Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الخامس عشر

Share

البارت الخامس عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-23 12:47:05

تراكضت النساء حولها، بعضهن يربتن على كتفها بأسى، وبعضهن يشاركنها العويل، بينما كانت فاطمة ترفع عقيرتها بالصياح، تتعمد أن تبلغ صرختها أبعد مدى، كأنما تسابق أصابع الاتهام التي لم تُرفع بعد، تريد أن تغرق الحقيقة العارية في طوفان من الدموع الكاذبة. كانت تقترب من النعش، تمسك بطرف الكفن، تقبله في تشهق مبالغ فيه، ثم ترتد لتضرب فخذيها وتصيح

- كنتِ في عيني… والله كنتِ في عيني!.. ده أنا كنت مأكلاها ومشرّباها وكانت زي الفل.. وكانت بتقولي أنتِ أحسن من أمي.. ليه كده؟ إيه اللي حصل يا أولاد؟

على مسافة غير بعيدة، كانت ليلى تقف كتمثال من رخام، ترى المشهد بكامل تفاصيله الموجعة. لم تذرف دمعة واحدة. كانت عيناها جافتين كالقفر، مثبتتين على فاطمة بنظرة ثاقبة، كأنها تطالع مسرحية هزيلة رديئة الإخراج، تحفظ نصها المخزي عن ظهر قلب. كانت تسمع النواح الخارجي، لكن أذن قلبها كانت تسمع صمت ندى الطويل.. صمتها في المطبخ تحت وطأة الأوامر، صمتها في غرفتها المعتمة، صمتها في ليالي الألم التي لم يلتفت لها أحد.

أما أيمن، فقد كان هائمًا كجسدٍ نزعت منه الروح. منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها ندى مسجاة بلا حراك، انطفأ في داخله كل شيء. لم يصرخ ولم يتباكَ، بل ظل مسمرًا يحدق في الكفن وكأن عقله ينكر الواقعة برمتها. لكن، ما إن تحرك النعش وخطت ندى خطوتها الأولى والأخيرة خارج عالمه، خانته ركبتاه.

انحنى فجأة كمن سُحب الأكسجين من رئتيه، وضع يديه فوق رأسه، ثم أطلق زفيرًا مكتومًا، صرخة متحجرة خرجت من أحشائه لا من حنجرته. سقط على الأرض بلا وعي، يضرب صدره بقبضة مرتجفة، ويتمتم باسمها بضياع كطفل فزع أضاع أمه في زحام المولد

- ندى… ندى…حبيبتى … متسيبينيش

حاول الرجال رفعه، لكن جسده كان أثقل من أن يُحمل، لم يكن ثقل لحم وعظم، بل ثقل الندم الذي هبط على كاهله دفعة واحدة. انفجر أخيرًا؛ شهقات متلاحقة، وبكاء مرير بلا ترتيب ولا تجميل، بكاء عارٍ من الخجل، كأن كل سياط الصمت التي جلد بها زوجته شهورًا قررت أن تخرج الآن فضيحة على الملأ. رأى في لحظة تجلٍّ مرعبة كل شيء: وجهها الشاحب، رجاءها بأن يأتي بطبيب، ونظرته القاسية لها حين زجرها قائلًا "قومي"، وصمتها الأخير الذي لا فكاك منه. أدرك، بعد فوات الأوان، أن الطاعة التي توهمها برًا بأمه لم تكن سوى خيانة لزوجته، وأن صمته وسلبيته كانا شراكة كاملة في الجريمة.

لمحت فاطمة انهياره، فزادت من حدة صراخها، واقتربت منه تندب وتنوح لتبعد عنه وعن نفسها شبهة الذنب

- خلاص يا ضنايا… متعملش في نفسك كده… عشان ابنك حتة اللحمة الحمرا دي...واللى اتيتم بدرى .. يا ضنايا يا ندى

لكن أيمن كان قد صُم تمامًا عن صوت أمه وعن العالم. كان يرى ندى وحدها، يراها الآن بوضوح لم يره بها قط طوال حياتها؛ رأى زوجته وشريكة عمره، لا خادمة البيت المطيعة. رأى أم ابنه، لا العبء الإضافي. ومع هذا الإدراك المتأخر والقاتل، كان النعش قد توارى، وأُغلقت دون الحقيقة رتوج الأرض.

انتهت الجنازة، ونفض الناس أيديهم من التراب وانصرفوا، وبقيت الأسئلة الثقيلة معلقة في فضاء القرية، لا يجرؤ أحد على النطق بها جهرا. أما ندى… فقد تحت التراب وأخذت معها كل الإجابات، تاركة خلفها وجوهًا تبكي بحرقة، لكن القليل منهم فقط.. كان يعلم حقًا على ماذا يبكي.

✨✨✨✨✨✨✨✨

الأيام من بعدها لم تكن تمرّ، بل كانت تزحف كقطرات قِطران لزج فوق جرحٍ مفتوح؛ بطيئة، ثقيلة، لا تجلب معها شفاءً ولا تهب نسيانًا، وإنما كانت تروّض الوجوه وتعلّمها كيف تُتقن التظاهر بلباقة خبيثة. يضحك الناس في الشوارع، يغدون ويروحون إلى أعمالهم، يتبادلون النكات والأحاديث العابرة على أرصفة الحياة، بينما في الأعماق السحيقة يقيم الحزن كمالكٍ شرعي، كضيفٍ أبديّ استولى على البيت، فلا هو يطلب إذنًا للبقاء ولا هو يعلن موعدًا للرحيل. كان حزنهم هذه المرة نوعًا آخر؛ لم يكن من ذلك الطراز الذي يفضح نفسه بالصراخ أو يسيل مع الدموع الدائمة، بل كان نارًا خفيّة، آكلة، تتوارى بمكر تحت رماد الصبر المصطنع، تقتات على الحشاش في صمت، وتنتظر ريحًا واحدة مباغتة لتنفض عنها الغبار وتفضح اشتعالها العتيق.

كانت ليلى أكثرهم صمتًا، تلوذ بالانعزال كمن يحتمي بدرع مكسور، تحمل حزنها كمن يحمل ذنبًا وجناية اقترفتها يداه. تمشي به في الطرقات المزدحمة كالغريبة، وتجلس به بين العائلة والأقارب دون أن تنبس ببنت شفة؛ لا تشتكي، لا تبوح، ولا تطلب مواساة من أحد.

عيناها اللتان كانتا تفيضان حيوية فقدتا بريقهما تمامًا واستحالتا إلى لجاجتين من زجاج مطفأ، وصار الشرود رفيقها الذي لا يفارقها، كأنها تحيا في برزخ موازٍ: نصف جسدها حاضر في الواقع، ونصف روحها الآخر معلّق ومصلوب عند تلك اللحظة الفاجعة التي احتضنت فيها جثة أختها الباردة. كل تفصيلة حولها كانت فخًا ينصب لها كمينًا ليردها إلى ندى؛ صوت ضحكة نسائية عابرة في الشارع، طفل رضيع يمرّ في حجر أمه، حتى رائحة المطبخ وطقطقة الأواني كانت تعيدها بعنف إلى مشاهد حية لم تُغلق أبوابها بعد، ولن تُغلق.

أما سعاد، فقد أفلتت من الغيبوبة لتستيقظ على واقعٍ أكثر قسوة من ظلمات الموت؛ عادت بجسدٍ ضاوٍ أضعف مما كان، وقلبٍ صدّعته الفجيعة فلم يعد يصلح للنبض بل للوجع. كانت تحيا لأنها مجبرة على التنفس، تسير في قيد الحياة لا لأنها تريدها، بل لأن الموت استكثر عليها اللحاق بابنتها. تستيقظ في جوف الليل مفزوعة، يرتجف صدرها وهي تنادي باسم ندى بنبرة حارقة، ثم يرتد صوتها إليها كصخرة تسقط في بئر حين تتذكر بكامل وعيها المرير أن النداء لن يُجاب، وأن الصوت لن يعبر برزخ المقابر. كانت تتظاهر بالقوة والتماسك أمام ليلى، تشد أزرها بكلمات واهية، لكن وحدتها كانت تفضحها وتعرّي زيفها حين يخلو المكان من الوجوه؛ حين تبقى مستلقية لساعات، عيناها معلّقتان بسقف الغرفة البارد، تسأل الله بقلب أمّ محترق لماذا بقيتُ أنا العجوز المريضة.. ورحلت زهرتي في ريعان شبابها؟

حتى أيمن، الذي ظنّ جيران السوء ومسترقو السمع أن انكساره وحزنه عقاب كافٍ لضميره، لم يكن في حقيقته سوى أطلال رجلٍ تهشّم متأخرًا، رجلٍ يقف على حطام نفسه بعد فوات الأوان. كان يعيش في زنزانة من الندم الصامت القاتل؛ يحمل طفله الصغير بين يديه، لكنه لا يعرف كيف ينظر في عيني الصغير الآسرتين دون أن يرى فيهما ملامح ندى.. دون أن يرى طيف امرأة قُتلت ببطء وبدم بارد تحت سقفه. لم يكن يبكي أمام أحد، يرتدي قناع الجمود طوال النهار، لكنه كان ينهار كجدار طيني تآكلت أساساته كلما أُغلق عليه باب غرفته المعتمة ليلاً، وحين يجد نفسه وجهاً لوجه مع سريرٍ مرتب وخالٍ، في بيتٍ سُلبت منه صفة البيت واستحال إلى قبرٍ واسع.

وفي الجانب الآخر، كانت فاطمة تبدو في الظاهر كمن لم يمسسها من السوء شيء؛ تمارس روتينها اليومي بذات الصلابة والقسوة، تطبخ وتتحدث وتأمر وتنهى كأن شيئًا لم يكن، وكأن ندى لم تكن هنا يوماً. لكن النار لا تموت في القلوب الظالمة، بل تختبئ كالأفعى في أكثر الزوايا قسوة؛ فثمة وجوم مريب كان يغشاها حين يباغتها صمت البيت، وثمة نظرات مذنبة كانت تفلت من عينيها نحو السلم الخالي. الجميع في القرية، وفي غرف ذلك البيت المتصدع، كانوا يعلمون يقيناً أن الحكاية لم تنتهِ، وأن القصة لم تُغلق دفتيها بعد، وأن الرماد فوق الجمر لم يبرد، بل يزداد سوءًا.

تمرّ الأيام والشهور، والحزن كامن كالنار تحت الرماد... صامت، خادع، يوهم العابرين بالسكينة والنسيان، لكنه في الحقيقة يغلي في الصدور، ينتظر هبة ريح واحدة فقط، ريح واحدة تعيد ترتيب الحسابات، لتشتعل الحقيقة كاملة في وضح النهار، ويحترق مع لظاها كل من ظنّ يوماً أن الصمت مقبرة للحقيقة، أو أن موت ندى كان نهاية الحكاية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status