Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت التاسع عشر

Share

البارت التاسع عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-25 12:51:57

عاد أيمن إلى منزله بملامح منطفئة وخطوات يجرّها جرًّا، كأن الطريق الذي قطعه من بيت سعاد إلى عتبته لم يكن مسافة تُقاس بالأقدام، بل كان برزخًا قاسيًا عبر فيه من أوهام كان يتشبث بها بجموح، إلى حقيقة عارية صاعقة لا مفر من مواجهتها. أغلق الباب الخشبي خلفه بهدوء مبالغ فيه، ذلك السكون الجنائزي الذي لا يصدر إلا عن إنسان استنزف كل طاقته، وفقد القدرة تمامًا على الشرح، أو العتاب، أو التبرير. لم يكن بحاجة إلى سماع حرف واحد ليعرف حجم الهزيمة؛ فقد كانت نظرات سعاد في المجلس كافية لتهدم في ثوانٍ كل القلاع والقصور التي شيدها في مخيلته طوال الأيام الماضية.

انهار بجسده فوق الأريكة وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، دافنًا وجهه بين كفّيه الساخنتين، قبل أن يشخص ببصره نحو الفراغ طويلًا، كأن جدران الغرفة تباعدت فجأة واستحالت إلى مساحة هلامية بلا ملامح. لم ترفع سعاد صوتها في وجهه، لم تصرخ، لم توبّخه، ولم تمنحه حتى شرف الدخول معها في جدال عقيم، لكنها رمقته بنظرة أمٍّ جُرحت في أعز ما تملك وتعرف بدقة ما الذي تحميه الآن؛ نظرة امرأة شقت ثوب حدادها لتدفن ابنة، وأقسمت ألا تسمح بأن تُنحر ابنتها الأخرى وهي على قيد الحياة. كانت نظرة حاسمة، جافة، ومستقيمة كالرصاصة، لا تترك في مداها أي متسع للأمل، ولا حتى هامشًا ضئيلًا للمساومة.

استعاد أيمن تلك الدقائق القاتلة بكل تفاصيلها الموجعة؛ جلسته المتوترة أمامها، كلماته التي رتبها بعناية أمام المرآة قبل المجيء، صوته المتهدج الذي جاهد ليجعله هادئًا وواثقًا، ثم ذلك الصمت الرصاصي الثقيل الذي تلا عرضه. وحين نطقت سعاد، لم يكن في نبرتها غلظة أو قسوة مفتعلة، بل كان فيها وضوح كاسر يمزق نياط القلب: ليلى لن تتزوج، ليلى رأت من العذاب في هذا البيت ما يكفي ليملأ عمرها بالخوف، ليلى ليست بضاعة تُسلَّم بذات الأيدي لمصير رأت بعينيها كيف انتهى به المطاف تحت التراب مع شقيقتها. في تلك اللحظة تحديدًا، زالت الغشاوة عن عينيه وأدرك أن الرفض لم يكن موجهًا لطلبه أو لشخصه مجردًا، بل كان رفضًا قاطعًا لنمط حياته كلها، لبيته البارد، لسطوة أمه، لاسمه، ولكل لعنة صامتة يحملها معه أينما خطت قدماه.

نهض من مكانه مستثارًا، وبدأ يتحرك في أرجاء الصالة المظلمة بلا هدف، كأن جسده يبحث عن مخرج من سجن غير مرئي أطبق على أنفاسه. ساقته خطاه نحو غرفة الصغير يزن، فوقف عند عتبة الباب يتأمل طفله المستلقي في مهده، يغط في سلام وادع لا يليق بكل هذا الخراب الشامل الذي يحف بالمنزل. كان يزن صغيرًا جدًا على اختبار الفقد، صغيرًا على تحمل تبعات ذنب لم تقترفه يداه الغضتان. شعر أيمن بوخزة حادة وحارقة في قفصه الصدري، إحساس بالعجز المطلق والمهانة لم يسبق له أن اختبره بمثل هذه العنفوان، ومد إصبعه المرتعش ليلامس كف الصغير، فالتفت أصابع يزن الدقيقة حوله غريزيًا، كأنما يستنجد به من حلم مفزع.

في تلك الثواني، لفحت أيمن برودة الوحدة لأول مرة بوضوح جارح كالنصل. لا زوجة تحرس ليله، لا شريكة تقاسمه وطأة الأيام، ولا بيت آمن ومستقر يمكن أن يعد به أحدًا؛ حتى ابنه هذا، لا يملك له في حطام الدنيا سوى هذا الحضن المرتبك والخائف. لم يكن رفض سعاد مجرد كلمة "لا" عابرة تقال في خطبة، بل كان حكمًا قضائيًا نهائيًا، طردًا أبديًا من حلم بسيط تخيله في لحظة صفاء

بيت أكثر هدوءًا، امرأة تحمل ملامح ندى لكنها تملك حظًا أفضل، وحياة مغسولة بالسكينة لا تشبه الجحيم الذي تجرعته الراحلة.

تراجع بخطوات منكسرة وجلس على الأرض الباردة، مسندًا ظهره إلى الحائط، ثم أغمض عينيه وترك رأسه يسقط للخلف بقلة حيلة. لم يفكر في تهديدات أمه هذه المرة، ولا في ألسنة الناس التي ستنهش سيرته في أزقة القرية، ولا في تفاصيل الزواج ذاته. كان ثمة سؤال واحد أسود ينبت في عقله ويلح عليه بلا رحمة أو هوادة: هل كان يمكن لندى أن تظل حية، تتنفس وترعى طفلها، لو كنتُ أنا رجلًا آخر؟ رجلًا يملك من الشجاعة ما يكفي لحمايتها؟ وتبعه سؤال آخر أشد قسوة وأكثر رعبًا وهل سيكبر يزن، هذا اللحم الغض، ليصير نسخة مشوهة مني؟ محاصرًا بذات العجز، وذات الخسارة، وذات الندم؟

ظل جالسًا على حاله والظلام يزحف ليعتم تفاصيل الغرفة، حتى غابت الشمس تمامًا، ولم يتغير شيء في ليله الطويل. كان فاقدًا للرجاء، مثقلًا بندمٍ متأخر لا يجد له مصبًا أو مخرجًا، ومدركًا بيقين مرير أن الرفض الذي تلقاه في ذلك المساء لم يكن مجرد خسارة لليلى... بل كان مواجهة عنيفة وموجعة مع حقيقة نفسه، ومع المأساة التي طالما تهرب من الاعتراف بأنه كان بطلها الأول.

✨✨✨✨✨✨✨✨

جلست ليلى في منتصف الغرفة تمامًا، كأنما وُضعت بقصدٍ هندسي متعمد في بؤرة الدائرة، لتتحول إلى شاخصٍ تتسابق إليه نظرات الذهول. كانت الوجوه من حولها مصلوبة، والأنفاس محبوسة في الحناجر كأن الجميع ينتظرون شهقة تراجع، أو زلة لسان تنفي ما نطق به ثغرها قبل ثوانٍ. لم يكن الصمت الذي لفّ الفضاء صمت دهشة عابرة، بل كان صدمة كلسية متحجرة، كأن الجملة التي قذفتها في وجوههم لم تكن مجرد موافقة، بل جناية كبرى لا تُغتفر. كيف لفتاةٍ رأت شقيقتها تُساق إلى حتفها خطوة بخطوة، وتجرعت مرارة كفنها، أن تقبل طواعية بالرجل نفسه؟ كيف طاوعتها رشفة الهواء أن تنطق بالقبول على زوجٍ لم يترك في تاريخ عائلتهم سوى النّدوب، والدمع، وحسرة الموت؟

كانت سعاد أول من انفرط عقد تماسكها؛ تهاوت بنيتها الضعيفة، وراحت تضرب فخذيها بكفيها في حركات متلاحقة مشوبة بندمٍ طاعن وعجزٍ أمومي يهد الجبال، وارتفع صوتها المبحوح المرتعش، مشروخًا بالفجيعة:

* إنتِ يا بت هتجننيني؟ جرى في عقلك إيه؟ هو إيه اللى بتقوليه ده؟

لم يكن سؤالها طلبًا لتفسيرٍ منطقي، بل كان عويلَ أمٍّ ترى بعينيها ابنتها الثانية تطأ بقدميها ذات الأشواك، وتسير طائعة نحو المقصلة نفسها التي نحرت أختها.

وعلى النقيض تمامًا من هذا الإعصار، بدت ليلى مستقرة فوق مقعدها بصلابة غير متوقعة. عدّلت جلستها، ونفضت عن ثوبها غبار التردد، ثم استقامت في مكانها كمن يتخذ موقع المنتصر والمملي للشروط، لا موقع الضعيف المتوسل، وقالت بنبرة جافة، تخلو من أي انفعال أو ارتعاش

- هو إيه اللي إيه يا ماما؟

كلمتان فقط، لكنهما وقعتا ككتلة من رصاص في قلب الغرفة الصامتة.

هنا تدخل والدها محمد، وانخرط في الحديث بصوتٍ أجش، يحمل حزم رجل يحاول بكل ما أوتي من كبرياء الإمساك بما تبقى من سلطته الأبوية قبل أن ينهار السقف فوق رؤوس الجميع

- إزاى توافقى على الواد ده؟ فهميني.... هتعاشرى أمه إزاى وتدخلي بيتها بعد اللى عملته فى أختك؟ أنتِ نسيتي؟

كان غضبه لاهبًا وصادقًا، لكنه كان مبطنًا بخوفٍ شيخوخي دفين؛ خوف أبٍ أدرك فجأة أن ابنته لا تلعب دور العروس، بل تصيغ قدرًا أسود بوعيٍّ حاد.

عند هذه النقطة فقط، تبدلت قسمات ليلى؛ ذاب ذلك القناع الحديدي الظاهري، وحل محله لينٌ حذر ومدروس، أقرب إلى الاستسلام الواعي الذي يسبق العاصفة. اقتربت من والدها خطوة، وخفضت طبقة صوتها حتى تلاشت النبرة الحادة، وكأنها تسرب له وحده سرًا عسكريًا، أو تضعه أمام الحقيقة العارية التي طالما تهرّب الجميع من صياغتها

- ما هو بالعقل يا بابا… إنت لسه لحد النهارده بتدفع أقساط جهاز أختي ندى الله يرحمها، ولسه كمان كام سنة هتشيل هم جهازي أنا ومصاريفي، وفوق كل ده شايل هم تربية ابنها ومصاريفه عشان تكون أختي مرتاحة في نومتها ومحدش يذل ابنها..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status