Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الخمسون

Share

البارت الخمسون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-09 12:35:43

كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير.

دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة.

جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة

- البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة

ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقفة على قدميها فجأة كالمارد، وصدرها يعلو ويهبط بعنف يمزق أنفاسها، وراحت تصرخ وتلوح بيدها في الفضاء بوعيدٍ مرعب

- تدخل هنا؟ وتمرمطنا؟ صبرك عليّا بس… والله لورّيها أيام سوداء كحلة زي عملتها السودا..... هربّي أخوكي الخايب، دلدول مراته ده، وسيد الرجالة اللي عاملالي فيه... والله لأخليه يجرها من شعرها ويطلّقها ويرميها رمية الكلاب في الشارع، ويرجع تحت رجليكي يبكي بدل الدموع دم

عادت سمر إلى العويل المرير، وانفجرت في بكاء هستيري مزق صمت الشقة؛ كانت تتشبث بكلمات أمها ووعيدها كمن يتشبث بطوق نجاة أخير وسط موج عاتٍ، وصرخت من قاع قهرها بصوت متهدج

- آه يا أُمّا… قهرني وقهر على عيالي.... ولادي يا أُمّا وحشوني، ولادي اتخطفوا مني في ثانية... الكلب خالد طلّقني ورماني في الشارع عشان يصدق كدب الهانم منه لله... منه لله هو ومرات إبنك العقربة دي، خربوا بيتي

كانت الكلمات تخرج من فم سمر متكسورة، مشوهة، تتعثر بين شهقاتها ونشيجها الحارق، لكنها كانت تصيب هدفها بدقة، وتغرس النصل في صدر فاطمة التي كانت ترى في طلاق ابنتها إهانة مباشرة لاسمها وكبريائها في المنطقة.

توقفت فاطمة عن الحركة للحظة واحدة، سكنت فيها ريح الشقة، ثم اشتعلت ملامحها العجوزة أكثر، وكأن النيران المستعرة في صدرها قد صُبّ عليها زيت جحيمي. تقدمت خطوة عاصفة نحو ابنتها، وقبضت كفّيها حتى ابيضّت مفاصِلها، وقالت بصوت خفيض، ثقيل، يقطر غلًا ووعيدًا

- خالد ده... هربّيه وأكسر مناخيره هو كمان، وهخليه يدفع ثمن دموعك دي غالي أوي.... هو فاكرِك مالكيش ظهر؟ فاكرِك جاية من الشارع عشان يرمي عليكي اليمين بسبب كلمة من واحدة صايعة؟ والله لألفّه حوالين نفسه وأخليه يدور في الشوارع يبوس الأيادي عشان ترضي عنه... واحد واحد يا سمر، كله هيتحاسب،صبرك بس عليا واتفرجى وحقك بيرجع

ساد صمت ثقيل، خانق ولزج للحظة، لا يُسمع فيه في أرجاء الصالة إلا بكاء سمر المتقطع وزفير فاطمة الحارق، بينما ظلّ الغضب معلقًا في الهواء، كثيفًا كالضباب الأسود، ينذر بكل وضوح بأن ما هو آتٍ في الساعات القادمة سيكون أشد قسوة ودموية، وأن هذه الدموع والشهقات ليست سوى الهدوء الذي يسبق عاصفة حرب جديدة... حرب عائلية لن تبقي ولن تذر.

✨✨✨✨✨✨✨

التفّوا جميعاً حول مائدة الطعام في دائرةٍ تبدو في الظاهر مكتملة، لكن القلوب في الصدور كانت متباعدة ومتنافرة، كأن بينها برزخاً ومسافات شاسعة لا تُقاس. كانت الأطباق أمامهم عامرة بما لذ وطاب، غير أن الأيدي كانت تتحرك بتثاقلٍ مريب، واللقيمات تُرفع إلى الأفواه بلا شهية ولا روح، كأنهم يمضغون العلقم.

خيّم الصمت على الحجرة كثوبٍ مأتمي ثقيل، لا يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق وهي ترتطم بالصيني، إلى أن كسره الحاج محمد؛ وضع رغيف الخبز من يده، ولوك لقمته الأخيرة وهو يوجه حديثه القاطع نحو ليلى، لتختلط الكلمات ببقايا الطعام في فمه بنبرة تحمل أمر الأب وصوت الحكمة

- إنتِ بكرة الصبح يا بنتي هتحضري نفسك وتيجي معايا لحد هناك… هناخد في إيدنا علبة حلاوة، نصالّح الحجة فاطمة ونحبّ على راسها وإيدها قدام الكل، عشان المركب تسير وترجعي بيتك معززة مكرمة.

تجمّد الهواء في الصالة في تلك اللحظة. ابتلع أيمن غصته مع الطعام، وأحس باللقمة تقف في حنجرته لتخنقه قبل أن تنزل إلى جوفه. رفع رأسه نحو عمه، وعيناه المحتقنتان تشعان بالاضطراب، وخرجت نبرته مشروخة، متأرجحة بين العتب والوجع

- إنت زهقت من وجودنا في بيتك ولا إيه يا عمي؟ إحنا ضيوف ثقال عليك؟

هزّ الحاج محمد رأسه سريعًا بنفيٍ حاسم وقاطع، وكأنه يشفق على ابن أخيه من مرارة الإحساس بالرفض

- لا يا بني وعزة جلال الله، ده أشيلكم في عينينا والبيت يساع من الحبايب ألف. بس الأصول أصول، ومهما حصل دي أمك، لحمك ودمك… والوضع ده ميرضيش ربنا، الناس في المنطقة لمّا تشوفك قاعد هنا هتقول علينا إيه؟

لم تطق ليلى صبراً، ولم تنتظر لثانية أخرى؛ إذ اندفعت الكلمات من بين شفتيها كالرصاص المتفجر، كأنها كانت محبوسة وراء قضبان صدرها منذ دهر، واشتعلت عيناها الكحيلتان بشرر الغيظ المستطير

- والناس دي مش هتقول حاجة لمّا تلاقيها واقفة لي على السلم بتشتمني وتهزقني في الطالعة والنازلة؟ والناس دي كانت فين وبنتها سمر بتمد إيدها عليا وتضربني وتسقطني وتقتل ضنايا اللي كنت بحلم بيه؟ فين حقي أنا وسط الأصول دي كلها؟

توقفت ليلى فجأة عن السباب والاندفاع، وانقطع حبل صوتها حين اصطدمت بنظرة الحاج محمد. لم تكن نظرة عادية، بل كانت نظرة رجلٍ خبر الدنيا، نظرة حاسمة، صارمة وثقيلة كالجبل، أخرست في حلقها ما تبقى من لومٍ وادعاء.

حاولت والدتها أن تلتقط الموقف المتفجر وتخفف من حدة النيران قبل أن تحرق الجميع، فمالت بجسدها المتعب للأمام فوق المائدة، وخرج صوتها الهادئ، الحنون والمثقل بهموم الأيام ليقنعها

- يا بنتي هدي الدنيا ، ده طبيعي وبيحصل في أحسن البيوت... مصارين البطن الواحدة بتتخانق وتتعارك. ومهما كان ومهما عملت دي في الأول والآخر حماتك، هي ام جوزك وهي اللي ربّته وكبّرته وبقى راجل ليكِ. وسمر دي زي أختك، معلش يا ليلى يا بنتي تعالي على نفسك... إنتوا لسه في أول طريقكم ومش حمل إيجار ومرمطة في الشوارع، العيشة بره بقت نار والقرش مبقاش فيه بركة.

رفعت ليلى عينيها الواسعتين وتطلعت في وجوههم جميعاً بنظرة غامضة، باردة كالصقيع؛ لم يكن فيها ملمح واحد للغضب أو البكاء، بل كان هدوءاً مخيفاً، كأنها انسلّت بكامل وعيها من المشهد، ونفضت يدها من مائدتهم. نهضت من مكانها ببطءٍ وثقة، ودفعت الكرسي الخشبي إلى الخلف دون أن تصدر له صوتاً، ثم غادرت الغرفة بخطى وئيدة، تاركة خلفها نظرة أيمن المعلقة بظهرها... نظرة عاجزة، حائرة، وممزقة لا تدري أين تستقر أو كيف ترضي عاطفته نحوها وأصول عائلته.

خرجت ليلى إلى الممر الخارجي المظلم لتستنشق بعض الهواء، فلحق بها الصغير نادر بخطى حثيثة. اقترب منها بحذر طفولي شديد، ورأى ملامح الانكسار والوحدة التي حاولت جاهدة إخفاءها عن أعين الكبار، فترقرق الدمع في عينيه الصغيرتين، وخرج صوته واهناً، نقياً ومفعماً بصدق طفولي خالص

- ليلى… متزعليش، أنا لما أكبر وأبقى راجل طول الباب، هاخد لك حقك وحق ندى منهم كلهم. متعيطيش يا ليلى… لما أكبر هبقى بطل وأحميكي ومخليهمش يزعلوكي تاني.

كانت كلماته البسيطة، البريئة، أبعد ما تكون عن دهاء الكبار، لكنها هبطت على صدرها المشتعل كقطرات ماء حانية. اندفعت ليلى ونزلت لمستواه، واحتضنت جسده الصغير بقوة وعنف ولهفة، وأغمضت عينيها بشدة لتمنع دموعاً حقيقية من السقوط، وأسندت جبهتها المتعبة إلى رأسه الصغير، وكأنها تتشبث وتعتصم بتلك اللحظة النادرة من السند والمواساة؛ لحظة دافئة شعرت فيها، ولو لثوانٍ معدودة وسط حربها الشرسة، أنها ليست وحيدة تماماً في هذا العالم القاسي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status