LOGINغرفتها كانت في البرج الشرقي. باردة، واسعة، جدرانها حجرية، ومدفأة كبيرة مشتعلة لكنها لا تدفئ الروح. خادمة عجوز تدعى ميرا أدخلتها. لم تنحنِ لها.
"الدوق يقول أن تبقي في غرفتكِ حتى العشاء." قالت ميرا ببرود. "ولا تتجولي. القلعة قديمة، ومن السهل أن تضيعي." "شكرًا لكِ، ميرا." ابتسمت هايلي بلطف. "هل كنتِ تعملين هنا منذ زمن دوقة فلديمير الراحلة؟" تجمدت المرأة. يداها اللتان كانتا ترتبان الفراش توقفتا. "لا تذكري اسمها على لسانكِ." قالت بخشونة، وخرجت وأغلقت الباب بقوة. هايلي تنهدت. بالطبع. الجميع يكرهها هنا. جلست أمام النافذة. في حياتها السابقة، كانت ستبكي الآن. أميرة مدللة وجدت نفسها في سجن جليدي مع زوج يكرهها. لكنها الآن... فتحت حقيبتها الصغيرة التي سمحوا لها بجلبها. داخلها، ليس مجوهرات، بل دفتر صغير من الجلد. دفتر كتبت فيه كل ما تتذكره من حياتها السابقة. السنة 312: مجاعة الشمال، الإمبراطور يرفض إرسال المؤن. السنة 314: مقتل عائلة فلديمير، يتهمهم الإمبراطور بالخيانة. السنة 315: سيريس يصبح دوقًا في عمر 19، يغلق حدود الشمال. السنة 318: ... موتي. كتبت سطرًا جديدًا: اليوم الأول في قصر التنين. سيريس يكرهني. الخدم يكرهونني. طبيعي. أغلقت الدفتر. يجب أن تبدأ مهمتها، لكن ليس مهمة والدها. مهمتها هي. في الليل، نزلت إلى قاعة العشاء. القاعة كانت مظلمة، مضاءة فقط بمشاعل كبيرة. طاولة طويلة من الخشب الأسود، يجلس في نهايتها سيريس وحده. أمامها طبق واحد فقط. لها. "اجلسي." قال دون أن يرفع نظره عن الكأس في يده. جلست. الطعام بسيط: حساء ساخن، خبز أسود، لحم. ليس طعام أمراء العاصمة. "أين خدمكِ؟ أين حراسكِ الإمبراطوريون؟" سأل فجأة. "لم أجلب أحدًا." ضحك بسخرية. "هل يثق بي والدكِ لهذه الدرجة؟ أم أنه يثق أنكِ تستطيعين قتلي وحدكِ؟" وضعت الملعقة بهدوء. "أنا لا أريد قتلك، سيريس." "لا تناديني باسمي." "دوق فلديمير إذن." صححت. "جئت إلى هنا لأنني أردت المجيء." نظر إليها أخيرًا. عيناه الذهبيتان في ضوء المشاعل كانتا مرعبتين وجميلتين في نفس الوقت. "كاذبة." قال. "كل فرد من عائلة لياندور كاذب." اقترب منها فجأة. قام من مكانه، دار حول الطاولة، حتى أصبح خلفها. انحنى، يداه على جانبي كرسيها، حاصرها. "ماذا قال لكِ والدكِ؟ أن تتجسسي عليّ؟ أن تجدي جيشي السري؟ أن تعرفي متى سأزحف على العاصمة؟" همس قرب أذنها، صوته منخفض وخطير. "أخبريني، أيتها الأميرة الجاسوسة، ماذا وعدكِ مقابل خيانتي؟" كان قريبًا جدًا. تستطيع أن تشم رائحة البرد والجلد والثلج عليه. قلبها تسارع، ليس خوفًا، بل لأنها تذكرت. في حياتها السابقة، قبل موتها، سمعت الجنود يقولون إن دوق التنين مات وحيدًا في معركة، دون أن يعرف أحد الحقيقة. دون أن يدافع عنه أحد. رفعت رأسها ونظرت مباشرة في عينيه. لم تهرب. "وعدني بأن أكون إمبراطورة." قالت، وهي تكذب بجرأة. "لكنني لا أريده. أنا أريد شيئًا آخر." "وما هو؟" "أريد أن أعرف من قتل والدتك." صمتت القاعة كلها. حتى صوت النار توقف للحظة. وجه سيريس، الذي كان باردًا ومسيطرًا، تغير. أصابعه ضغطت على خشب الكرسي حتى ابيضت مفاصله. عيناه اتسعتا، الذهبي فيهما اشتعل كجمر. "ماذا قلتِ؟" قال بصوت هامس، لكنه أخطر من الصراخ. "أعرف أنهم قالوا إنها ماتت بالمرض. لكنها لم تمت بالمرض، أليس كذلك؟" تابعت هايلي، وهي تعرف أنها تلعب بالنار. "أعرف أن الإمبراطورية تكذب. وأنا... أريد أن أساعدك لتجد الحقيقة." ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة، ثوانٍ شعرت فيها أن التنين داخله سيخرج ويلتهمها. ثم، ببطء، ابتعد. عاد إلى مكانه وجلس. "اذهبي إلى غرفتكِ." قال بصوت ميت. "ولا تذكري اسمها مرة أخرى أمامي، وإلا أعدتكِ إلى والدكِ في صندوق." لم تخف. وقفت، انحنت له انحناءة صغيرة، كما تفعل دوقة الشمال لزوجها. "تصبح على خير، يا دوق." وصعدت إلى برجها. خلفها، ظل سيريس جالسًا في الظلام، يحدق في الكأس، وعيناه لم تعدا غاضبتين فقط... بل مرتبكتين. لأول مرة منذ عشر سنوات، شخص ما في هذه القلعة نطق الحقيقة المحرمة. وهذه المرة، كانت زوجته العدو.مر أسبوع على يوم رؤساء القرى.أصبحت قلعة التنين مكانًا مختلفًا. القرويون يأتون كل يوم، ليس ليطلبوا طعامًا، بل ليروا الدوقة الفضية. امرأة عجوز جاءت بطفلها الذي لا ينام من السعال، ورجل قطعت أصابعه من الصقيع. كانت هايلي تعالجهم واحدًا واحدًا في ساحة القلعة، وسيريس يقف خلفها، ذراعاه متقاطعتان، يراقب. لا يمنعها. فقط يتأكد أن لا أحد يقترب منها أكثر من اللازم.في البداية كان العلاج يرهقها. الآن، بعد أن تعلمت كيف تشارك الألم مع الأرض كما علمها سيريس، لم تعد تشحب. كانت تضع يدها، يخرج ضوء فضي، ويعود الرجل سليمًا. والفرق الوحيد أنها تصبح جائعة جدًا بعدها، فتأكل ثلاث أطباق من حساء ميرا.لينا كانت أسعد من الجميع. أصبحت مساعدة هايلي الرسمية. تحمل لها المناديل، وتقول للمرضى: "لا تخافوا، أختي لا تعض. أخي هو الذي يعض."كل شيء كان مثاليًا. مثاليًا جدًا.حتى بدأت الأحلام.في الليلة السابعة، استيقظت هايلي تصرخ.كان سيريس أول من وصل إلى غرفتها، سيفه في يده، عيناه الذهبيتان متوهجتان في الظلام، يظن أن هناك هجومًا.وجدها جالسة على السرير، تتنفس بسرعة، يداها تمسكان برأسها، والتاج الفضي على الطاولة بجانبها يهت
مرت ثلاثة أيام على شفاء لينا.ثلاثة أيام لم تمر كأيام في قلعة التنين من قبل.لينا التي كانت تنام عشر ساعات وتستيقظ متعبة، أصبحت تستيقظ قبل الجميع. تركض في الممرات، تتسلق الرفوف في المكتبة، تساعد ميرا في المطبخ، وتسأل كل خمس دقائق: "أختي هايلي، هل أستطيع الخروج للعب في الثلج؟ أستطيع الآن، أليس كذلك؟ الطبيب قال إنني قوية!"وسيريس... سيريس لم يعد يمنعها. بل كان يقف عند النافذة يراقبها وهي تلعب في الثلج مع أطفال الخدم، ومعطفه الأسود على كتفيه، وعلى وجهه تعبير لم تره هايلي من قبل. ليس عبوسًا. بل خوف هادئ، كأنه يخاف أن تختفي سعادتها إذا رمش.أما هايلي، فكانت ترتدي التاج الفضي كل يوم.لم تخلعه منذ وضعه سيريس على رأسها. كان خفيفًا، بسيطًا، لكنه جعل الخدم ينظرون إليها بشكل مختلف. لم تعد "الأميرة الجنوبية التي أرسلها الإمبراطور". أصبحت "الدوقة ذات التاج الفضي". نفس لقب والدته.في صباح اليوم الرابع، استدعاها سيريس إلى ساحة التدريب.كانت الساحة مغطاة بالثلج، والفرسان يتدربون بالسيوف. عندما رأوها بالتاج الفضي والمعطف الأبيض، توقفوا وانحنوا جميعًا، دون أن يأمرهم سيريس."ماذا؟" سألته وهي تقترب، مرتب
وصلا إلى القلعة مع أول ضوء للشمس.كانت ميرا تنتظرهما عند الباب، تلف نفسها بشال سميك. عندما رأت العلبة الزجاجية في يد سيريس تتوهج باللون الأزرق الشفاف، وضعت يدها على فمها ودمعت عيناها."أحضرتها... زهرة القمر حقيقية...""أين لينا؟" سأل سيريس وهو ينفض الثلج عن كتفيه. صوته مبحوح من التعب، لكن عينيه تلمعان."نائمة في غرفتها. حماها ارتفعت قليلاً هذه الليلة، لكنها مستقرة."صعدا بسرعة. لم يخلعا حتى معطفيهما المبللين.كانت لينا نائمة في سريرها الصغير، وجهها متورد قليلاً من الحمى الخفيفة المعتادة، وشعرها الأسود الذي ظفرته لها هايلي قبل يومين لا يزال مرتبًا. تتنفس بصعوبة خفيفة، كأن شيئًا ثقيلًا على صدرها.جلس سيريس على طرف السرير، ووضع يده الكبيرة على جبينها بحنان نادر."لينا." همس.فتحت عينيها الذهبيتين ببطء. عندما رأتهما، ابتسمت رغم التعب."أخي؟ أختي هايلي؟ هل رأيتما القمر الأزرق؟""رأيناه، وأحضرنا لكِ هدية من عنده." قالت هايلي وجلست على الجانب الآخر.فتح سيريس العلبة الزجاجية. انسكب الضوء الأزرق على وجه لينا الشاحب، فشهقت بدهشة طفولية."زهرة من زجاج؟""زهرة من ضوء القمر." صحح سيريس. "ستأكلين
استيقظت هايلي على رائحة الأعشاب المحترقة.فتحت عينيها ببطء. كانت في غرفة سيريس. ليست غرفتها. الغرفة أكبر، أثاثها من خشب أسود ثقيل، والجدران مغطاة بسيوف ودروع قديمة..يدها اليمنى كانت ملفوفة بضمادة بيضاء سميكة. تذكرت الألم. تذكرت النار السوداء وهي تدخل جسدها. رفعت يدها. لا تزال تؤلمها، لكن الألم محتمل."استيقظتِ أخيرًا."كان سيريس جالسًا على الكرسي المقابل، يرتدي قميصًا أسود بسيطًا، شعره لا يزال مبعثرًا. عيناه الذهبيتان تراقبانها. لم يعد فيهما سواد الأمس. لكن تحتهما هالات سوداء من التعب."كم نمت؟" سألت وهي تحاول الجلوس."يوم كامل." قال. "ليلة أمس واليوم كله. القمر الأزرق الليلة."تجمدت. الليلة؟ ليلة زهرة القمر؟"لماذا لم توقظني؟ كان يجب أن نستعد! الكهف! الزهرة!""كنتِ تحترقين من الحمى." قال ببرود، لكنه وقف وأحضر لها كوب ماء. "نقلتِ ناري السوداء إلى جسدكِ. كدتِ تموتين. ميرا قالت إن قلبكِ كان ينبض بسرعة مخيفة."أخذت الكوب. يدها ترتجف."ولينا؟ هل هي بخير؟""لينا بخير. لا تعرف شيئًا. ميرا أخبرتها أنكِ مريضة."صمت. نظر إلى يدها الملفوفة."لماذا فعلتِ ذلك؟" سأل فجأة، بصوت منخفض، ليس غاضبًا،
لم يكن من المفترض أن يخرجا إلى الكهف اليوم.كان من المفترض أن يخرجا فجر الغد. ليلة القمر الأزرق.لكن في الرابعة فجرًا، انفتح باب غرفة هايلي بعنف.لم يكن سيريس. كان قائد الحرس، رجل في الخمسين، وجهه مغطى بالثلج والدم."صاحبة السمو! أين الدوق؟"قفزت هايلي من سريرها. "ما الذي حدث؟""الوحوش! قطيع من ذئاب الجليد المتوحشة، ومعها دب جليدي أعمى! تقتحم قرية الحدود، قرية هولت! حاولنا إيقافها لكنها كثيرة! الدوق..."لم يكمل. سيريس كان خلفه، يرتدي نصف درعه فقط، سيفه في يده، شعره الأسود مبعثر من النوم."كم عددهم؟" سأل بصوت هادئ جدًا، لكن عينيه الذهبيتين كانتا تتوهجان في الظلام. توهجًا حقيقيًا، ليس انعكاس ضوء."أكثر من ثلاثين ذئبًا، يا سيدي، ودب واحد. قتلوا اثنين من رجالنا. القرية... فيها أطفال."لم يقل سيريس كلمة أخرى. استدار ونزل السلالم ركضًا، يصيح بأسماء فرسانه.ركضت هايلي خلفه، بالشال الأبيض فقط فوق ثوب نومها."سيريس! انتظر! خذني معك! أستطيع المساعدة! أستطيع علاج الجرحى!"توقف عند باب القلعة الرئيسي. الثلج يتساقط كالجنون في الخارج. عشرة فرسان على خيول سوداء ينتظرون، بخار أنفاس خيولهم يتصاعد.نظر
بعد ليلة الرسالة المحروقة، تغير شيء في القلعة.لم يصبح سيريس لطيفًا. أبدًا. لكنه توقف عن قول "اخرجي من قلعتكِ". في الصباح التالي، وجدت هايلي باب المكتبة مفتوحًا على مصراعيه، وكتابًا أسودًا واحدًا على الطاولة، وفوقه ورقة صغيرة بخط خشن وسريع:لا تلمسي الحمراء بعد. اقرأي هذا أولاً. دخلت. فتحت الكتاب الأسود. لم يكن كتاب سحر. كان سجل وفيات قلعة التنين، بخط يد سيريس نفسه.سنة 314: الدوقة إيلينا فلديمير - السبب الرسمي: حمى فضية. السبب الحقيقي: تسمم بالغبار الفضي - سم إمبراطوري بطيء يقتل حاملي المانا الفضية بأن يجعل المانا تأكل جسد صاحبها. وجدت القارورة في غرفة الخادمة التي أرسلتها العاصمة.سنة 315: الدوق آرثر فلديمير - السبب الرسمي: نوبة قلبية. السبب الحقيقي: نفس السم، وضع له في النبيذ بعد أن طالب بالتحقيق في موت زوجته.سنة 318 حتى الآن: لينا فلديمير - الأعراض: حمى متقطعة، شحوب، ضعف. التشخيص: بقايا الغبار الفضي انتقل إليها عبر حليب الأم المسمومة وهي رضيعة. السم لا يزال في دمها.أغلقت هايلي الكتاب. قلبها يدق بقوة.إذن سيريس يعلم. يعلم منذ عشر سنوات أن والدته لم تمت بحمى، بل قُتلت. ويعلم أن







