LOGINاستدرت نحوه ببطء.
كان قد اعتدل نصف جلسة على السرير، وشعره ما يزال مبعثرًا، وعيناه نصف مغمضتين من أثر النوم، لكن نظرته كانت يقظة بما يكفي لتلتقط كل شيء. "ما الذي تفعلينه في هذا الوقت؟" رفعت الزجاجة قليلًا. "كنت أبحث عن ماء." نظر إلى الزجاجة لثانية. "ويبدو أن الفندق يعتقد أن الفودكا بديل مناسب." ساد صمت قصير. ثم قال بهدوء: "أنتِ لا تشربين." لم يكن سؤالًا. هززت رأسي. "حسنا... أظنني سأبدأ الليلة." ظل يراقبني لثوانٍ، ثم انتقلت عيناه إلى يدي. "ايفا... يدط ترتجف." خفضت يدي بسرعة، وكأنني أحاول إخفاء الأمر ثم حولت عيني بعيدا "البرد." لم يرد. اكتفى بالنظر إليّ بصمت. كنت أعرف تلك النظرة. لم يكن يصدقني. لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي يضغط على الناس حتى يعترفوا بما يخفونه. وهذا ما جعل صمته أثقل من أي سؤال. بقي ينظر إليّ للحظات. ثم انتقلت عيناه إلى الزجاجة في يدي ثم مرر يده على وجهه، وكأنه يحاول التخلص من بقايا النوم. لم يحتج إلى أكثر من ثانية ليفهم... لكنه مع ذلك تصرف وكأنه لم يفعلوسايرني في حجتي ورد عليها بهدو "قلت لك إن الأريكة باردة." صمت لحظة. ثم أشار إلى الجانب الفارغ من السرير. "تعالي هنا." نظرت إليه. "ديمون..." "أنت تتصرفين الآن كأنني مدير متحرش، على فكرة أنا لا أعض. توقفي عن التصرف بطفولية وتعالي إلى هنا، الفراش يكفينا نحن الاثنين." قالها ببساطة، وكأنه يقترح حلًا لمشكلة عادية، فأطلقت زفرة ثم تمتمت: "الأمر لا علاقة له بالأريكة... ولا بك." أغلقت باب الثلاجة، ثم بقيت واقفة للحظات. لم أكن أعرف كيف أشرح الأمر. كيف تشرح لشخص أن المشكلة ليست في المكان؟ أن بعض الأشياء لا تختفي بمجرد تغيير الغرفة؟ كيف أشرح له سبب خوفي من العواصف دون أن أفضح هويتي أمامه؟ لم يكن هناك طريقة... لذلك لم أفعل ولن أفعل... أطلقت زفرة بقلة حيلة ثم تقدمت أخيرًا. ممسكة الزجاجة في يدي، وسرت نحو السرير. وقفت أمامه للحظات. كانت عيناه تراقبانني بصمت. "أنا أكره العواصف." هكذا وحسب نطقت دون المزيد من التبرير، وهو لم يطلب تبريرات أصلًا، بل ولم يتغير تعبيره. لم يسأل لماذا. لم يطلب تفسيرًا. فقط تحرك ليجلس بشكل أفضل، وأشار إلى المكان الفارغ بجانبه. "أعرف." كانت إجابته هادئة. وهذا ما أزعجني أكثر... هذه ليست أول مرة يحصل فيها هذا، لقد حصل الأمر مرة من قبل... عندما كنت أقود السيارة بعد أن غادرنا عشاء عمل، نحن نعيش في نفس البناية لذا كنا نذهب للمنزل معًا... وحصل أن قررت تلك العاصفة الغبية أن تبدأ ونحن في منتصف الطريق... تشنجت يداي ولم أعد قادرة على قيادة السيارة، بسبب الاضطراب كدت أن أتسبب بحادث يودي بحياة كلينا لولا أنه تدخل وقتها وطلب مني النزول ليقود هو السيارة بدلًا عني... رغم أنه كان قد شرب الكحول خلال العشاء... منذ تلك الحادثة لا بد أنه فهم الأمر... فهم أنني أعاني من رهاب العواصف... خرجت من تلك الذكريات المقيتة وهززت رأسي ثم زفرت بقلة حيلة، وجلست. لكنني لم أستللقِ. جلست متربعة على الفراش، وفتحت الزجاجة. "طبعًا تعرف." خرجت الكلمات بسخرية خفيفة. "أنت دائمًا تعرف كل شيء." راقبني بصمت بينما رفعت الزجاجة إلى شفتي، وأخذت رشفة صغيرة. لم يكن مذاقها مهمًا. لم أكن أبحث عن طعم. كنت أبحث فقط عن شيء يسكت الضجيج داخلي. وبعد لحظة، امتدت يده وأخذ الزجاجة مني بهدوء، فنظرت إليه باستغراب. "ماذا تفعل؟" لكنه لم يجب، بل اكتفى برفع الزجاجة إلى فمه ليرتشف منها بدوره. "ليس بالضرورة أن أعرف كل شيء." قال وهو يعيد الزجاجة إلى الأسفل. "لكن هذا ما يسمى بالاهتمام بمن حولي." نظر إليّ مباشرة. "خصوصًا موظفي." ابتسمت بسخرية، وأرحت ظهري إلى لوح السرير. "أنت تهتم؟" هززت رأسي ببطء. "لا يا رئيس... أنت فقط تحسب حساب لكل شيء." رفعت عيني إليه. "هذا ليس اهتمامًا... هذا هوس بالسيطرة." توقفت الزجاجة في منتصف الطريق إلى شفتيه عندما كان على وشك أخذ رشفة أخرى. وبقيت كلماتي معلقة بيننا. كنت أعلم أنها قاسية قليلًا. وربما أكثر صراحة مما ينبغي. لكنني لم أندم عليها. لأنها كانت الحقيقة التي فكرت بها طويلًا ولم أقلها من قبل. ديمون كينغز لم يكن رجلًا يترك الأشياء للصدفة. كل شيء في حياته محسوب. كل خطوة مدروسة. كل احتمال موضوع في الحسبان قبل أن يحدث. حتى الأشخاص من حوله... كان يتعامل معهم وكأنهم جزء من خطة يجب إدارتها. خفض الزجاجة قليلًا، وبقي صامتًا للحظات. ثم رفع نظره إليّ. لم يكن غاضبًا. مسح بإبهامه أثر البلل عن شفتيه، ثم غيّر جلسته حتى أصبح يواجهني بالكامل. "التخطيط..." بدأ جملته بهدوء ثابت... "...والهوس بالسيطرة، كما تسمينه، هما ما أوصلاني إلى ما أنا عليه." تزامنًا مع تلك الكلمات مد يده متجاوزًا كتفي، ليضع الزجاجة على الطاولة الصغيرة بجانبي. وبفعل الحركة اقترب أكثر. حتى أصبحت المسافة بيننا بالكاد تُذكر. شعرت بأنفاسه الدافئة تمر بمحاذاة وجهي. تحركت عيناه بين ملامحي ببطء، ثم استقرتا على شفتي لثوانٍ معدودة قبل أن يرفعهما لعينيّ. "لكن..." توقف لحظة قصيرة. ثم انخفض صوته، وقد بقيت فيه بحة النوم. "...الاهتمام هو الذي أوصلكِ إليّ." توقفت أفكاري للحظة. لم أعرف ماذا أقول. ليس لأن الجملة كانت غريبة... بل لأن ديمون لا يقول أشياء كهذه عادة. الرجل الذي يستطيع إدارة اجتماع كامل دون أن تتغير نبرة صوته، والذي يجعل الجميع يفكرون ألف مرة قبل الحديث أمامه، كان الآن يتحدث عن الاهتمام وكأنه أمر بسيط... ديمون كينغز لا يهتم... كان عليّ تذكير نفسي بذلك... يجب أن تحذري... خاصة مع رجل مثل هذا... لكنني مع ذلك خفضت نظري دون قصد... عيني خانتني وحدقت حيث لا يجب أن أحدق... في شفتيه ثم عدت أنظر إلى عينيه... لعنت تحت أنفاسي دون أن أشعر... لا لشيء، وإنما لأن قلبي الغبي كان يخفق أسرع مما يجب. لم أشعر بالخوف من قربه... بل شعرت بالخوف مما قد يؤدي له قربه بهذه الطريقة... لكنني تذكرت عندها من أكون أنا... لذلك رسمت تلك الابتسامة الساخرة على شفتي وهمست: "أنت لا تتغير." تمتمت. "حتى وأنت تحاول الدفاع عن نفسك، ما زلت تحاول السيطرة على الموقف." رفع حاجبًا. "إيف... أنا لم أفعل شيئًا بعد..." ضحك بخفة فعقدت حاجبي. "بلى فعلت." قلت بسرعة. "توقف عن التحديق بي هكذا." خرجت كلماتي بحدة جعلت حاجبه يرتفع بهدوء، وبدل الابتعاد وضع يديه على جانبي على الفراش وأمال رأسه، منزلًا عينيه إلى شفتي بلا خجل قبل أن يرفعهما إلى عيني مجددًا وهمس: "التحديق بك كيف؟" ازدردت ريقي عند حركته تلك واتسعت حدقتاي... هذا الرجل لا يمكن أن يكون جادًا... ما الذي يفعله بحق الجحيم؟ لم أنطق بحرف، وساد الصمت بيننا. لكن هذه المرة لم يكن ثقيلًا. كان مختلفًا. خارج الغرفة كانت العاصفة لا تزال تضرب المدينة، وكأن العالم بأكمله في فوضى. أما هنا... فكان هناك هدوء غريب. كانت ثواني قليلة، ولا أحد تراجع عن معركة التحديق تلك... هل كان يتحداني أن أشيح بعيني؟ أجل... هل أنا قبلت التحدي وأشحت بعيني؟ بالطبع أجل... أدرت وجهي جانبًا وتمتمت: "هل تعلم ما أكثر شيء يزعجني فيك؟" نظر إليّ بحاجب مرفوع، وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه. "هناك قائمة طويلة، أليس كذلك؟" رفعت عينيّ إليه مجددًا... "للأسف نعم." "إذن اختاري واحدًا... هيا أخبريني واحدًا فقط الليلة وسأحاول إصلاحه." خرجت كلماته بنبرة لعوبة جعلت حدقتاي تتسعان... لا أدري هل كانت الفودكا قوية لهذه الدرجة أم أنه فقط ديمون كينغز يتصرف كالرجل المتلاعب الذي هو عليه... امتدت أصابعه لتمسك ذقني وترفعه بينما يهمس: "ما الشيء الذي يزعج مساعدتي المجتهدة في رئيسها يا ترى... أخبريني." فكرت للحظة وقضمت باطن خدي بتفكير قبل أن أتمتم: "هذا... كونك هكذا... كونك تحب العبث بعقلي..." لم يجب. ولأول مرة، لم أكن أملك تعليقًا ساخرًا أضيفه. لأنني كنت أعلم أنني لمست شيئًا حقيقيًا. ظل ينظر إليّ بصمت. ثم قال: "وأنتِ؟" انعقد حاجباي. "أنا ماذا؟" "أنتِ لا تحبين العبث بعقلي أيضًا؟... بعنادك، وقاحتك، إصرارك ومكابرتك أمام كل ما يمكن أن يجعلك تبدين ضعيفة..." سكت لثوانٍ ونزلت عيناه لشفتي قبل أن يردف بهمس: "وفمك الذكي هذا..." لم أجد جوابًا مباشرًا. لأنني لم أتوقع أن يقلب كلماتي عليّ. ابتعدت بنظري عنه. "نحن لا نتحدث عني هنا... بل عنك." "لا." رد مباشرة وهو يدير وجهه لي مجددًا ثم أضاف: "نحن نتحدث عن حجم التشابه بيننا." لم أرد. لأنني، للمرة الأولى منذ وقت طويل... لم أجد شيئًا أقوله... لأنني الآن ومن بين جميع الأوقات... الآن تحديدًا... أدركت كم يملك هذا الرجل عينين ساحرتين...وجهة نظر ديمون :إن سألتني ما هي أكثر هواية أصبحت أفضلها طوال السنوات الخمس الماضية... فسأخبرك بكل صراحة أنها إرباك هذه الفتاة...صدقًا لا أمزح... ربما سأُعتبر حقيرًا لاعترافي بذلك، لكن من الغبي الذي سيقاوم رؤية وجهها حين ترتبك؟الضغط على أزرارها... وجعلها تنسى أنها تحبس أنفاسها... جعلها تتيه في مكان ما داخل أفكار أعرفها جيدًا... ذلك أقصى درجات المتعة بالنسبة لي...لكن هذه المرة لم أفعلها للمتعة فقط... لقد تعمدت فعلها لتشتيت ذهنها عن أيًّا كان السبب الذي جعلها تستيقظ في هذا الليل وهي ترتجف...لقد مرت خمس سنوات الآن، وما زلت لا أعرف عنها شيئًا... أقصد عن ماضيها... لا أعرف ما الذي يجعلها تكره العواصف لهذه الدرجة...لكن كان عليّ إيجاد طريقة لتشتيتها عن تلك الأفكار التي تخيفها... لأنني مديرها... أو ربما تلك هي الحجة التي أقنعت بها نفسي...حجة أنها موظفة مهمة بالنسبة لي... حجة أن خمس سنوات من العمل تعني عشرة بيننا، وأنه لا بأس أن أقلق بشأنها أحيانًا...فقط لأنها موظفتي... لا شيء أكثر من ذلك...لكن هذه المرة الأمر مختلف...هل هي الكحول؟ لا أدري... أنا لست ضعيفًا أمام الكحول أبدًا...فلماذا
استدرت نحوه ببطء.كان قد اعتدل نصف جلسة على السرير، وشعره ما يزال مبعثرًا، وعيناه نصف مغمضتين من أثر النوم، لكن نظرته كانت يقظة بما يكفي لتلتقط كل شيء."ما الذي تفعلينه في هذا الوقت؟"رفعت الزجاجة قليلًا."كنت أبحث عن ماء."نظر إلى الزجاجة لثانية."ويبدو أن الفندق يعتقد أن الفودكا بديل مناسب."ساد صمت قصير.ثم قال بهدوء:"أنتِ لا تشربين."لم يكن سؤالًا.هززت رأسي."حسنا... أظنني سأبدأ الليلة."ظل يراقبني لثوانٍ، ثم انتقلت عيناه إلى يدي."ايفا... يدط ترتجف."خفضت يدي بسرعة، وكأنني أحاول إخفاء الأمر ثم حولت عيني بعيدا"البرد."لم يرد.اكتفى بالنظر إليّ بصمت.كنت أعرف تلك النظرة.لم يكن يصدقني.لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي يضغط على الناس حتى يعترفوا بما يخفونه.وهذا ما جعل صمته أثقل من أي سؤال.بقي ينظر إليّ للحظات.ثم انتقلت عيناه إلى الزجاجة في يدي ثم مرر يده على وجهه، وكأنه يحاول التخلص من بقايا النوم.لم يحتج إلى أكثر من ثانية ليفهم... لكنه مع ذلك تصرف وكأنه لم يفعلوسايرني في حجتي ورد عليها بهدو"قلت لك إن الأريكة باردة."صمت لحظة. ثم أشار إلى الجانب الفارغ من السرير."تعالي هنا."
قبل خمس سنوات، حين دخلت مكتبي للمرة الأولى، كانت مختلفة.كانت أصغر.أكثر اندفاعًا.تملك حماسًا كبيرًا، لكن خبرتها لم تكن توازي طموحها.أتذكر أنني فكرت حينها أنها لن تستمر طويلًا.كان من السهل أن أوقع قرار إنهاء عملها وأوفر على نفسي عناء تدريب شخص لا يعرف شيئًا تقريبًا.لكنها رفضت المغادرة. ولم تطلب فرصة. بل أخذتها بنفسها.كانت تعود بعد ساعات العمل، تعيد دراسة الملفات، تسأل عن كل تفصيل، وتحاول سد كل فجوة كانت تملكها.لذلك غيرت قراري ولم أطردها.بل قررت أن أختبرها.ضغطت عليها، وضعت أمامها مهامًا تفوق مستواها، ورفعت معاييري معها أكثر من أي موظف آخر.كنت أريد أن أعرف إلى أي حد يمكنها الصمود.كنت أنتظر اليوم الذي ستأتي فيه إلى مكتبي وتضع استقالتها فوق الطاولة.لكن ذلك اليوم لم يأتِ. مرت خمس سنوات، وما زالت هنا.وما زالت تزعجني بالطريقة نفسها.ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها بعد لحظات من الصمت، لتخرجني من شرودي في تلك الأفكار بصوتها، بينما هزت رأسها بقلة حيلة."أنت لا تملك أي رحمة، أليس كذلك؟"نظرت إليها."الرحمة ليست ما أوصلك إلى ما أنتِ عليه الآن يا إيفا."قلت ذلك بابتسامة جانبية صغيرة، و
راقبته لثوانٍ بصمت. لا أعلم حقًا لماذا كنت أنتظر منه أن يتصرف بطريقة مختلفة. ربما لأن الإرهاق يجعل الإنسان أكثر لينًا. أما ديمون كينغز... فيبدو أن التعب لا يفعل معه سوى شيء واحد. يجعله أكثر ديمون كينغز. أطلقت زفرة قصيرة، ثم سحبت حقيبتي نحو الأريكة. "حسنًا... سأخذها أنا." لم يرفع رأسه. ظننت أنه لم يسمعني، حتى انزلقت عجلات الحقيبة فوق الأرضية الخشبية مصدرة احتكاكًا خافتًا. زفر هو هذه المرة. "لا تجرّيها." توقفت. "ماذا؟" "الحقيبة." قالها دون أن ينظر إليّ. "الصوت مزعج." أغمضت عيني للحظة. بالطبع... من بين كل ما حدث اليوم، كانت عجلات حقيبتي هي المشكلة الكبرى. رفعتها عن الأرض دون تعليق، وسرتها بها حتى الأريكة، ثم وضعتها برفق. لم أعد أملك طاقة للدخول في أي جدال، مهما كان سخيفًا. لا خوفًا من أن أطرد. بل لأن تلك الكلمة فقدت وقعها داخلي منذ زمن. فتحت الحقيبة، وبدأت أبحث بين أغراضي عن ملابس النوم ومستحضرات الاستحمام. كان كل ما يشغل تفكيري آنذاك هو الماء الساخن، والوسادة، والنوم. لا شيء أكثر. شعرت بنظره يستقر على ظهري. ذلك النوع من النظرات الذي
لم يكن في المقصورة سوى هدير المحركات الخافت، ونقرات أصابعي المنتظمة فوق لوحة مفاتيح الحاسوب المحمول. كان ذلك النوع من الهدوء الذي لا يُشعرك بالسكينة بقدر ما يذكرك بطول الطريق. خلف النافذة امتدت السماء بلونٍ داكن، لا يقطعه سوى انعكاس الأضواء البيضاء على جناح الطائرة الخاصة التي غادرت نيويورك قبل ساعات، متجهة إلى اليابان في رحلة عمل طال انتظارها. أما أنا، فلم يكن لديّ متسع للتأمل. كان جدول الاجتماعات مفتوحًا أمامي، إلى جواره عشرات الرسائل التي لم تنتهِ بعد، والملفات التي تتطلب مراجعة أخيرة قبل الوصول. مرّت أصابعي فوق لوحة المفاتيح بسرعة اعتادت عليها منذ سنوات، حتى غدت الحركة أشبه بردة فعل لا تحتاج إلى تفكير. توقفت لبرهة، أطلقت زفيرًا خافتًا، ثم رفعت بصري. كان يجلس قبالتي تمامًا. رأسه مستند إلى كفه، وعيناه مغمضتان في هدوء يوحي للناظر بأنه نائم، لكنه لم يكن كذلك. أعرف هذه العادة جيدًا؛ كان يقتنص دقائق الراحة أينما وجدها، لأنه يعلم يقينًا أن الأيام التالية لن تمنحه رفاهية النوم. بدلته السوداء ما زالت محافظة على أناقتها رغم ساعات السفر الطويلة، وربطة عنقه لم تنفك بعد، أما
لم أؤمن يومًا بأن الإنسان يولد شريرًا.كنت أؤمن أن المكان الذي يولد فيه لا يحدد مصيره، وأن الدم الذي يجري في عروقه لا يملك سلطة على القرارات التي يتخذها.ربما كان ذلك اعتقادًا ساذجًا.ففي صقلية، حيث ولدت، لم يكن اسم العائلة مجرد اسم يُكتب على الأوراق الرسمية.كان حكمًا.كان وعدًا.وكان أحيانًا... تهديدًا.ولدت إيفا غارسيا، ابنة أحد أشهر رجال الأعمال الإيطاليين، وريثة عائلة امتلكت المال والنفوذ والسلطة لسنوات طويلة.لكن ما لم يكن يعرفه الغرباء أن خلف القصور الفاخرة، والسيارات السوداء، والاجتماعات المغلقة، كان هناك عالم آخر.عالم لا تُحل فيه المشاكل بالقانون.عالم تُدفن فيه الأسرار مع أصحابها.كانت عائلة غارسيا واحدة من تلك العائلات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، عائلة ارتبط اسمها بالقوة والخوف أكثر مما ارتبط بالثروة.إخوتي كانوا رجالًا في ذلك العالم.نساء العائلة تزوجن رجالًا منه.وكان الجميع ينتظر مني أن أسير الطريق نفسه.أن أرتدي فستانًا أبيض، وأبتسم أمام الكاميرات، ثم أُسلّم حياتي لرجل لم أختره فقط لأن اسمه يحمل قوة أكبر من اسمي.لكنهم ارتكبوا خطأ واحدًا.ظنوا أنني واحدة منهم.







