Share

3

Author: هيام
last update publish date: 2026-07-17 15:45:35

قبل خمس سنوات، حين دخلت مكتبي للمرة الأولى، كانت مختلفة.

كانت أصغر.

أكثر اندفاعًا.

تملك حماسًا كبيرًا، لكن خبرتها لم تكن توازي طموحها.

أتذكر أنني فكرت حينها أنها لن تستمر طويلًا.

كان من السهل أن أوقع قرار إنهاء عملها وأوفر على نفسي عناء تدريب شخص لا يعرف شيئًا تقريبًا.

لكنها رفضت المغادرة. ولم تطلب فرصة. بل أخذتها بنفسها.

كانت تعود بعد ساعات العمل، تعيد دراسة الملفات، تسأل عن كل تفصيل، وتحاول سد كل فجوة كانت تملكها.

لذلك غيرت قراري ولم أطردها.

بل قررت أن أختبرها.

ضغطت عليها، وضعت أمامها مهامًا تفوق مستواها، ورفعت معاييري معها أكثر من أي موظف آخر.

كنت أريد أن أعرف إلى أي حد يمكنها الصمود.

كنت أنتظر اليوم الذي ستأتي فيه إلى مكتبي وتضع استقالتها فوق الطاولة.

لكن ذلك اليوم لم يأتِ. مرت خمس سنوات، وما زالت هنا.

وما زالت تزعجني بالطريقة نفسها.

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها بعد لحظات من الصمت، لتخرجني من شرودي في تلك الأفكار بصوتها، بينما هزت رأسها بقلة حيلة.

"أنت لا تملك أي رحمة، أليس كذلك؟"

نظرت إليها.

"الرحمة ليست ما أوصلك إلى ما أنتِ عليه الآن يا إيفا."

قلت ذلك بابتسامة جانبية صغيرة، ولم تكن جملة أقولها للمجاملة، بل هي حقيقة... كنت أعرف جيدًا كم تغيرت وكم أصبحت أقوى لأنها لم تتلقَّ الرحمة التي تتحدث عنها...

لم تعد تلك الفتاة التي دخلت شركتي وهي تحاول إخفاء خوفها خلف ثقة مصطنعة، بل أصبحت شخصًا أعتمد عليه، شخصًا أثق بقراراته...

هزت كتفيها بلا مبالاة.

"صحيح."

ثم أضافت وهي تنسحب تحت البطانية:

"لكنني ما زلت لن أذهب معك إلى النادي يا رئيس."

نظرت إليها.

"إلا إذا وعدت أن لا تطبق أساليبك العسكرية عليّ هناك."

"حسنًا."

قلت وأنا أنهض.

"لا أساليب عسكرية."

ثم أضفت:

"على أي حال، حاولي فقط ألا تتجمدي هناك."

بدأت بفك أزرار قميصي.

جاء ردها من فوق الأريكة:

"لا تقلق."

أراحت رأسها على الوسادة، وسحبت البطانية إلى كتفيها.

"لقد مررت بما هو أصعب."

توقفت يدي للحظة.... كانت جملة بسيطة، لكنني أعرفها جيدًا.

إيفا لم تكن تقولها للتظاهر بالقوة.

كانت تعنيها.

خلعت قميصي، ووضعته فوق الفراش، ثم اتجهت إلى حقيبتي وأخرجت سروال النوم.

بعد أن أغلقت الحقيبة، توجهت إلى المصباح الرئيسي وأطفأته.

لم يبقَ سوى الضوء الخافت للمصباح الصغير بجانب السرير.

نظرت نحو الأريكة، وكانت هي قد أمسكت هاتفها بالفعل، وكأنها قررت تجاهل كلامي تمامًا كعادتها.

"إذا لم تكن البطانية كافية، فقط أخبريني."

خرج صوتي هادئًا.

ثم أضفت، بنبرة حملت شيئًا من العتاب:

"لا تعاني في صمت كالعادة."

لم تجب، بل ولم ترفع عينيها حتى.

فقط استمر صوت لوحة المفاتيح الصغيرة لهاتفها في ملء الصمت.

زفرت بخفة. بالطبع إنها إيفا...

الشخص الوحيد الذي يستطيع تجاهل أوامري دون أن يبدو الأمر تحديًا.

وجهة نظر إيفا:

لم يكد يُغلق باب الحمام حتى عاد الهدوء يخيّم على الجناح من جديد.

ظللت أحدّق في شاشة هاتفي دون أن أقرأ حرفًا واحدًا مما يظهر أمامي. كانت أصابعي تمر على الشاشة آليًا، بينما ذهني عالق في مكان آخر تمامًا.

بعد دقائق قليلة، انفتح الباب فرفعت بصري على غير قصد.

خرج ديمون وهو يجفف شعره بالمنشفة الملقاة حول عنقه. بدا مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي اعتدت رؤيته كل صباح خلف مكتبه؛ اختفت البدلة السوداء وربطة العنق، ولم يبقَ سوى سروال نوم قطني بسيط، بينما تناثرت خصلات شعره السوداء فوق جبينه بعد أن فقدت ترتيبها المعتاد.

ولم يكن ذلك أكثر ما لفت انتباهي.

امتدت على ظهره وشوم داكنة، رسمت تنينًا آسيويًا يلتف بمحاذاة كتفه، تتخلله كتابات لم أهتم يومًا بمعرفة معناها.

مرّ أمامي وكأن الأمر طبيعي تمامًا، ولم أجد نفسي إلا وأنا أتمتم:

"ألم يكن بإمكانك ارتداء قميص؟"

توقف في منتصف الطريق، ثم استدار نحوي ببطء، وقد ارتفع أحد حاجبيه باستغراب واضح.

"للتذكير..."

قالها وهو ينظر إليّ نظرة هادئة.

"هذا جناحي. يمكنني أن أتجول فيه كما أشاء."

ثم أضاف ببرود اعتدته منه:

"إن لم يعجبك المنظر... فأغمضي عينيك."

حدقت فيه ثانية، ثم أعدت نظري إلى هاتفي.

"ومن قال إنني أقصد المنظر أصلًا؟"

تمتمت بلا مبالاة.

"أنا أتحدث عن الطقس يا رئيس."

واصلت تقليب الشاشة وأنا أكمل:

"الليلة باردة، وقد خرجت للتو من الحمام. إن مرضت سنتعطل."

رفعت كتفي بخفة.

"ثم إنني أقضي معك أربعًا وعشرين ساعة في اليوم تقريبًا. ليست هذه أول مرة تتجول فيها أمامي بلا قميص."

ساد صمت قصير، ثم هز كتفيه بلا اهتمام وعاد يجفف شعره.

"حتى لو مرضت..."

قالها وهو يتجه نحو الفراش.

"ستتولين العمل كله بالنيابة عني..."

ألقى المنشفة جانبًا واستلقى فوق السرير، وسحب الغطاء حتى خصره.

"تلك إحدى مميزات امتلاك مساعدة موهوبة."

ضحكت بخفة، للمرة الأولى منذ ساعات.

"حسنًا، لحظة... ديمون كينغز يجامل مساعدته؟ هل أحضر الصحافة يا رئيس؟ يجب تخليد هذا الحدث لأنه نادر."

دحرج عينيه على سخريتي وتمتم:

"أنا لا أجاملك يا إيفا، أنا أخبرك بصريح العبارة أنني لن أتردد في استغلالك."

زالت الابتسامة الساخرة عن شفتي وعبست قبل أن أتمتم بتجهم:

"وهذا بالضبط سبب طلبي. لا أريد أن أعمل بدلًا عن شخص مريض."

لم يجب، وأغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت خافت أثقلته ساعات الإرهاق:

"إذا احتجتِ شيئًا... أي شيء... فأيقظيني."

لم أعلق، وضعت هاتفي جانبًا، ثم أغمضت عيني متظاهرة بالنوم.

انتظر هو لثوانٍ، وحين لم يسمع ردًا، أطلق زفرة قصيرة، ومد يده ليطفئ المصباح الصغير المجاور لسريره.

وهكذا ابتلعت الغرفة الظلمة.

ولم يبقَ سوى ومضات البرق العابرة خلف الستائر، وصوت المطر الذي أخذ يشتد شيئًا فشيئًا.

في البداية، ظننت أنني سأغفو فورًا.

كان جسدي يطالبني بالراحة منذ ساعات، وكتفاي يؤلمانني من طول الجلوس، وعيناي أثقل من أن تبقيا مفتوحتين.

كان من المفترض أن تكون هذه أسهل ليلة نوم مررت بها منذ أيام.

لكن النوم لم يأتِ.

بقيت مستلقية في الظلام، أحدق في السقف بصمت، أستمع إلى صوت أنفاس ديمون المنتظمة من الجهة الأخرى من الغرفة.

لقد نام.

بالطبع نام.

كان ذلك الرجل قادرًا على إطفاء عقله متى قرر ذلك، وكأن التعب بالنسبة له مجرد زر يضغط عليه لينتهي الأمر.

أما أنا... فكنت أملك عقلًا يرفض الصمت.

تسللت أصوات العاصفة من خلف النوافذ.

في البداية لم تكن سوى أمطار تضرب الزجاج.

ثم جاء الرعد... ذلك الصوت العميق الذي اهتزت له الغرفة للحظة.

وانقبض جسدي دون إرادة مني.

أغمضت عيني بقوة، محاولة تجاهل الأمر.

لكن بعض الأصوات لا تبقى مجرد أصوات.

بعضها يملك قدرة غريبة على فتح أبواب نحاول إبقاءها مغلقة.

تغير المشهد أمامي.

لم أعد في غرفة الفندق.

لم أعد أسمع صوت المطر فوق الزجاج.

كنت هناك مجددًا.

في تلك الغابة... في تلك الليلة.

في تلك الذكريات التي دفنتها منذ سنوات، لكنها لم تمت أبدًا.

رأيت نفسي أركض.

قدماي تغوصان في الأرض الرطبة، أنفاسي متقطعة، ويدي ملطخة بالدماء.

لم أستطع رؤية شيء بوضوح.

فقط الأشجار الطويلة المحيطة بي.

الظلام.

والخوف الذي كان يملأ صدري حتى ظننت أن قلبي سيتوقف.

فتحت عيني بسرعة، وشهقت بصوت مسموع عندما عادت الغرفة أمامي.

السقف... الجدران... صوت المطر.

كل شيء كما كان... لكن جسدي لم يدرك ذلك بعد.

أخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة ارتجاف يدي.

هذا يحدث دائمًا.

كلما جاءت عاصفة، عاد الماضي ليذكرني بأنه لم يرحل حقًا.

نظرت إلى الساعة الصغيرة على الطاولة.

مرت ساعتان. ساعتان وأنا أحدق في السقف وكأنني أنتظر أن يختفي شيء لا وجود له.

ثم جاء صوت الرعد مرة أخرى... أقوى هذه المرة.

انتفضت في مكاني، وجلست بسرعة... احتج جسدي على الحركة المفاجئة، بينما بدأ قلبي يخفق بعنف.

نظرت حولي للحظات، أبحث عن أي شيء يعيدني إلى الواقع.

الغرفة كانت مظلمة.

ديمون ما زال نائمًا.

تنفست ببطء، ثم نهضت.

لم أكن أريد إيقاظه.

كل ما أردته هو بعض الماء.

اتجهت نحو الثلاجة الصغيرة في زاوية الغرفة، وفتحتها.

لكن محتوياتها لم تكن كما توقعت.

زجاجة ماء لم تكن موجودة.

الشيء الوحيد الموجود كان زجاجة فودكا.

حدقت بها بضيق... حتى الفندق قرر أن يجعل هذه الليلة أكثر تعقيدًا.

تنهدت بقلة حيلة وأخذت الزجاجة.

وقبل أن أغلق الباب، سمعت حركة خلفي.

ثم جاء صوته.

صوت أجش أثقلته النعاس.

"لقد تجاوزت الساعة الواحدة..."

تجمدت يدي للحظة.

"ما الذي تفعلينه في هذا الوقت؟"

... يتبع

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عاصفة بيننا    5

    وجهة نظر ديمون :إن سألتني ما هي أكثر هواية أصبحت أفضلها طوال السنوات الخمس الماضية... فسأخبرك بكل صراحة أنها إرباك هذه الفتاة...صدقًا لا أمزح... ربما سأُعتبر حقيرًا لاعترافي بذلك، لكن من الغبي الذي سيقاوم رؤية وجهها حين ترتبك؟الضغط على أزرارها... وجعلها تنسى أنها تحبس أنفاسها... جعلها تتيه في مكان ما داخل أفكار أعرفها جيدًا... ذلك أقصى درجات المتعة بالنسبة لي...لكن هذه المرة لم أفعلها للمتعة فقط... لقد تعمدت فعلها لتشتيت ذهنها عن أيًّا كان السبب الذي جعلها تستيقظ في هذا الليل وهي ترتجف...لقد مرت خمس سنوات الآن، وما زلت لا أعرف عنها شيئًا... أقصد عن ماضيها... لا أعرف ما الذي يجعلها تكره العواصف لهذه الدرجة...لكن كان عليّ إيجاد طريقة لتشتيتها عن تلك الأفكار التي تخيفها... لأنني مديرها... أو ربما تلك هي الحجة التي أقنعت بها نفسي...حجة أنها موظفة مهمة بالنسبة لي... حجة أن خمس سنوات من العمل تعني عشرة بيننا، وأنه لا بأس أن أقلق بشأنها أحيانًا...فقط لأنها موظفتي... لا شيء أكثر من ذلك...لكن هذه المرة الأمر مختلف...هل هي الكحول؟ لا أدري... أنا لست ضعيفًا أمام الكحول أبدًا...فلماذا

  • عاصفة بيننا    4

    استدرت نحوه ببطء.كان قد اعتدل نصف جلسة على السرير، وشعره ما يزال مبعثرًا، وعيناه نصف مغمضتين من أثر النوم، لكن نظرته كانت يقظة بما يكفي لتلتقط كل شيء."ما الذي تفعلينه في هذا الوقت؟"رفعت الزجاجة قليلًا."كنت أبحث عن ماء."نظر إلى الزجاجة لثانية."ويبدو أن الفندق يعتقد أن الفودكا بديل مناسب."ساد صمت قصير.ثم قال بهدوء:"أنتِ لا تشربين."لم يكن سؤالًا.هززت رأسي."حسنا... أظنني سأبدأ الليلة."ظل يراقبني لثوانٍ، ثم انتقلت عيناه إلى يدي."ايفا... يدط ترتجف."خفضت يدي بسرعة، وكأنني أحاول إخفاء الأمر ثم حولت عيني بعيدا"البرد."لم يرد.اكتفى بالنظر إليّ بصمت.كنت أعرف تلك النظرة.لم يكن يصدقني.لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي يضغط على الناس حتى يعترفوا بما يخفونه.وهذا ما جعل صمته أثقل من أي سؤال.بقي ينظر إليّ للحظات.ثم انتقلت عيناه إلى الزجاجة في يدي ثم مرر يده على وجهه، وكأنه يحاول التخلص من بقايا النوم.لم يحتج إلى أكثر من ثانية ليفهم... لكنه مع ذلك تصرف وكأنه لم يفعلوسايرني في حجتي ورد عليها بهدو"قلت لك إن الأريكة باردة."صمت لحظة. ثم أشار إلى الجانب الفارغ من السرير."تعالي هنا."

  • عاصفة بيننا    3

    قبل خمس سنوات، حين دخلت مكتبي للمرة الأولى، كانت مختلفة.كانت أصغر.أكثر اندفاعًا.تملك حماسًا كبيرًا، لكن خبرتها لم تكن توازي طموحها.أتذكر أنني فكرت حينها أنها لن تستمر طويلًا.كان من السهل أن أوقع قرار إنهاء عملها وأوفر على نفسي عناء تدريب شخص لا يعرف شيئًا تقريبًا.لكنها رفضت المغادرة. ولم تطلب فرصة. بل أخذتها بنفسها.كانت تعود بعد ساعات العمل، تعيد دراسة الملفات، تسأل عن كل تفصيل، وتحاول سد كل فجوة كانت تملكها.لذلك غيرت قراري ولم أطردها.بل قررت أن أختبرها.ضغطت عليها، وضعت أمامها مهامًا تفوق مستواها، ورفعت معاييري معها أكثر من أي موظف آخر.كنت أريد أن أعرف إلى أي حد يمكنها الصمود.كنت أنتظر اليوم الذي ستأتي فيه إلى مكتبي وتضع استقالتها فوق الطاولة.لكن ذلك اليوم لم يأتِ. مرت خمس سنوات، وما زالت هنا.وما زالت تزعجني بالطريقة نفسها.ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها بعد لحظات من الصمت، لتخرجني من شرودي في تلك الأفكار بصوتها، بينما هزت رأسها بقلة حيلة."أنت لا تملك أي رحمة، أليس كذلك؟"نظرت إليها."الرحمة ليست ما أوصلك إلى ما أنتِ عليه الآن يا إيفا."قلت ذلك بابتسامة جانبية صغيرة، و

  • عاصفة بيننا    2

    راقبته لثوانٍ بصمت. لا أعلم حقًا لماذا كنت أنتظر منه أن يتصرف بطريقة مختلفة. ربما لأن الإرهاق يجعل الإنسان أكثر لينًا. أما ديمون كينغز... فيبدو أن التعب لا يفعل معه سوى شيء واحد. يجعله أكثر ديمون كينغز. أطلقت زفرة قصيرة، ثم سحبت حقيبتي نحو الأريكة. "حسنًا... سأخذها أنا." لم يرفع رأسه. ظننت أنه لم يسمعني، حتى انزلقت عجلات الحقيبة فوق الأرضية الخشبية مصدرة احتكاكًا خافتًا. زفر هو هذه المرة. "لا تجرّيها." توقفت. "ماذا؟" "الحقيبة." قالها دون أن ينظر إليّ. "الصوت مزعج." أغمضت عيني للحظة. بالطبع... من بين كل ما حدث اليوم، كانت عجلات حقيبتي هي المشكلة الكبرى. رفعتها عن الأرض دون تعليق، وسرتها بها حتى الأريكة، ثم وضعتها برفق. لم أعد أملك طاقة للدخول في أي جدال، مهما كان سخيفًا. لا خوفًا من أن أطرد. بل لأن تلك الكلمة فقدت وقعها داخلي منذ زمن. فتحت الحقيبة، وبدأت أبحث بين أغراضي عن ملابس النوم ومستحضرات الاستحمام. كان كل ما يشغل تفكيري آنذاك هو الماء الساخن، والوسادة، والنوم. لا شيء أكثر. شعرت بنظره يستقر على ظهري. ذلك النوع من النظرات الذي

  • عاصفة بيننا    1

    لم يكن في المقصورة سوى هدير المحركات الخافت، ونقرات أصابعي المنتظمة فوق لوحة مفاتيح الحاسوب المحمول. كان ذلك النوع من الهدوء الذي لا يُشعرك بالسكينة بقدر ما يذكرك بطول الطريق. خلف النافذة امتدت السماء بلونٍ داكن، لا يقطعه سوى انعكاس الأضواء البيضاء على جناح الطائرة الخاصة التي غادرت نيويورك قبل ساعات، متجهة إلى اليابان في رحلة عمل طال انتظارها. أما أنا، فلم يكن لديّ متسع للتأمل. كان جدول الاجتماعات مفتوحًا أمامي، إلى جواره عشرات الرسائل التي لم تنتهِ بعد، والملفات التي تتطلب مراجعة أخيرة قبل الوصول. مرّت أصابعي فوق لوحة المفاتيح بسرعة اعتادت عليها منذ سنوات، حتى غدت الحركة أشبه بردة فعل لا تحتاج إلى تفكير. توقفت لبرهة، أطلقت زفيرًا خافتًا، ثم رفعت بصري. كان يجلس قبالتي تمامًا. رأسه مستند إلى كفه، وعيناه مغمضتان في هدوء يوحي للناظر بأنه نائم، لكنه لم يكن كذلك. أعرف هذه العادة جيدًا؛ كان يقتنص دقائق الراحة أينما وجدها، لأنه يعلم يقينًا أن الأيام التالية لن تمنحه رفاهية النوم. بدلته السوداء ما زالت محافظة على أناقتها رغم ساعات السفر الطويلة، وربطة عنقه لم تنفك بعد، أما

  • عاصفة بيننا    0

    لم أؤمن يومًا بأن الإنسان يولد شريرًا.كنت أؤمن أن المكان الذي يولد فيه لا يحدد مصيره، وأن الدم الذي يجري في عروقه لا يملك سلطة على القرارات التي يتخذها.ربما كان ذلك اعتقادًا ساذجًا.ففي صقلية، حيث ولدت، لم يكن اسم العائلة مجرد اسم يُكتب على الأوراق الرسمية.كان حكمًا.كان وعدًا.وكان أحيانًا... تهديدًا.ولدت إيفا غارسيا، ابنة أحد أشهر رجال الأعمال الإيطاليين، وريثة عائلة امتلكت المال والنفوذ والسلطة لسنوات طويلة.لكن ما لم يكن يعرفه الغرباء أن خلف القصور الفاخرة، والسيارات السوداء، والاجتماعات المغلقة، كان هناك عالم آخر.عالم لا تُحل فيه المشاكل بالقانون.عالم تُدفن فيه الأسرار مع أصحابها.كانت عائلة غارسيا واحدة من تلك العائلات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، عائلة ارتبط اسمها بالقوة والخوف أكثر مما ارتبط بالثروة.إخوتي كانوا رجالًا في ذلك العالم.نساء العائلة تزوجن رجالًا منه.وكان الجميع ينتظر مني أن أسير الطريق نفسه.أن أرتدي فستانًا أبيض، وأبتسم أمام الكاميرات، ثم أُسلّم حياتي لرجل لم أختره فقط لأن اسمه يحمل قوة أكبر من اسمي.لكنهم ارتكبوا خطأ واحدًا.ظنوا أنني واحدة منهم.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status