Share

2

Author: هيام
last update publish date: 2026-07-17 04:49:27

راقبته لثوانٍ بصمت.

لا أعلم حقًا لماذا كنت أنتظر منه أن يتصرف بطريقة مختلفة.

ربما لأن الإرهاق يجعل الإنسان أكثر لينًا.

أما ديمون كينغز... فيبدو أن التعب لا يفعل معه سوى شيء واحد.

يجعله أكثر ديمون كينغز.

أطلقت زفرة قصيرة، ثم سحبت حقيبتي نحو الأريكة.

"حسنًا... سأخذها أنا."

لم يرفع رأسه.

ظننت أنه لم يسمعني، حتى انزلقت عجلات الحقيبة فوق الأرضية الخشبية مصدرة احتكاكًا خافتًا.

زفر هو هذه المرة.

"لا تجرّيها."

توقفت.

"ماذا؟"

"الحقيبة."

قالها دون أن ينظر إليّ.

"الصوت مزعج."

أغمضت عيني للحظة.

بالطبع...

من بين كل ما حدث اليوم، كانت عجلات حقيبتي هي المشكلة الكبرى.

رفعتها عن الأرض دون تعليق، وسرتها بها حتى الأريكة، ثم وضعتها برفق.

لم أعد أملك طاقة للدخول في أي جدال، مهما كان سخيفًا.

لا خوفًا من أن أطرد.

بل لأن تلك الكلمة فقدت وقعها داخلي منذ زمن.

فتحت الحقيبة، وبدأت أبحث بين أغراضي عن ملابس النوم ومستحضرات الاستحمام.

كان كل ما يشغل تفكيري آنذاك هو الماء الساخن، والوسادة، والنوم.

لا شيء أكثر.

شعرت بنظره يستقر على ظهري.

ذلك النوع من النظرات الذي لا يحتاج إلى أن تراه كي تدرك وجوده.

ثم جاء صوته هادئًا كعادته.

"ستستحمين قبل النوم؟"

واصلت البحث داخل الحقيبة.

"نعم."

ساد صمت قصير، قبل أن يضيف:

"تعلمين أن نظام المياه الساخنة هنا يعمل لعشرين دقيقة فقط، أليس كذلك؟"

توقفت يدي.

أغلقت الحقيبة ببطء، ثم التفت إليه.

كان لا يزال جالسًا في مكانه، وقد فك ربطة عنقه بالكامل هذه المرة، بينما استند برأسه إلى لوح السرير.

أكمل بنبرة خالية من أي انفعال:

"أي إن شخصًا واحدًا فقط سيحصل على حمام ساخن."

حدقت فيه لحظة.

هل كان يمزح؟

لا...

ديمون لا يمزح.

وهل كان يحاول استفزازي؟

في الظروف الطبيعية، ربما كنت سأناقشه.

لكنني كنت مرهقة إلى درجة جعلتني غير قادرة حتى على الانزعاج.

أخذت ملابس النوم من فوق الحقيبة، وأجبت بهدوء:

"لا بأس."

رفع نظره إليّ.

"المياه الباردة لا تزعجني."

لم أزد كلمة أخرى.

استدرت واتجهت إلى الحمام، ثم أغلقت الباب خلفي بهدوء.

...

ما إن لامست المياه جسدي حتى أدركت كم كنت متعبة.

لم تكن باردة فحسب...

بل كانت باردة إلى الحد الذي جعل أنفاسي تنحبس للحظة.

ارتجفت، ثم أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة من نفسي.

يبدو أنني كنت واثقة أكثر مما ينبغي حين أعلنت أن المياه الباردة لا تزعجني.

لكن بعد يوم طويل كهذا...

حتى تلك البرودة بدت أهون من تأجيل الاستحمام.

غسلت عني إرهاق السفر، وربطت شعري للحظات قبل أن أطلقه مجددًا ليبتل حتى أطرافه.

وحين انتهيت، ارتديت سروالًا قطنيًا قصيرًا، مع قميص نوم واسع تجاوز منتصف فخذي بقليل.

ثم لففت منشفة حول شعري وبدأت أجففه ببطء.

استغرقت أكثر مما توقعت.

وحين فتحت الباب أخيرًا...

اندفعت رائحة اللافندر إلى أرجاء الجناح.

رفعت بصري.

كان ديمون قد غيّر وضعية جلوسه.

اختفى الهاتف من يده، وحلّت مكانه مجموعة من أوراق العقد التي جئنا من أجلها.

كان يقلب صفحاتها بهدوء، وكأن اليوم لم يستنزف منه شيئًا، بينما انعكس ضوء المصباح الجانبي على ملامحه الجامدة.

للحظة...

تساءلت إن كان هذا الرجل يعرف أصلًا كيف يتوقف عن العمل.

~~~

وجهة نظر ديمون :

لم أرفع رأسي حين سمعت صوت باب الحمام يُفتح.

على الأقل... هذا ما كنت أنوي فعله.

لكن شيئًا ما جعل نظري يتحرك بعيدًا عن أوراق العقد التي بين يدي، ليستقر عليها للحظات أطول مما ينبغي.

توقفت عيناي عندها دون قصد.

كانت تقف عند مدخل الحمام، وشعرها الأسود المبلل منسدلًا على كتفيها وظهرها، تتساقط منه قطرات صغيرة لا تزال تحمل أثر الماء البارد الذي أصرت على استخدامه. كان قميص النوم الواسع يختلف تمامًا عن مظهرها المعتاد في العمل؛ لا بدلة رسمية، لا ملفات بين يديها، لا تلك النظرة الجادة التي اعتدت رؤيتها خلف مكتبي.

فقط إيفا.

وحين لاحظت نظراتي، توقفت.

رفعت حاجبًا واحدًا وكأنها تسألني بصمت: هل هناك شيء؟

استعدت انتباهي أخيرًا.

أبعدت نظري عنها، وتنحنحت قبل أن أقول:

"ثلاث وثلاثون دقيقة."

نظرت إليّ باستغراب.

"ماذا؟"

أشرت برأسي نحو باب الحمام.

"ألم يتوقف الماء الساخن عن العمل قبل ثلاث عشرة دقيقة؟"

كان بإمكاني معرفة ما ستقوله قبل أن تنطق.

إيفا دائمًا تملك إجابة جاهزة.

"لقد أخبرتك، لا مشكلة لدي مع الماء البارد. يمكنك استخدام الماء الساخن كما تشاء."

قالتها ببساطة، ثم اتجهت نحو الأريكة وهي تجفف شعرها بالمنشفة.

راقبتها للحظة.

قطرات الماء الصغيرة كانت تنساب على عنقها قبل أن تختفي تحت ياقة قميصها الواسعة.

شدَدت فكي قليلًا، وأعدت نظري إلى الأوراق أمامي.

لا داعي لأن أفكر في الأمر.

"افعلي ما تريدين."

خرج صوتي أكثر جمودًا مما قصدت.

"لكن لا تأتي إليّ متذمرة لاحقًا حين تمرضين. لن أحملك إلى المستشفى."

لم تتوقف.

ولم تبدُ منزعجة حتى.

"لم أطلب منك أن تفعل، ولن أطلب منك أبدًا."

كانت تلك الطريقة التي تجيب بها دائمًا.

هدوءها المستفز.

كأن كلماتي لا تملك أي تأثير عليها.

أنزلت حقيبتها من فوق الأريكة، وبدأت تجرها نحو زاوية الغرفة.

نظرت إليها.

ثم إلى الحقيبة.

ثم إليها مجددًا.

هل كانت تفعل ذلك عمدًا؟

وضعت أوراق العقد فوق الفراش، ونهضت.

"هل تتعمدين فعل ذلك؟"

التفتت إليّ بعقد حاجبيها.

"فعل ماذا؟"

تقدمت نحوها، ومددت يدي لأمسك بمقبض الحقيبة.

لكنها لم تتركه.

نظرت إليّ باستغراب.

"ماذا؟ إنها ثقيلة. ماذا تريدني أن أفعل؟"

ولم تكن تكذب.

كنت أعرف أنها أثقل من المعتاد.

هذه الرحلة ستستمر أسبوعًا تقريبًا، ومع ذلك أخبرتها أن تأخذ حقيبة واحدة فقط. وبالطبع، وكعادتها، حاولت أن تجعل المستحيل ممكنًا وحشرت كل ما تحتاجه داخلها.

لم أجب.

اكتفيت بسحب الحقيبة من يدها، وسط مقاومتها القصيرة، ثم حملتها.

دحرجت عيني بضجر.

"إنها ليست بذلك الثقل."

اتجهت إلى الزاوية، ووضعتها هناك دون إصدار صوت.

نظرت إليّ.

"حسنًا، ليس الجميع يرفعون وزن مئة وثمانين كيلوغرامًا في النادي يا رئيس."

ثم أدارت عينيها وعادت إلى الأريكة.

كدت أبتسم.

كدت فقط.

كان ذلك الصوت الوحيد الذي خرج مني الليلة ولم يكن زفرة ضيق أو تعليقًا ساخرًا.

إيفا كانت الوحيدة التي تملك قدرة غريبة على قول أشياء كهذه.

الوحيدة التي تستطيع استفزازي... وجعلي أبتسم في الوقت نفسه.

لكنني أخفيت الأمر سريعًا، ووضعت يدي في جيبي.

"حسنًا، مدربي في النادي متاح إن أردتِ."

رفعت حاجبي.

"يمكنك البدء بالذهاب إلى النادي عندما نعود إلى نيويورك."

توقفت لحظة، ثم أضفت:

"ربما تدربين عضلة غير لسانك."

لم تتغير ملامحها.

"معك أنت؟ لا، شكرًا."

قالتها بهدوء وهي تفتح البطانية.

"آخر مرة ذهبت فيها معك لأحصل على جدول تدريبك الجديد، رأيتك تتنمر على الأولاد هناك."

هذه المرأة...

لا تتوقف عن مفاجأتي.

لم أستطع منع نفسي من رفع حاجبي.

"أنا لم أتنمر عليهم."

قلت ذلك بنبرة دفاعية أكثر مما ينبغي، وهو أمر أدركته فور خروج الكلمات من فمي.

"كانوا يرمون الأوزان في كل مكان، ويتصرفون وكأن النادي ساحة لعب. كان يجب على أحد أن يعلمهم النظام."

عقدت ذراعي أمام صدري.

"لا تتظاهري بأن ذلك لم يكن مستفزًا."

توقفت يداها فوق الملاءة.

ثم التفتت إليّ من فوق كتفها، بتلك النظرة التي أعرفها جيدًا.

نظرة شخص يستعد لتذكيري بشيء لا أريد الاعتراف به.

"لقد كنت حرفيًا تدربهم كالجنود."

رفعت حاجبي.

"كالجنود؟"

"نعم."

أجابت دون تردد.

"لقد أجبرت أحدهم على القيام بمئة تمرين ضغط لأنه لم يستطع رفع مئة وسبعين كيلوغرامًا."

حدقت بها للحظة.

ثم قلت بجدية:

"وهذا منصف."

نظرت إليّ وكأنني قلت شيئًا غير منطقي.

"أي رجل يكون إن لم يستطع رفع خمسة وسبعين كيلوغرامًا؟"

لم ترد.

فقط نظرت إليّ بصمت.

وكان ذلك الصمت كافيًا لأدرك أنها لا توافقني إطلاقًا.

دفعت نفسي أخيرًا نحو الفراش، وأنا أكمل:

"على أي حال، هو تمكن من القيام بمئة تمرين ضغط بفضلي."

جلست على حافة السرير، وألقيت نظرة عليها.

"عليه شكري، لأنني منحته بعض الضغط."

توقفت قليلًا.

"بعض الأشخاص يحتاجون إلى دفعة صغيرة حتى يتقدموا."

خرجت الجملة الأخيرة بنبرة مختلفة.

نبرة لم تكن موجهة لذلك الشاب في النادي.

وكان واضحًا أنها فهمت ذلك.

تلاقت أعيننا للحظات.

لم تكن إيفا مجرد موظفة بالنسبة لي.

على الأقل، لم تكن كذلك منذ زمن طويل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عاصفة بيننا    5

    وجهة نظر ديمون :إن سألتني ما هي أكثر هواية أصبحت أفضلها طوال السنوات الخمس الماضية... فسأخبرك بكل صراحة أنها إرباك هذه الفتاة...صدقًا لا أمزح... ربما سأُعتبر حقيرًا لاعترافي بذلك، لكن من الغبي الذي سيقاوم رؤية وجهها حين ترتبك؟الضغط على أزرارها... وجعلها تنسى أنها تحبس أنفاسها... جعلها تتيه في مكان ما داخل أفكار أعرفها جيدًا... ذلك أقصى درجات المتعة بالنسبة لي...لكن هذه المرة لم أفعلها للمتعة فقط... لقد تعمدت فعلها لتشتيت ذهنها عن أيًّا كان السبب الذي جعلها تستيقظ في هذا الليل وهي ترتجف...لقد مرت خمس سنوات الآن، وما زلت لا أعرف عنها شيئًا... أقصد عن ماضيها... لا أعرف ما الذي يجعلها تكره العواصف لهذه الدرجة...لكن كان عليّ إيجاد طريقة لتشتيتها عن تلك الأفكار التي تخيفها... لأنني مديرها... أو ربما تلك هي الحجة التي أقنعت بها نفسي...حجة أنها موظفة مهمة بالنسبة لي... حجة أن خمس سنوات من العمل تعني عشرة بيننا، وأنه لا بأس أن أقلق بشأنها أحيانًا...فقط لأنها موظفتي... لا شيء أكثر من ذلك...لكن هذه المرة الأمر مختلف...هل هي الكحول؟ لا أدري... أنا لست ضعيفًا أمام الكحول أبدًا...فلماذا

  • عاصفة بيننا    4

    استدرت نحوه ببطء.كان قد اعتدل نصف جلسة على السرير، وشعره ما يزال مبعثرًا، وعيناه نصف مغمضتين من أثر النوم، لكن نظرته كانت يقظة بما يكفي لتلتقط كل شيء."ما الذي تفعلينه في هذا الوقت؟"رفعت الزجاجة قليلًا."كنت أبحث عن ماء."نظر إلى الزجاجة لثانية."ويبدو أن الفندق يعتقد أن الفودكا بديل مناسب."ساد صمت قصير.ثم قال بهدوء:"أنتِ لا تشربين."لم يكن سؤالًا.هززت رأسي."حسنا... أظنني سأبدأ الليلة."ظل يراقبني لثوانٍ، ثم انتقلت عيناه إلى يدي."ايفا... يدط ترتجف."خفضت يدي بسرعة، وكأنني أحاول إخفاء الأمر ثم حولت عيني بعيدا"البرد."لم يرد.اكتفى بالنظر إليّ بصمت.كنت أعرف تلك النظرة.لم يكن يصدقني.لكنه أيضًا لم يكن من النوع الذي يضغط على الناس حتى يعترفوا بما يخفونه.وهذا ما جعل صمته أثقل من أي سؤال.بقي ينظر إليّ للحظات.ثم انتقلت عيناه إلى الزجاجة في يدي ثم مرر يده على وجهه، وكأنه يحاول التخلص من بقايا النوم.لم يحتج إلى أكثر من ثانية ليفهم... لكنه مع ذلك تصرف وكأنه لم يفعلوسايرني في حجتي ورد عليها بهدو"قلت لك إن الأريكة باردة."صمت لحظة. ثم أشار إلى الجانب الفارغ من السرير."تعالي هنا."

  • عاصفة بيننا    3

    قبل خمس سنوات، حين دخلت مكتبي للمرة الأولى، كانت مختلفة.كانت أصغر.أكثر اندفاعًا.تملك حماسًا كبيرًا، لكن خبرتها لم تكن توازي طموحها.أتذكر أنني فكرت حينها أنها لن تستمر طويلًا.كان من السهل أن أوقع قرار إنهاء عملها وأوفر على نفسي عناء تدريب شخص لا يعرف شيئًا تقريبًا.لكنها رفضت المغادرة. ولم تطلب فرصة. بل أخذتها بنفسها.كانت تعود بعد ساعات العمل، تعيد دراسة الملفات، تسأل عن كل تفصيل، وتحاول سد كل فجوة كانت تملكها.لذلك غيرت قراري ولم أطردها.بل قررت أن أختبرها.ضغطت عليها، وضعت أمامها مهامًا تفوق مستواها، ورفعت معاييري معها أكثر من أي موظف آخر.كنت أريد أن أعرف إلى أي حد يمكنها الصمود.كنت أنتظر اليوم الذي ستأتي فيه إلى مكتبي وتضع استقالتها فوق الطاولة.لكن ذلك اليوم لم يأتِ. مرت خمس سنوات، وما زالت هنا.وما زالت تزعجني بالطريقة نفسها.ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها بعد لحظات من الصمت، لتخرجني من شرودي في تلك الأفكار بصوتها، بينما هزت رأسها بقلة حيلة."أنت لا تملك أي رحمة، أليس كذلك؟"نظرت إليها."الرحمة ليست ما أوصلك إلى ما أنتِ عليه الآن يا إيفا."قلت ذلك بابتسامة جانبية صغيرة، و

  • عاصفة بيننا    2

    راقبته لثوانٍ بصمت. لا أعلم حقًا لماذا كنت أنتظر منه أن يتصرف بطريقة مختلفة. ربما لأن الإرهاق يجعل الإنسان أكثر لينًا. أما ديمون كينغز... فيبدو أن التعب لا يفعل معه سوى شيء واحد. يجعله أكثر ديمون كينغز. أطلقت زفرة قصيرة، ثم سحبت حقيبتي نحو الأريكة. "حسنًا... سأخذها أنا." لم يرفع رأسه. ظننت أنه لم يسمعني، حتى انزلقت عجلات الحقيبة فوق الأرضية الخشبية مصدرة احتكاكًا خافتًا. زفر هو هذه المرة. "لا تجرّيها." توقفت. "ماذا؟" "الحقيبة." قالها دون أن ينظر إليّ. "الصوت مزعج." أغمضت عيني للحظة. بالطبع... من بين كل ما حدث اليوم، كانت عجلات حقيبتي هي المشكلة الكبرى. رفعتها عن الأرض دون تعليق، وسرتها بها حتى الأريكة، ثم وضعتها برفق. لم أعد أملك طاقة للدخول في أي جدال، مهما كان سخيفًا. لا خوفًا من أن أطرد. بل لأن تلك الكلمة فقدت وقعها داخلي منذ زمن. فتحت الحقيبة، وبدأت أبحث بين أغراضي عن ملابس النوم ومستحضرات الاستحمام. كان كل ما يشغل تفكيري آنذاك هو الماء الساخن، والوسادة، والنوم. لا شيء أكثر. شعرت بنظره يستقر على ظهري. ذلك النوع من النظرات الذي

  • عاصفة بيننا    1

    لم يكن في المقصورة سوى هدير المحركات الخافت، ونقرات أصابعي المنتظمة فوق لوحة مفاتيح الحاسوب المحمول. كان ذلك النوع من الهدوء الذي لا يُشعرك بالسكينة بقدر ما يذكرك بطول الطريق. خلف النافذة امتدت السماء بلونٍ داكن، لا يقطعه سوى انعكاس الأضواء البيضاء على جناح الطائرة الخاصة التي غادرت نيويورك قبل ساعات، متجهة إلى اليابان في رحلة عمل طال انتظارها. أما أنا، فلم يكن لديّ متسع للتأمل. كان جدول الاجتماعات مفتوحًا أمامي، إلى جواره عشرات الرسائل التي لم تنتهِ بعد، والملفات التي تتطلب مراجعة أخيرة قبل الوصول. مرّت أصابعي فوق لوحة المفاتيح بسرعة اعتادت عليها منذ سنوات، حتى غدت الحركة أشبه بردة فعل لا تحتاج إلى تفكير. توقفت لبرهة، أطلقت زفيرًا خافتًا، ثم رفعت بصري. كان يجلس قبالتي تمامًا. رأسه مستند إلى كفه، وعيناه مغمضتان في هدوء يوحي للناظر بأنه نائم، لكنه لم يكن كذلك. أعرف هذه العادة جيدًا؛ كان يقتنص دقائق الراحة أينما وجدها، لأنه يعلم يقينًا أن الأيام التالية لن تمنحه رفاهية النوم. بدلته السوداء ما زالت محافظة على أناقتها رغم ساعات السفر الطويلة، وربطة عنقه لم تنفك بعد، أما

  • عاصفة بيننا    0

    لم أؤمن يومًا بأن الإنسان يولد شريرًا.كنت أؤمن أن المكان الذي يولد فيه لا يحدد مصيره، وأن الدم الذي يجري في عروقه لا يملك سلطة على القرارات التي يتخذها.ربما كان ذلك اعتقادًا ساذجًا.ففي صقلية، حيث ولدت، لم يكن اسم العائلة مجرد اسم يُكتب على الأوراق الرسمية.كان حكمًا.كان وعدًا.وكان أحيانًا... تهديدًا.ولدت إيفا غارسيا، ابنة أحد أشهر رجال الأعمال الإيطاليين، وريثة عائلة امتلكت المال والنفوذ والسلطة لسنوات طويلة.لكن ما لم يكن يعرفه الغرباء أن خلف القصور الفاخرة، والسيارات السوداء، والاجتماعات المغلقة، كان هناك عالم آخر.عالم لا تُحل فيه المشاكل بالقانون.عالم تُدفن فيه الأسرار مع أصحابها.كانت عائلة غارسيا واحدة من تلك العائلات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، عائلة ارتبط اسمها بالقوة والخوف أكثر مما ارتبط بالثروة.إخوتي كانوا رجالًا في ذلك العالم.نساء العائلة تزوجن رجالًا منه.وكان الجميع ينتظر مني أن أسير الطريق نفسه.أن أرتدي فستانًا أبيض، وأبتسم أمام الكاميرات، ثم أُسلّم حياتي لرجل لم أختره فقط لأن اسمه يحمل قوة أكبر من اسمي.لكنهم ارتكبوا خطأ واحدًا.ظنوا أنني واحدة منهم.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status