيرة نحو حياة بدأت تتشكل من جديد.

داخل قاعة الزفاف، كان كل شيء نابضًا بالحياة؛ الأضواء تتلألأ، والموسيقى تملأ المكان، والضحكات تتردد في الأرجاء.

في البداية، بقيت هتون قريبة من الجدة ولين، تراقب بصمت، لكن شيئًا فشيئًا… بدأت تندمج.

ابتسمت.

ثم ضحكت.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، كان ضحكها حقيقيًا، غير مكسور، غير متردد.

كانت لين تسحبها نحو تفاصيل الحفل، تريها الزينة، وتعلّق على كل شيء بحماس، بينما الجدة قمر تراقبهما بابتسامة رضا هادئة.

أما سامر…

فكان يراقبها من بعيد.

لم يكن يحدّق بشكل واضح، لكنه كان يلتفت كلما تحركت، وكلما ضحكت. كان يلاحظ ذلك التغيّر فيها… ذلك النور الخفيف الذي عاد إلى ملامحها، دون أن تعود إلى ضعفها القديم.

وفي كل مرة تبتسم فيها، كان شيء داخله يتحرّك، لكنه يُخفيه بهدوء، وكأنه لا يريد أن يمنح هذا الشعور اسمًا بعد.

وخلال الحفل، اقتربت منها فتاة بابتسامة لطيفة:

“أنتِ هتون، أليس كذلك؟”

التفتت هتون، ونظرت إليها.

كانت فتاة جميلة، لكن جمالها لم يكن صاخبًا… بل هادئًا، مريحًا للعين، يحمل دفئًا في ملامحها.

قالت بابتسامة:

“أنا ريم… ابنة عم سامر.”

بادلتها هتون الابتسامة:

“تشرفتُ بكِ.”

جلستا معًا، وبدأ الحديث بينهما بسهولة غير متوقعة.

كانت ريم خفيفة الظل، لطيفة في كلامها، لا تتدخل بفضول، لكنها تمنح مساحة مريحة للحديث. ومع الوقت، شعرت هتون أنها تتحدث دون تردد، دون حذر.

قالت ريم بلطف:

“سامر لا يتحدث كثيرًا عن الناس… لكنكِ تبدين شخصًا مهمًا في حياته.”

ترددت هتون قليلًا، ثم ابتسمت:

“ربما… لأنه كان موجودًا حين احتجت ذلك.”

ابتسمت ريم، وكأنها فهمت أكثر مما قيل.

في الجهة الأخرى من القاعة، كان بعض أبناء عمومة سامر وأصدقائه يتحدثون.

نظراتهم كانت تتجه نحو هتون بين الحين والآخر.

“من هي؟”

“تبدو مختلفة… هادئة، لكن لافتة.”

“فيها شيء مميز.”

لم تكن كلماتهم عالية، لكنها وصلت بشكل غير مباشر.

كان الإعجاب واضحًا… ليس فقط بجمالها، بل بطريقة حضورها.

أما سامر، فسمع بعض تلك التعليقات.

لم يعلّق.

لكنه شعر بشيء داخلي لم يتوقعه—شيء أقرب إلى… الانتباه الزائد.

عاد بنظره إليها.

كانت تضحك مع ريم.

ببساطة… بدون خوف.

وهذا وحده كان كافيًا ليغيّر شيئًا عميقًا في داخله.

في تلك الليلة، لم تكن هتون مجرد ضيفة في حفل زفاف…

بل كانت شخصًا يعود إلى الحياة، خطوة صغيرة، لكنها واضحة.

ومن بين كل الأصوات، وكل الوجوه…

كانت ابتسامتها هي الشيء الذي لفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر.

في تلك اللحظة، اقترب سامر.

توقف أمامها، ثم قال بنبرة هادئة:

“هل أنتِ مرتاحة؟”

أومأت:

“نعم.”

تردد لثانية، وكأن السؤال التالي ليس سهلًا عليه، ثم قال:

“هل… ترغبين بالرقص؟”

رفعت عينيها نحوه بدهشة خفيفة.

لم يكن العرض متوقعًا.

نظرت حولها، إلى الأزواج الذين يرقصون، إلى الأجواء، ثم عادت إليه.

ترددت.

ثم… ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:

“حسنًا.”

مدّ يده بهدوء.

وضعت يدها في يده.

وتحركا نحو ساحة الرقص.

لم يكن الرقص استعراضًا… بل هادئًا، بسيطًا، ينسجم مع حالتهما.

كانت هتون متوترة في البداية، لكن مع اللحظات، بدأت تسترخي قليلًا.

أما سامر، فكان حذرًا في كل حركة، كأنه لا يريد أن يربكها.

لكن عينيه…

لم تستطيعا إخفاء شيء.

كان يراها… ليس كما كانت قبل

كانت القاعة غارقة في أضواءٍ دافئة، تنعكس على وجوه الحاضرين، لكن هتون لم تعد ترى أحدًا سواه.

كانت عيناها معلّقتين بسامر… وهو كذلك.

دارا ببطء، بخطواتٍ هادئة، أقرب إلى الهمس منها إلى الرقص. شعرت هتون أن المسافة بينهما لم تعد كما كانت من قبل… لم تعد رسمية، ولا متحفظة، بل شيءٌ أقرب… وأصدق.

رفعت نظرها إليه للحظة، فالتقت عيونهما مباشرة.

ارتبكت… لكنها لم تُبعد نظرها.

وفي داخلها، همست:

“كم أصبحنا قريبين… في هذه الأسابيع القليلة فقط.”

كان شعورًا غريبًا… لم يكن حبًا واضحًا بعد، لكنه لم يعد مجرد معرفة عابرة. كان هناك دفء، واطمئنان، وشيءٌ يكبر بصمت دون أن يطلب الإذن.

لاحظ سامر شرودها، فابتسم بخفة وقال:

“أين ذهبتِ؟”

تنفست بعمق، ثم قالت بصوتٍ ناعم:

“معك… لكني أفكر.”

اقترب خطوة صغيرة، وكأن المسافة لم تعد تعجبه:

“تفكرين بماذا؟”

ترددت للحظة… ثم ابتسمت، محاولة الهروب:

“بأن هذه أول مرة أستمتع فيها برقصٍ كهذا.”

لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط. فقط نظر إليها بنظرة مختلفة… أعمق.

وقال بهدوء:

“وأنا أول مرة… لا أريد أن تنتهي.”

تسارعت دقات قلبها دون إرادتها.

خفضت عينيها، لكنها لم تسحب يدها هذه المرة.

بل… شدّت عليها بخفة.

وكأنها، دون أن تعترف، بدأت تسمح له بالاقتراب أكثر.

توقّفت الموسيقى في أذن هتون، لا لأنّها انقطعت، بل لأنّ شيئًا في داخلها انكسر فجأة.

كانت لا تزال تشعر بدفء يد سامر قبل لحظات… ثم اختفى ذلك الدفء، كأنّه لم يكن.

تقدّمت المرأة بخطواتٍ واثقة، حتى وقفت أمامهما، ونظرتها ثابتة على سامر وحده، ثم قالت بصوتٍ هادئ يحمل معرفة قديمة:

“ألهذا الحدّ صار اللقاء بيننا مؤجَّلًا؟”

ارتبك سامر، وانعقدت الكلمات في حلقه، ثم قال بصوتٍ منخفض:

“ليلى… ليس الآن.”

لكن الاسم كان كافيًا.

التفتت هتون إليه ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما تسمعه حقيقة.

“ليلى؟”

لم يجب.

وذلك الصمت… كان أبلغ من أي اعتراف.

رفعت المرأة طرف ابتسامتها، ثم قالت بنبرة خفيفة، لكنها حادّة:

“لم أكن أعلم أنّ لك حياةً أخرى تسير بهذه السرعة.”

شعرت هتون بشيءٍ يهبط في صدرها… ثقيل، موجع، لا اسم له.

سحبت يدها من يده، ببطءٍ هذه المرّة، وكأنها تنتزع نفسها من وهمٍ كانت تصدّقه.

قال سامر، وقد تقدّم خطوة نحوها:

“هتون، أقسم لكِ أنّ الأمر ليس كما يبدو—”

قاطعته، وصوتها هادئ على نحوٍ مخيف:

“بل هو كما يبدو تمامًا.”

نظر إليها بدهشةٍ وألم:

“استمعي إليّ أولًا.”

هزّت رأسها نفيًا، وعيناها تلمعان بدموعٍ لم تسقط بعد:

“أستمع؟ وماذا سأسمع؟ تفسيرًا لعلاقةٍ لم تخبرني عنها؟ أم اعتذارًا متأخرًا؟”

صمت.

لم يجد ما يقوله… أو ربما وجد، لكنه جاء متأخرًا.

تنفّست هتون بعمق، محاولةً أن تثبّت ارتجافها، ثم قالت:

“كنتُ أظنّ أن القرب الذي نشأ بيننا… صادق. بسيط. بلا تعقيد.”

توقّفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أخفض:

“لكن يبدو أنّني كنتُ وحدي من يراه كذلك.”

مدّ سامر يده نحوها، كأنّه يخشى أن تفلت منه:

“لم تكوني وحدك.”

رفعت عينيها إليه، وفيهما ألمٌ صريح:

“لكنّني كنتُ الوحيدة التي لا تعرف الحقيقة.”

ساد صمتٌ ثقيل.

حتى المرأة نفسها لم تتدخّل، وكأنّها تراقب مشهدًا تعرف نهايته مسبقًا.

ابتسمت هتون… ابتسامة صغيرة، مكسورة:

“شكرًا لك… لأنّك جعلتني أرى الأمور بوضوح.”

ثم استدارت.

هذه المرّة، لم تتردّد.

مشت بخطواتٍ ثابتة، رغم أن قلبها كان ينهار مع كل خطوة.

أما سامر، فبقي واقفًا في مكانه، يراقب رحيلها، وعيناه تحملان شيئًا يشبه الندم… لكنّه ندمٌ جاء بعد أن فات أوانه.

وعندما اختفت عن ناظريه

أدرك، بصمتٍ موجع، أنّه لم يخسر موقفًا عابرًا…

بل خسرها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   اخر جزاء

    مع انتهاء الحفل وهدوء المكان تدريجيًا، بدأ الضيوف بالمغادرة، وبقيت هتون للحظات قليلة قبل أن تستأذن هي الأخرى. وقفت قرب الجدة مرة أخيرة، وأمسكت يدها بلطف: “أرجو أن تكوني بخير دائمًا.” ابتسمت الجدة وربتت على يدها: “وأنتِ أيضًا… لا تغيبي طويلًا.” وودعت هاجر ومازن وبركت لهم . اكتفت هتون بابتسامة صغيرة، ثم التفتت نحو الحضور بإيماءة وداع عامة، دون أن تستثني أحدًا، وكأنها تغلق هذا اليوم بكل تفاصيله بهدوء. مرّت قرب سامر مرة أخيرة. توقف الزمن في تلك اللحظة لثوانٍ، لا حديث، لا نظرات طويلة، فقط لقاء عابر بين مسافتين. اكتفت هتون بإيماءة خفيفة جدًا، أقرب إلى التحية الرسمية، ثم واصلت طريقها دون أن تلتفت. هذه المرة لم يكن هناك ثقل… ولا انتظار… ولا محاولة لفهم ما لم يُقال. في الخارج، كان الهواء ليليًا هادئًا، والمدينة تمضي كعادتها بلا توقف. سارت هتون بخطوات ثابتة، تحمل في داخلها سكونًا مختلفًا عن بدايتها؛ ليس هروبًا، ولا ألمًا، بل فهمًا بسيطًا أن بعض الفصول لا تُعاد، بل تُغلق كما يجب. كانت قد عرفت طريقها، حتى لو لم يكن كله واضحًا بعد. وفي آخر مشهد… اختفت خطواتها تدريجي

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   سعاده

    بعد لحظات من الفوضى اللطيفة والضحك الذي لم تستطع كبحه، هدأت هتون قليلًا، لكنها ما لبثت أن انفجرت ضاحكة من جديد بكل صدق، كأنها تفرّغ عنها كل ما كان يثقل صدرها منذ أسابيع.جلست على مقعد خشبي قرب الحظيرة، تمسح دموع الضحك من عينيها، بينما العمة منيرة تنظر إليها بابتسامة دافئة، وقد بدا عليها السرور لرؤيتها بهذه الحالة.قالت هتون وهي تلتقط أنفاسها:“لم أكن أظن أنني سأضحك هكذا هنا… كدت أهرب من بقرة ودجاج في يوم واحد!”ضحكت العمة منيرة أيضًا، وربتت على كتفها:“هذه بداية جيدة، إذن أنتِ أصبحتِ واحدة منّا الآن.”مرّ الوقت سريعًا في ذلك اليوم بين حديث وضحك ومساعدة بسيطة لم تعد فيها هتون متوترة كما في البداية.وفي المساء، عندما اجتمع أهل القرية في مساحة صغيرة قرب الكوخ، جلست هتون بينهم بهدوء، تستمع أكثر مما تتكلم، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها.وقبل رحيل العمة منيرة، التفتت إليها هتون وقالت بصدق:“أريد أن أقول شيئًا… سأعود إلى المدينة بعد أيام قليلة، لكنني لن أعتبر هذه الزيارة الأخيرة.”توقفت قليلًا ثم أضافت:“لقد أحببت هذا المكان… الناس، البساطة، وحتى الفوضى التي فيه.”ابتسمت العمة منيرة وقالت:“ا

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   وداعا

    هتون كانت تحاول أن تبدو عادية، ترد على كلام الجدة بجمل قصيرة، وتجاري لين ب حديثها و طقتها وهي تتحدث عن كل م حدث معها بالمدرسه وتكتفي بالاستماع أكثر من المشاركة. لكنها كانت تشعر بثقل النظرات حولها، خصوصًا نظرة سامر التي كانت تأتيها ثم تنسحب وكأنها تبحث عن إجابة لا يريد طرحه.ساد صمت قصير بعد لحظات العشاء المتوترة، ثم تحركت هتون بهدوء، ورفعت نظرها إلى الجميع دفعة واحدة، دون أن تفرّق بين أحد وآخر.قالت بصوت هادئ وواضح:“أعتذر منكم جميعًا… طرأ أمرٌ ما ويجب أن أغادر الآن.”تبادل الحاضرون النظرات في صمت، بينما بقيت الجدة تراقبها بملامح تجمع بين الاستغراب وعدم الرضا عن استعجالها.اقتربت هتون أولًا من الجدة، وانحنت قليلًا احترامًا، ثم قالت بلطف:“أعتذر منكِ.”فأجابت الجدة بصوت خافت:“كنتِ ستبقين قليلًا على الأقل…”لكن هتون اكتفت بابتسامة مهذبة دون نقاش إضافي.ثم التفتت إلى البقية دفعة واحدة، واكتفت بإيماءة احترام عامة، دون الدخول في توديع مطوّل أو كلمات كثيرة.اقتربت من هاجر وودّعتها باختصار، وكذلك من ومازن، وكل منهما ردّ التحية بهدوء.ثم تحركت مباشرة نحو الباب.وعند مرورها قرب سامر، لم تتوقف

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   ليس مكاني

    كانت الأيام تمضي، لكن الجوّ في الشركة لم يهدأ كما ينبغي. كلمات الأصدقاء لم تتوقف، ولم تعد مجرد تلميحات عابرة، بل صارت تُقال كلما سنحت الفرصة، وكأنها محاولة متعمّدة لدفع هتون إلى ردّة فعل. وهتون… كانت تصمت. لكن الصمت هذه المرة لم يكن كافيًا ليحميها من الداخل. في أحد الأيام، خرجت هتون من قاعة الاجتماعات بعد انتهاء يومٍ طويل. كانت تحمل بعض الملفات، وخطواتها أبطأ من المعتاد، وملامحها أقل تماسكًا. مرّت قرب مجموعة الأصدقاء.” ضحك مروان بخفة: “أحيانًا الإنسان يقترب من مكان ليس مكانه.” لم ترد هتون. لكن تلك الجملة الأخيرة كانت كفيلة بأن تُسقط ما تبقى من توازنها الداخلي. توقفت للحظة، قبضت على الملفات بقوة، ثم تابعت طريقها دون أن تنظر إليهم. خرجت إلى الممر الخارجي، ثم إلى الساحة الجانبية للمبنى. الهواء البارد اصطدم بوجهها، لكنها لم تشعر به. كانت الكلمات تدور في رأسها بلا توقف… “ليس مكانها…” خفضت نظرها، وشعرت أن صدرها يضيق أكثر من اللازم. حاولت أن تسيطر على نفسها، لكن شيئًا ما كان ينهار بصمت. في تلك اللحظة، كان سامر يخرج من جهة أخرى، وعيناه وقعتا عليها فورًا. لاحظ تغيّرها… خطواتها

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   سعاده

    امتدّت أجواءُ الفرح في أرجاءِ المكان، وازدادت دفئًا مع توافد العائلة والمقرّبين. كان كمال حاضرًا برفقة زوجته بسمة، وقد بدت على وجهها ابتسامةٌ هادئة تعبّر عن سعادتها، بينما كانت طفلتهما الصغيرة—هتون—تتشبّث بيده بين الحين والآخر، وعيناها تدوران في المكان بفضولٍ بريء. أمّا طفلهما الأصغر، فكان في أحضان والدته، يراقب الأضواء والحركة بدهشةٍ صامتة. اقترب كمال من هتون (الكبيرة)، وقال بودٍّ صادق: “أخيرًا نلتقي في مناسبةٍ سعيدة كهذه.” ابتسمت له، وانحنت قليلًا نحو الصغيرة: مرحبا هتون الصغيرة. اختبأت الطفلة خلف والدها بخجل، فضحك كمال بخفة: “ستعتاد عليكِ سريعًا…” في زاويةٍ أخرى، كانت الجدة قمر تجلس بهدوء، تُراقب المشهد بعينين تحملان حكمة السنين ورضًا عميقًا. إلى جانبها جلست لين، أكثر هدوءًا من المعتاد، لكنها بدت مطمئنة وسط هذا الجمع. قالت الجدة قمر بصوتٍ حانٍ: “الفرح حين يكون صادقًا… ينعكس على الجميع.” أومأت لين برأسها، وعيناها تتبعان تفاصيل الحفل، وكأنها تستوعب تلك اللحظات بطريقتها الخاصة. ولم تكن ريم بعيدة عن المشهد، إذ كانت تتنقّل بخفةٍ بين الحضور، تُساعد هنا وتُمازح هنا

  • ضد رغبتهم …..اخترت نفسي   عرس

    في أحد المساءات، اقترح مازن أن يجتمع الفريق خارج العمل لتناول العشاء معًا، بعيدًا عن ضغط الشركة وأجوائها. كان المكان هادئًا ودافئًا، طاولة مستديرة جمعت هتون وسامر، ومازن وهاجر، وانضم إليهم لاحقًا كمال وزوجته بسمة. الأجواء في البداية كانت رسمية قليلًا، لكن مع الوقت بدأت الضحكات الخفيفة وكسر الجليد بين الجميع. قال كمال بابتسامة وهو ينظر حول الطاولة: “أخيرًا أراكم جميعًا في مكان واحد بعيدًا عن الملفات والاجتماعات.” ضحكت بسمة: “وهذه أول مرة أرى فيها سامر يبتسم خارج العمل.” نظر سامر بخفة: “ربما لأنني لست في اجتماع.” ابتسمت هتون بهدوء دون تعليق، لكنها كانت أكثر ارتياحًا من السابق. بعد قليل، تبادل مازن وهاجر نظرة قصيرة، ثم ساد صمت خفيف قبل أن يتكلم مازن لأول مرة بنبرة مختلفة قليلًا عن المعتاد. “بما أننا جميعًا مجتمعون… هناك خبر أردنا مشاركته.” نظرت إليه هاجر بابتسامة خفيفة، ثم قالت: “يبدو أنك ستسبقني بالكلام هذه المرة.” رفع مازن نظره للجميع وقال بهدوء واضح: “أنا وهاجر… مخطوبان، وسنتزوج قريبًا.” ساد صمت قصير في الطاولة، قبل أن تنفجر الابتسامات والتهاني. ابتسمت هتون بصدق: “م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status