Masukالفصل السابع: الذاكرة التي لا تموت
كان الظلام يحيط بنُوران من كل جانب. لم تكن تشعر بالأرض تحت قدميها، ولا بالهواء حولها، وكأنها سقطت داخل فراغ لا نهاية له. آخر ما تتذكره كان صوت حارس الظل وهو يهمس باسمها، ثم اختفى كل شيء. فتحت عينيها ببطء. لثوانٍ طويلة لم تستطع الرؤية. ضباب أبيض كثيف غطّى المكان بالكامل. حاولت النهوض، لكن رأسها كان يؤلمها بشدة. وضعت يدها على جبينها وأغمضت عينيها مرة أخرى. ثم سمعت صوتًا. صوت امرأة. هادئًا... لكنه غريب. "أخيرًا استيقظتِ." تجمدت نُوران. رفعت رأسها بسرعة. لم يكن هناك أحد. فقط الضباب. "مين؟" لم يأتها رد مباشر. لكن الضباب بدأ يتحرك ببطء. يتراجع. يتفرق. حتى ظهر أمامها ممر طويل تحيط به أعمدة حجرية ضخمة. لم يكن يشبه أي مكان رأته من قبل. الأعمدة كانت مغطاة برموز قديمة تشبه الرموز الموجودة داخل كتاب البداية. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "فين أنا؟" هذه المرة جاءها الرد. "في المكان الذي بدأت فيه القصة." اتسعت عيناها. "إنتِ مين؟" ظهر ضوء خافت بين الأعمدة. ثم بدأت ملامح امرأة تتشكل داخله. شعر طويل بلون الفضة. وثوب أبيض يتحرك مع الهواء رغم أن المكان كان ساكنًا. لكن أكثر ما لفت انتباه نُوران كان عينيها. كانتا تشبهان عينيها هي. تراجعت خطوة للخلف. "إنتِ..." ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة. "أعرف أنكِ مرتبكة." "مين إنتِ؟" صمتت المرأة للحظة. ثم قالت: "شخص كان يعرفك قبل أن تولدي." شعرت نُوران وكأن الأرض اهتزت تحتها. "مستحيل." "الحقيقة لا تهتم بما نعتقد أنه مستحيل." بدأ قلبها ينبض بسرعة. كل شيء حولها أصبح أكثر غرابة. منذ ظهور كتاب البداية وحياتها تنقلب رأسًا على عقب، لكن هذه المرة شعرت أن الأمور تقترب من شيء أخطر. من حقيقة أكبر بكثير مما تخيلت. اقتربت المرأة خطوة. "هل ما زلتِ تبحثين عن إجابات؟" ضحكت نُوران بمرارة. "كل اللي حواليا أسئلة أصلاً." "والإجابات لها ثمن." "وأنا تعبت من الأسرار." أخفضت المرأة رأسها قليلًا. وكأنها تشعر بشيء من الحزن. ثم رفعت يدها. وفجأة تغير المشهد. اختفت الأعمدة. واختفى الضباب. وأصبحت نُوران تقف في غرفة واسعة. غرفة تعرفها جيدًا. غرفة طفولتها. شهقت. "إيه ده؟" كانت الألعاب القديمة في أماكنها. النافذة نفسها. السرير نفسه. حتى الرسومات التي كانت ترسمها وهي صغيرة. اقتربت ببطء. مدت يدها نحو أحد الرسومات المعلقة على الحائط. لكنها توقفت. في الرسم كان هناك شيء لم تتذكر أنها رسمته. ظل طويل يقف خلف طفلة صغيرة. ظل بلا وجه. تراجعت خطوة. شعرت بالخوف. "أنا عمري ما رسمت ده." قالت المرأة بهدوء: "بل رسمتيه." "لا." "لكنك لا تتذكرين." بدأت الصور على الجدران تتغير. واحدة تلو الأخرى. وأمام عينيها ظهرت مشاهد من طفولتها. نُوران وهي تلعب في الحديقة. نُوران وهي تذهب إلى المدرسة. نُوران وهي تبكي بعد سقوطها. وفي كل صورة... كان هناك شخص. دائمًا في الخلفية. بعيدًا. يراقب. لا يقترب. لكن وجوده واضح. ظل طويل. بلا ملامح. بلا وجه. شعرت ببرودة في أطرافها. "لا..." همست. "ده مستحيل." لكن داخلها كانت تعرف. تعرف أن ذلك الظل لم يكن غريبًا. لقد رأته من قبل. دون أن تدرك. طوال حياتها. "هو..." رفعت رأسها نحو المرأة. "حارس الظل؟" لم تجب المرأة مباشرة. لكن نظرتها كانت كافية. شعرت نُوران بأنفاسها تتسارع. "كان بيراقبني من وأنا صغيرة؟" "أكثر مما تتخيلين." "ليه؟" صمتت المرأة. ثم قالت: "لأن موتك كان سيغير أشياء كثيرة." ساد الصمت. ثقيلاً. مخيفًا. "موتي؟" "كانت هناك محاولات كثيرة." "إيه؟" بدأت المشاهد تتغير بسرعة. رأت نفسها طفلة تركض نحو شارع مزدحم. ثم ظهر الظل فجأة. وتوقفت سيارة قبل أن تصدمها بلحظة. مشهد آخر. درج مرتفع. طفلة صغيرة تفقد توازنها. ثم شيء غير مرئي يدفعها بعيدًا عن الحافة. مشهد ثالث. نار صغيرة تشتعل داخل غرفة. ثم تنطفئ فجأة. شعرت نُوران بأن ساقيها لم تعودا تحملانها. جلست على الأرض. كل هذه الحوادث... كانت تتذكرها. لكنها لم تعرف أبدًا كيف نجت منها. حتى الآن. "كان هو..." همست. "نعم." أغلقت عينيها. حاولت استيعاب الأمر. لكن عقلها كان يرفض. كيف يمكن لشخص أن يحرسها طوال حياتها؟ ولماذا؟ ولأي سبب؟ رفعت رأسها مجددًا. "هو مين؟" هذه المرة اختفت ابتسامة المرأة. وحل مكانها تعبير غامض. "السؤال الصحيح ليس من هو." "أمال إيه؟" "ماذا حدث له." شعرت نُوران بأن قلبها انقبض. وكأنها لا تريد سماع الإجابة. وكأن جزءًا منها يعرف أنها ستكون مؤلمة. لكن قبل أن تتكلم... اهتز المكان بعنف. تشققت الجدران. وانطفأت الأضواء. تراجعت المرأة بسرعة. وتغيرت ملامحها. لأول مرة ظهر القلق في عينيها. "لا..." همست. "وجدوك." "مين؟" لكنها لم تجب. بدأت الأرض تهتز. والغرفة كلها تتصدع. ثم ظهر صوت عميق في كل مكان. "تم تحديد موقع الهدف." شحب وجه المرأة. "اسمعيني جيدًا." نظرت إليها نُوران بسرعة. "إنتِ لازم ترجعي حالًا." "وأنتِ؟" ابتسمت المرأة بحزن. "لسه مش وقتي." "أنا مش فاهمة حاجة!" لكن المرأة اقتربت منها بسرعة. وأمسكت كتفيها. "لما تلاقيه..." توقفت للحظة. "ما تسمحيش لهم ياخدوه منك." اتسعت عينا نُوران. "مين؟" لكن الوقت انتهى. فجأة انشق الهواء أمامها. وظهر باب أسود ضخم. ومن داخله خرج ضوء أحمر مرعب. ومعه... شخص. طويل. يرتدي معطفًا أسود. وجهه مخفي. لكن حضوره وحده كان كافيًا ليجعل الدم يتجمد في عروقها. ابتسم الرجل ببطء. وقال: "بعد كل هذه السنوات..." ثم رفع رأسه نحوها. "أخيرًا وجدناكِ يا نُوران." تجمدت في مكانها. شعرت أن الخطر الذي كانت تهرب منه منذ البداية أصبح أمامها مباشرة. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في ظهوره. بل في الجملة التي قالها بعدها. "الحارس فشل." توقف قلبها للحظة. "والآن... جاء دوري." وفي اللحظة نفسها... ظهر خلف الرجل شيء جعل الدم يهرب من وجهها. شخص كانت تعرفه. أو ظنت أنها تعرفه. شخص يشبه حارس الظل تمامًا. لكن عينيه... كانتا خاليتين من أي مشاعر. وكأنه لم يعد الشخص نفسه. وكأنه أصبح شيئًا آخر بالكامل. يتبع.الفصل ١٠١: الحياة التي اخترناهامرّت ستة أشهر.ستة أشهر تغيّر فيها الكثير، دون أن يختفي الماضي تمامًا.كانت قضية المشروع قد وصلت إلى المحكمة، وبدأت جلساتها وسط اهتمام كبير من الصحافة، بعدما ظهرت مستندات تثبت حجم الانتهاكات التي تعرض لها الأطفال والناجون. لم تكن كل التفاصيل قد انتهت، ولم يحصل الجميع على إجابات كاملة، لكن الحقيقة لم تعد مدفونة في الملفات القديمة.عبدالعزيز وسامح واجها اتهامات متعددة، بينما ظل سليم عبدالعزيز قيد المحاكمة، بعدما اعترف بدوره في تأسيس المشروع والتستر على جرائمه. أما سليم، والد نوران، فقد أصبح شاهدًا رئيسيًا، وقدم كل ما يملكه من معلومات، حتى تلك التي جعلته يبدو مقصرًا في نظر ابنته.لم يكن الاعتراف كافيًا لمحو الألم، لكنه كان بداية لتحمل المسؤولية.نوران لم تعد تزور المحكمة كل يوم. في البداية كانت تشعر أن عليها متابعة كل جلسة، وكأن غيابها قد يسمح للماضي بالعودة. لكن آدم أقنعها أن حياتها لا يجب أن تتوقف عند أبواب المحكمة.قال لها ذات مساء:— مش لازم تكوني موجودة في كل لحظة عشان تثبتي إنك مش نسيتي.نظرت إليه وسألته:— وإنت مش خايف إن الناس تنسى اللي حصل؟— الن
مرت ثلاثة أسابيع منذ الليلة التي تغيرت فيها حياة نوران إلى الأبد.ثلاثة أسابيع لم تعد فيها تستيقظ على صوت هاتف مجهول، أو تخشى أن تجد رسالة تهديد تحت باب المنزل، أو تتساءل إن كان الشخص الذي يقف أمامها يخفي حقيقة أخرى.لكن الهدوء لم يكن سهلًا كما تخيلت.في الأيام الأولى، كانت تستيقظ قبل الفجر، تجلس على حافة السرير، وتحدق في الظلام. أحيانًا كانت تسمع صوت خطوات في الشارع فتتجمد في مكانها، وأحيانًا كانت تفتح هاتفها أكثر من مرة لتتأكد أن لا أحد يراقبها.كانت تعرف أن الخطر الأكبر انتهى، لكن جسدها لم يكن قد صدق ذلك بعد.في صباح يوم هادئ، وقفت أمام المرآة، وربطت شعرها، ثم نظرت إلى انعكاس وجهها طويلًا.لم تعد ترى الفتاة التي كانت تبحث عن إجابات في صور قديمة فقط. أصبحت ترى امرأة عرفت الحقيقة، وواجهت أشخاصًا حاولوا سرقة حياتها، ونجت رغم كل شيء.جاء صوت هناء من خلف الباب:— نوران، الفطار جاهز يا حبيبتي.— جاية يا ماما.خرجت من غرفتها، فوجدت هناء تضع الأطباق على الطاولة. كان يوسف يجلس بجوار النافذة، يحمل كوب الشاي، بينما كان سليم يقرأ بعض الأوراق التي أحضرها من المحامي.توقفت نوران عندما رأته.لم ت
في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد بدأت تظهر فوق شوارع المدينة، لكن نوران لم تشعر أن الليل انتهى فعلًا.جلست في غرفة صغيرة داخل مبنى الشرطة، وبجوارها آدم ويوسف وهناء. كان الجميع ينتظرون وصول المحامي، بينما انشغل سامر وحسن بتسليم النسخ الرقمية من الأدلة إلى الضباط المختصين.على الطاولة أمام آدم، استقر شريط التسجيل الأخير الذي تركته مريم.لم يلمسه منذ أن أخرجه يوسف من جيبه.كان ينظر إليه وكأنه يخشى أن يسمع صوت أمه، وفي الوقت نفسه يخشى ألا يسمعه أبدًا.قالت نوران بهدوء:— مش لازم تسمعه لو مش جاهز.رفع آدم عينيه إليها.— طول عمري مستني اللحظة دي. بس دلوقتي لما بقت قدامي، حاسس إني خايف أسمع حاجة تخليني أندم.مدت يدها نحوه.— أيًا كان اللي هتسمعه، مش هتكون لوحدك.نظر إلى يدها، ثم أمسكها.— عشان كده أنا عايز أسمعه.وضع يوسف الشريط في جهاز التسجيل القديم الذي أحضره معه. احتاج الجهاز إلى محاولتين حتى بدأ العمل، ثم خرج صوت تشويش خفيف، أعقبه صوت مريم.— آدم... لو أنت بتسمعني، يبقى أنت كبرت. ويمكن تكون نسيت صوتي، ويمكن تفتكرني بطريقة مختلفة. لكني عايزاك تعرف إنك كنت دايمًا أكتر من مجرد طفل حاولو
لم تستطع نوران أن ترفع عينيها عن الورقة.كان التوقيع واضحًا أسفل الأمر المكتوب، رغم أن الحبر بدأ يتلاشى بفعل السنوات. لم يكن توقيع عبدالعزيز، كما ظنوا، ولم يكن توقيع سامح الدمنهوري.كان توقيع شخص تعرفه نوران جيدًا.شخص وقفت بجانبه طوال الأيام الماضية، وصدقت كلماته، واعتمدت على وجوده في أصعب اللحظات.رفعت رأسها ببطء نحو سليم.كان وجهه قد فقد لونه.قالت بصوت خافت:— بابا... ده توقيعك؟لم يجب.تراجعت خطوة، وكأن الصمت كان اعترافًا أقسى من أي كلمة.— رد عليّ.اقترب آدم منها، لكن نوران رفعت يدها تمنعه.— لأ. المرة دي أنا اللي هسمع الإجابة.نظر سليم إلى الورقة، ثم إلى ابنته.— أيوه... التوقيع توقيعي.شهقت هناء، بينما اندفع يوسف نحوه بغضب.— إنت وقّعت على أمر قتل مريم؟هز سليم رأسه بسرعة.— لا. مش بالشكل اللي فاكرينه.صرخ يوسف:— التوقيع توقيعك!قال سليم بصوت مكسور:— أنا وقّعت على أمر نقل، مش أمر قتل. كانوا بيستخدموا نفس النماذج لكل العمليات. الورقة دي اتزوّرت بعد كده، واتضافت عليها الجملة الأخيرة.تدخل سامح الدمنهوري من مكانه:— كفاية كذب يا سليم. أنت كنت عارف إن مريم هتختفي، ووافقت.التفتت
كانت عقارب الساعة تقترب من الحادية عشرة والنصف ليلًا، عندما خرجوا من المبنى القديم عبر الممر الخلفي.لم يكن أحد يتحدث.كان كل شخص يحمل داخله أسئلة كثيرة، لكنهم جميعًا أدركوا أن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار. سليم عبدالعزيز طلب مقابلتهم في المستشفى القديمة، المكان الذي بدأت فيه الحكاية منذ سنوات طويلة، والمكان الذي شهد أول لقاء بين سليم ومريم.كان من الصعب على نوران أن تصدق أن كل الطرق التي سلكوها، وكل الأبواب التي فتحوها، وكل الأشخاص الذين عادوا من غيابهم، كانت تقودهم إلى المكان نفسه.ركبوا سيارتين، وتولى حسن القيادة في السيارة الأولى، بينما جلس آدم بجوار نوران في الخلف. كان يوسف وسليم وفؤاد في السيارة الثانية، ومعهم نبيل الراوي الذي أصر على الذهاب رغم إصاباته.قال آدم وهو يراقب وجه نوران:— إنتِ كويسة؟ظلت تنظر من النافذة إلى الشوارع المظلمة.— مش عارفة. حاسة إن كل ما بنقرب من النهاية، بخاف أكتر.— الخوف مش معناه إنك ضعيفة.— عارفة. بس أنا تعبت من إني أكون شجاعة طول الوقت.صمت آدم لحظة، ثم قال:— مش لازم تكوني شجاعة كل ثانية. ممكن تتعبي، وممكن تبكي، وممكن تسندي راسك على كتفي. د
لم تستطع نوران التحرك.ظلت واقفة أمام الرجل الذي يشبه الصور القديمة، لكن ملامحه الآن تحمل سنوات طويلة من الغياب والتعب. كانت عيناها معلقتين بوجهه، تحاولان التأكد أن ما تراه حقيقة، وليس ذكرى أخرى صنعها الخوف داخل عقلها.يوسف فتح ذراعيه، لكنه لم يقترب.— نوران...خرج اسمها من فمه بصوت مرتجف.تحركت نحوه ببطء، ثم توقفت قبل أن تصل إليه بخطوة واحدة.— إنت... بجد يوسف؟ابتسم، وامتلأت عيناه بالدموع.— أيوه. أنا أخوكي.اندفعت نحوه فجأة، واحتضنته بقوة. لم تقل شيئًا في البداية، فقط تشبثت بملابسه وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى إذا تركته.ضمها يوسف إليه، ودفن وجهه في شعرها.— سامحيني... سامحيني إني سيبتك كل السنين دي.ضربته نوران بقبضتها على صدره وهي تبكي.— إنت كنت عايش؟ كنت عايش وسايبني أفتكر إنك مت؟— ما سبتكيش بإرادتي.— كلهم قالوا إنك مت! كلهم خلوني أعيش وأنا فاكرة إن مفيش أخ ليا!ابتعد يوسف عنها قليلًا، وأمسك وجهها بين يديه.— أنا حاولت أوصلك. أكتر من مرة. لكن كل مرة كانوا بيلحقوني قبل ما أقدر أظهر. كنت عارف إن أي خطوة غلط ممكن تخلّيهم يوصلوا ليكي.كان سليم واقفًا خلفهما، غير قادر على الكلام.







