Beranda / الرومانسية / ظل بارد / البارت الحادى والخمسون

Share

البارت الحادى والخمسون

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-06-10 12:09:05

بعد فصول تلك الليلة المخملية، وفي غمرة لحظتهما الرومانسية التي جاهدت ليلى بكل ما تملك من دلالٍ وأنوثة طاغية أن تجعلها مُرضية لأيمن ومُذيبة لآخر حصون عقله، استكانت بين أحضانه كقطة وادعة. استرسلت بأنفاسٍ هادئة، منتظمة، دافئة فوق صدره العاري، قبل أن ترفع وجهها الكحيل وتهمس برقة تقطر عسلًا مسمومًا

- بقولك إيه يا حبيبي… يا نور عيني…

طبع أيمن قبلة رضا وشغف طويل على جبينها، وخرج صوته دافئاً، مأخوذاً بسحرها

– إيه يا قلب وروح أيمن من جوة؟ تمنى وأنا أنفذ.

ابتسمت ليلى ابتسامة ساحرة، ومالت لتطبع قبلة خفيفة، مموهة على وجنته، ثم قالت بنعومةٍ مقصودة، مغلفة بالحذر والخوف المصطنع

– اشترِي الشقة التمليك الجديدة دي بإسمي أنا… أنا خايفة من أمك بصراحة يا أيمن، وقلبي مش مطمن. إنت طيب ونيتك صافية، وشايف بنفسك الحية بنتها ممكن يأثروا عليك في أي وقت بكلمتين ودموع تماسيح ويخلوك تبيعها، عشان يعني يقولوا لك الفلوس دي ورثنا ولينا حق فيها هي وسمر… تضعف إنت قدامهم بحنيتك دى، ونرجع إحنا تاني لدوامة الهم والنكد

شرد أيمن قليلًا في عتمة الغرفة، وكأن الفكرة الثقيلة قد وقعت على رأسه بغتة لتكشف عن وهد سحيق، قبل أن تُفيقه من شروده لمسات أصابعها الناعمة المشتعلة وهي تداعب خصلات شعره وصدره بعقد صفقات الأنوثة. تردد صوته المنهك، وحاول المقاومة بضعف

– إزاي بس أكتب الشقة كلها بإسمك يا ليلى؟… أنا يعني… معزش عنك حاجةخالص، والأصول بتقول…

لم تدع ليلى له فرصة ليرتب كلماته؛ إذ بدّلت ملامحها في ثانية واحدة إلى حزنٍ كاسف مصطنع، والتمعت عيناها بدموع جاهزة، وحاولت الابتعاد عن أحضانه والتملص من قبضة يده بجفاء مبرمج

– إنت مش مأمّني يا أيمن؟ بعد كل اللي عملته واستحملته عشانك وعشان بيتنا لسه بتشك فيا؟ دا أنا بعمل كل ده لمصلحتك ولمصلحة ابننا يزن عشان نأمن مستقبلنا من غدر أهلك. وبعدين يعني… هو أنا غريبة؟ كل حاجة ملكك في الآخر، الشقة دي ملكك، وحتى أنا وروحي ملكك إنت وبس.

مدّ يده بلهفة وخوف من صدودها ليجذبها إلى صدره مرة أخرى، لكنها أفلتت منه بذكاء، وأدارت وجهها نحو الحائط مغمغمة بمرارة

– خلاص يا ابن الناس، انسى إني قولت حاجة، واعمل اللي إنت عاوزه واللي يريح أمك وأختك.

شدّها إلى صدره هذه المرة بقوة وعنف وعاطفة جياشة، ونبرة صوته خرجت حاسمة، متهورة، وكأنه ينحر بها آخر صراع داخلي وعقلي يربطه بأهله وأصوله

– خلاص بقى، فكّي زعلِك، إنتِ مفيش في الدنيا زيك قمّاصة كده.. … هكتبها بإسمك يا سِتّ ليلى في الشهر العقاري، ولا تزعلي نفسك. بس ادعي لنا بقى ربنا يسهل ونعرف نلاقي قرشين نفرشها بيهم، الفلوس يدوب على قد الطوب.

رفعت حاجبيها بتعجب مبالغ فيه، ونظرت إليه بدهشة متعمدة وذكية وهي تعتدل فوق الفراش

– نفرشها من جديد؟ ونرمي فلوس في الأرض؟ طب ما الفرش بتاعنا كله موجود وزي الفل هناك…

سألها وعقله لا يستوعب كيف سيفعل ذلك، ولا يفهم مقصدها

– موجود فين؟ في شقة أمي؟ وهناخده إزاي؟

اعتدلت ليلى في جلستها بكامل ثقتها، وصار صوتها النعساني قبل قليل أكثر ثباتاً، حدةً وتخطيطاً

– ليه يا حبيبي؟ هو إنت ناوي تسيب حاجتنا وجهازنا وشقا عمرنا لأختك سمر وأمك؟ تطلع الست سمر تاخده وتقعد على حاجتنا وتتمتع بفرشي بعد ما اتطلقت من خالد وخربت بيتها بغلها؟ ومش بعيد بكرة ولا بعده أمك تجوزها في شقتنا وعلى عفشنا وإحنا نتمرمط

نفد صبر أيمن تماماً من سيرة المشاكل، وتذكر طرد والدته له، فقال بحدّة مكتومة وهو يضغط على أسنانها

– وهناخد حاجتنا وعفشنا إزاي بقى من تحت ضرس أمي؟ ما إنتِ شُفتي وعايشتي بنفسك اللي عملته أمي والفضايح والجيران، وطردتنا برة بالهدوم اللي علينا والمفاتيح معاها

ابتسمت ليلى ابتسامة بطيئة، لئيمة، انفرجت فيها شفاها عن ثقة مطلقة تقشعر لها الأبدان، وقالت بنبرة تفيض دهاءً مريراً

– سيب المأمورية دي عليا... أنا هقولك الخطة بالملي وهنعمل إيه بالظبط ومن غير ما حد يحس بينا.

وفي تلك اللحظة بالذات، في عتمة الغرفة، لمعت عيناها الواسعتان بوميض انتصارٍ جديد، كاشفاً عن فجر مؤامرة كبرى ستقتلع شقة الزوجية من أيدي عائلة فاطمة في وضح النهار وبقوة القانون.

✨✨✨✨✨✨✨

حضر أيمن وليلى في الموعد المحدد إلى منزل والدة سلمى، بعدما هاتفتهما على عجل وأخبرتهما بوجود شقة لُقطة في الطابق المالي لها، معروضة للبيع بداعي السفر. كانت ليلى في أقصى درجات حماسها، التمعت عيناها الكحيلتان ببريق جائع، وجعلت تتلفت حولها في ردهات البناية وكأنها ترى المكان ملكًا خالصًا لها بعقدٍ أبدي قبل أن تطأه قدمها.

وقفت ليلى تعدل حقيبتها بنفضة خفيفة، وقالت بحماس جارف وصوت متهلل وهي تستعد للنهوض

- يالا يا خالتي.. يالا بينا قوام نروح نتفرج عليها قبل ما حد يسبقنا وناخدها

نهضت السيدة الكبيرة بالفعل من مقعدها، وعدلت شالها، لكنها توقفت فجأة عند عتبة الصالة وكأن فكرة تحذيرية داهمت عقلها في اللحظة الأخيرة. التفتت إلى أيمن، وصوّبت نحوه نظرة خبيرة مبطنة بوقار السن، وقالت بنبرة هامسة تخلو من المواربة

- بقولك إيه يا ابني… الأرض دي ليها عيون والحيطان ليها ودان، والمنطقة هنا صغيرة. بدل ما تروح برجلك الشقة دي وحد من معارف والدتك أو جيرانها يشوفك داخل وطالع، ويروح ينقل لها الكلام ويقول الحاجة فاطمة ابنها بيشتري، ونرجع ندخل تاني في موال المشاكل والغل اللي ما بيخلصش… أنا بقول داري على شمعتك تقيد يا ضنايا، وامشي في السليم.

يتطلع إليها أيمن بدهشة حقيقية لم يُخفها، وانعقد حاجباه بقلة حيلة

- يعني إيه يا حجة؟ ما هو أنا اللي هدفع وأنا اللي لازم أشوف بعيني الشقة اللي هعيش فيها

تبسمت السيدة ابتسامة هادئة، داهية، وردت بحكمة مجربة

- يعني نروح أنا وليلى نشوفها ونقلبها، وكده كده صاحبة الشقة ست زينا وهتأخذ راحتها معانا في الكلام. نتفرج على التقسيم والمنافع، ولو عجبت ليلى ودخلت دماغها، تخلص فيها هي وتكتب العقد بإيدها، ولا من شاف ولا من دري.. لحد ما تنقلوا حاجتكم بالسلامة

ساد صمت مؤقت؛ صمت يتأمل فيه أيمن الفكرة التي طرحتها تلك السيدة. بدا مترددًا، يقلب الأمر في رأسه، وكأن رجولته وكبرياءه يحاولان الاعتراض على فكرة الاختباء، دون أن يجد كلمات تسعفه وسط حصار الديون والمشاكل.

لمحت ليلى بطرف عينها ذلك التردد، وخشيت أن يفسد رجوعه خطتها للاستحواذ على ملكية الشقة، فمالت نحوه بجسدها برقة متناهية، وتحدثت بنبرة تقطر زهدًا ومثالية لإقناعه

- لا يا خالتي، إيه اللي بتقوليه ده؟ دي شقته هو وشقى عمره، ولازم يختارها هو بنفسه ويشوف طوبها، أنا يدوب بساعده بس ومليش كلمة فوق كلمته.

كانت ليلى تردد كلماتها تلك بهدوء ومظلومية أمام أم سلمى، وفي الوقت نفسه، امتدت يدها الخفية تحت الطاولة لتمسك بكف أيمن المرتعش وتضغط عليه بقوة وضغطات خفيفة محسوبة؛ تذكره بلمساتها بعلقة سمر وفضيحة الطرد من البيت. كانت تراقب تأثير ضغطاتها على ملامحه، وتنتظر النتيجة بصبر الأفاعي.

أتت اللمسات مفعولها السحري؛ فارتخت أسارير أيمن وابتسم أخيرًا كأن حملًا جباليًا قد أزيح عن صدره المنهك، وقال براحة واستسلام تام

- أنا شايف إن رأي الحجة صح وأصول برضه يا ليلى… روحوا إنتوا الحريم مع بعض، ولو تمام وعجبتك الشقة وتقسيمها، تعالي خدي الفلوس منى واكتبي العقد بإسمك وتوكلي على الله.

التمعت عينا ليلى بوميض انتصار خاطف، بريق حاد كالنصل أخفته سريعًا تحت جفونها الخفيضة، بينما رقص قلبها وتردد داخلها بسعادة مكتومة كادت تخرج في زغرودة

- حلو ده أوي.. الشقة بقت في جيبي وبقيت صاحبة ملك

نهض أيمن من مقعده وهو ينفض ثيابه ويقول

- أنا هقعد على القهوة اللي على أول الشارع الرئيسي قريب من هنا، أول ما تخلصوا معاها رني عليا على طول

ثم ضحك بمرارة واستسلام للواقع

- ما هو ميصحش أستناكم هنا في الصالة لوحدي... الناس تقول ايه

ردت والدة سلمى بصدق ودعاء وهي تفتح له الباب

- مع السلامة يا بني، ربنا يسهل لك الصعب ويجعلها فاتحة خير عليكوا.

يغادر أيمن البناية مطأطأ الرأس، وما إن يبتعد خطوتين عن الممر حتى ظهرت سلمى من خلف ستارة المطبخ، حيث كانت تتابع اللعبة كلها بانبهار واهتزاز شديد من فرط دهاء صديقتها. اقتربت من ليلى بخطى سريعة، وهمست بدهشة لاعة وهي تضرب كفًا بكف

- إيه ده يا بنتي؟! يخرب بيتك داهية... ده إنتِ لو ساحراله وعملاله عمل على مش هيسمع كلامك بالعمى ده ويسيب لك الجمل بما حمل

ابتسمت ليلى بفخر عارم، وعدلت من ياقتها، ثم مالت على أذن سلمى وهامست بفحيح مخيف:

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظل بارد    البارت الثانى والخمسون

    يا بنتي هو السحر ده بالساهل؟ دا أنا عشان أوصل للقمة دي وأخليه يمضي على بياض، خدت علقة موت من أخته لسه معلمة ومزرّقة جسمي كله.. بس كله بثمنه، والشقة بقت تمليك وبإسمي لمحت سلمى خيال والدتها يقترب، فمالت نحو ليلى بسرعة ودحرجت عينيها حذرًا - اخرسي بقى واقطعي السيرة.. أمّك هتاخد بالها في تلك اللحظة عادت والدة سلمى وهي تحمل مفاتيح المعاينة، فاستقامت ليلى في وقفتها متمثلة الأدب والوجع، ورافقت السيدة في صمت مطبق باتجاه الطابق العلوي. كانت ليلى تخطو فوق درجات السلم بثباتٍ طاغٍ، وكأن كل خطوة يطأها حذاؤها تقربها أكثر فأكثر من غايتها في سحق عائلة فاطمة. ✨✨✨✨✨✨✨ في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الشقة الكالحة، تفتح فاطمة وسمر الباب بعد عودتهما من جولة مضنية عند مكاتب المحامين. سبق دخولهما صرير حاد، موحش للباب الخشبي، كأنه نذير يعلن عن ثِقلٍ جديد وهمّ جاثم دخل البيت. ما إن أغلقته فاطمة ودفعت الترباس بعنف خلفها، حتى ألقت سمر بجسدها المنهك فوق الأريكة بتثاقل؛ كانت أنفاسها المتلاحقة تتناثر في الفراغ كالمحترقة، ومدت قدميها المتورمتين بلا وعي، كمن خاضت للتو معركة حاسمة وخرجت منها مجرورة بأذي

  • ظل بارد    البارت الحادى والخمسون

    بعد فصول تلك الليلة المخملية، وفي غمرة لحظتهما الرومانسية التي جاهدت ليلى بكل ما تملك من دلالٍ وأنوثة طاغية أن تجعلها مُرضية لأيمن ومُذيبة لآخر حصون عقله، استكانت بين أحضانه كقطة وادعة. استرسلت بأنفاسٍ هادئة، منتظمة، دافئة فوق صدره العاري، قبل أن ترفع وجهها الكحيل وتهمس برقة تقطر عسلًا مسمومًا - بقولك إيه يا حبيبي… يا نور عيني… طبع أيمن قبلة رضا وشغف طويل على جبينها، وخرج صوته دافئاً، مأخوذاً بسحرها – إيه يا قلب وروح أيمن من جوة؟ تمنى وأنا أنفذ. ابتسمت ليلى ابتسامة ساحرة، ومالت لتطبع قبلة خفيفة، مموهة على وجنته، ثم قالت بنعومةٍ مقصودة، مغلفة بالحذر والخوف المصطنع – اشترِي الشقة التمليك الجديدة دي بإسمي أنا… أنا خايفة من أمك بصراحة يا أيمن، وقلبي مش مطمن. إنت طيب ونيتك صافية، وشايف بنفسك الحية بنتها ممكن يأثروا عليك في أي وقت بكلمتين ودموع تماسيح ويخلوك تبيعها، عشان يعني يقولوا لك الفلوس دي ورثنا ولينا حق فيها هي وسمر… تضعف إنت قدامهم بحنيتك دى، ونرجع إحنا تاني لدوامة الهم والنكد شرد أيمن قليلًا في عتمة الغرفة، وكأن الفكرة الثقيلة قد وقعت على رأسه بغتة لتكشف عن وهد سحيق، قبل أن

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status