Beranda / الرومانسية / ظل بارد / البارت الحادى والعشرون

Share

البارت الحادى والعشرون

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-26 15:00:20

انتفضت سمر واقفة من مجلسها كأنما أصابت أعصابها المقسية شرارة لاهبة، واستدارت بكامل جذعها لتُحدق في القطع الذهبية التي كانت تتلألأ في خيالها فوق جسد ليلى. لم تكن نظرتها تحمل دهشة الذهول بقدر ما كانت تقطر اتهامًا صريحًا ومقززًا؛ نظرة نهشت بريق المعدن الأصفر وكأنها تحاول تعريته من قيمته. شدّت سمر على أسنانها حتى كادت فكاكها تنفجر، وقالت بنبرة تهكمية لاذعة هزت أركان الغرفة

- طمع.. ملوش أي تفسير تاني غير الطمع والجشع! عينه عينك كده؟ وافقت على طول أول ما شافت الذهب والقايمة

هكذا أقنعت نفسها، وهكذا أرادت بوضوح جلي أن تُقنع كل من يحيط بها لتداري عورة هزيمتها أمام شروط ليلى الصارمة.

في الجهة المقابلة من الغرفة، كانت فاطمة تنحني فوق الصغير يزن الذي لم يتوقف بكاؤه المستمر عن نخر السكون. كانت تُغير له ملابسه بثقلٍ ظاهر وجسد متيبس، وقد ارتسم الإرهاق على تقاطيع وجهها العجوز حد الضجر والضيق. رفعت رأسها قليلًا، ورمت سمر بنظرة متهالكة ثم ردت بفتور متعمَّد وصوت خاوٍ من الحماس

- وجرى إيه يعني يا سمر؟ أي بنت في مكانها ومقامها كانت هتطلب شبكة ودهب.. البت لسه بنت بنوت وده حقها الأصولي، ولا كنا هنروح نخطبها بإيدنا الفاضية؟

ثم تنهدت زافرة تنهيدة حارقة، وأضافت بنبرة تشكو فيها قلة حيلتها أكثر مما تبرر بها موقفها

- وبعدين جوازها ده هو اللي هيخفف عن كتفي الحمل والهم.. أنا كبرت وعجزت و مش قادرة أخدم أخوكي وابنه حتت اللحمة الحمرا ده مع بعض، وإنتِ بدل ما تساعديني، بتيجي بأولادك وتقعدي حاطة رجل على رجل مستنية اللي يخدمك ويخدمهم

التوت شفتا سمر باستهزاء مقيت، وازدادت نبرتها حدّة وفحيحًا، فاتهمت والدتها ضمنيًا بالأنانية المفرطة والتضحية بكل شيء في سبيل راحتها الشخصية، قبل أن ينفجر غضبها المكبوت دفعة واحدة كبركان خامد. مدّت يدها العنيفة إلى عنقها، ونزعت السلاسل والقطع الذهبية التي كانت ترتديها بعنف وهمجية، واحدة تلو الأخرى، كأنها تنتزع أشواكًا مسمومة انغرست في لحمها الحي. أقسمت بصوت مرتجف غمرته الهستيريا، وهي تقذف بالقطع الذهبية في الهواء لتتساقط برنين معدني حاد فوق الفراش

- عليا الطلاق من جوزي ما هسيبها تتهنى بمليم.... الذهب ده بتاعى ومش هتشوفه تانى

لم تهتز فاطمة كثيرًا أمام هذه الثورة الهستيرية، ولم تحرك ساكنًا؛ فقط امتدت يدها المجعدة تلتقط القطع الذهبية المنثورة بهدوء بارد ومخيف، هدوء لم يُخفِ انكسارًا ولا غضبًا، بل كان نابعًا من لامبالاة متقنة وتشبع بالمرونة الخبيثة. التفتت إلى ابنتها وقالت جملتها الأخيرة بنبرة واثقة حسمت بها المعركة دون حاجة للصراخ أو العويل

- اتمسي بالخير يا سمر ووفري كلامك.. المهم عندي وعند أخوكي إن ليلى تدخل البيت ده وتكتب كتابها، وبعد ما تبقى مراته.. ابقي وريني هتعملي إيه واعملي اللي يعجبك.

بقيت الكلمات الأخيرة معلقة في جو الغرفة الخانق، ثقيلة ورصاصية، كأنها إعلان غير مكتوب، لكنه واضح للعيان، بأن ما يحدث تحت هذا السقف ليس زواجًا شرعيًا يبحث عن المودة والسكن... بل هي صفقة تجارية بحتة، صفقة حرب باردة يعرف الجميع ثمنها وتضحياتها، حتى لو تظاهروا بغير ذلك وارتدوا أقنعة العائلة.

✨✨✨✨✨✨✨✨

حين علم أيمن بموافقة ليلى، لم تهبط عليه الفرحة كما تخيّل يومًا في لحظات صفوه النادرة؛ لم تكن تلك الموافقة ضربة ضوءٍ كاملة تقشع عتمة أيامه، ولا انتصارًا صريحًا يرفع به رأسه أمام انكساراته المتتالية، بل كانت شعورًا هلاميًا مربكًا تسرّب إلى تجاويف صدره ببطء شديد، كالماء البارد حين يتسلل إلى شقوق أرضٍ طينية عطشى، فلا تدري هيدريد الغرق أم يحييها الارتواء. انفرجت شفتاه عن ابتسامة باهتة دون أن يعي لها سببًا، ابتسامة خفيفة مرتعشة على أطرافها، كأن قلبه وثب إلى الأمام خطوة مستبشرة، ثم تملكه الذعر فجأة فعاد يتراجع وراء حصون الحذر.

في المقابل، كانت ثمة سعادة مباغتة وخجولة تأخذ في التشكل داخل أعماقه، سعادة رجلٍ طال وقوفه في طوابير الانتظار حتى كاد ينسى ملامح الأمنية وشكلها حين تتحقق واقعًا ملموسًا. فكرة أنها وافقت.. أن يزن لن يتربى بين يدي امرأة غريبة قد تقسو عليه، وأنه هو -أيمن- لم يُلفظ هذه المرة مطرودًا من جنة القَبول، بل صُنف في خانة المرضي عنهم لا المشفوق عليهم؛ كل هذا أشعل في صقيعه الداخلي دفئًا ناعمًا، أشبه بكفٍّ حانية ربتت على روحه المنهكة بعد رحلة ركض طويلة في أزقة الخيبة. شعر لأول مرة منذ دهر بأنه مرئيّ، معترف بوجوده كرجل، وأن اسمه لم يُلفظ في مجالس العائلة مقرونًا بالخسارة والموت.

لكن الرهبة سرعان ما زحفت خلف تلك السعادة مباشرة، ثقيلة، رصاصية، وصامتة بصمت المقابر، تطرح أسئلة ملغومة تفوق إجاباته الواهية قوة. لماذا وافقت بهذه السرعة؟ وكيف قبلت تلك الفتاة الحازمة ذات العقل الحاد أن تُقحم شبابها الغض في حياةٍ رجل مثقل بالوجع والديون، وبيت تحكمه سطوة أمه، وتحتضن طفلًا رضيعًا؟ هل كان هو اختيارًا نابعًا من رغبة حقيقية.. أم مجرد مخرج اضطراري هربت إليه من حسابات أخرى؟ هذا السؤال الأسود وحده كان كفيلًا بأن يسحب بساط السعادة من أطرافه، ويترك روحه معلّقة في الفراغ، ناقصة، لا تجرؤ على الاكتمال خوفًا من السقوط.

تمدد الخوف في عروقه كسم بطيء، خوف من وطأة المسؤولية التي تحولت فجأة من مجرد فكرة مجردة في رأس والدته إلى حقيقة ملموسة تطرق بابه، خوف من أن يخذل ليلى دون قصد منه، أو أن يحملها من الهموم فوق ما تطيق بنيتها الشابة، أو أن يكتشف متأخرًا أنه كان أقل بكثير مما تستحقه وتطمح إليه. خاف ذعرًا من أن يرى في عينيها المتسعتين يومًا ما نظرة ندم زجاجية ميتة تشبه نظرات أختها الراحلة، أو أن يسمع في ثنايا صمتها العذب سؤالًا استنكاريًا لا يملك في جعبته إجابة تبرره. خاف من قلة حيلته وضعف شخصيته أمام أمه بقدر ما خاف على ليلى منها.

وفي قلب هذا الاضطراب النفسي العنيف، كان الشغف يشق طريقه بعناد يشبه عناد العشب النابت في الصخر؛ شغف رجلٍ استيقظت كرامته فجأة ويريد بكل ما أوتي من عزم أن يثبت لنفسه وللعالم أنه قادر، أن يُعوّض، وأن يصنع تحت هذا السقف حياة أهدأ بكثير مما عاشه مع ندى، وأصدق مودة مما عُرض عليه في سوق الصفقة العائلية. تخيّلها في أدق تفاصيل يومه القادم، في حركة ثوبها في المطبخ، في رنين صوته وهو ينادي اسمها "ليلى" ليملأ به فراغ الجدران، وفي بيتٍ يحاول أن يعيد رص حجارته لا بالمال والذهب، بل بالنية الصافية والوعود المخلصة. هذا الشغف الصغير كان وقوده الوحيد والدافئ لمواجهة رياح الخوف العاتية.

أما الغِيرة، فجاءت متسللة على أطراف أصابعها، خافتة لكنها تنخر العظم بنصل موجع؛ غيرة مبهمة من ماضٍ لم يعشه معها ولم تكن فيه ملكًا له، ومن أسباب خفية وحسابات باردة جعلتها تقبل به دون حبٍّ معلن أو ممهدات عاطفية، ومن فكرة قاتلة تهمس له في عتمة ليله بأنها قد لا تكون اختارته بقلبها النابض، بل بعقلها الذي وزنت به مصالح عائلتها وأقساط والدها. كانت غيرة صامتة وكريمة، لم تتحول في صدره إلى غضب أو رغبة في التملك، بل استحالت إلى عهد داخلي غليظ قطعه على نفسه: أن يحاول، فقط يحاول بكل عزم، أن يكون هو ذلك الاختيار الوحيد الذي لن تندم عليه ليلى طوال عمرها.

ظل أيمن في تلك الساعات الطويلة معلّقًا بين سمائها وأرضها، بين مشاعره المتناقضة التي تطحنه طحنًا، فلا هو قادر على الفرح الخالص واحتساء نشوة القبول، ولا هو قادر على التراجع والنجاة بنفسه. كان يدرك يقينًا شيئًا واحدًا لا شائبة فيه: أن موافقة ليلى لم تكن إشارة الستار لنهاية فصول الانتظار الطويل، بل كانت البداية الحقيقية والمعقدة لرحلة شاقة، وأن الطريق إلى قلبها وعالمها.. سيكون أطول بكثير مما ظن، وأثقل مما حلم، لكنه ورغم كل عواصف الشك طريق يريد أن يسلكه حتى نهايته، مهما كان الثمن.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status