LOGINالمكتبة لم تكن مكتبة. كانت مقبرة للكتب.
آلاف الكتب، من الأرض حتى السقف، تغطيها طبقة رقيقة من الغبار. بعضها محترق الأطراف. رائحة الورق القديم والدخان. ومدفأة صغيرة مشتعلة في الوسط. وهناك، على مكتب كبير من خشب البلوط الأسود، كتاب مفتوح. وكأن أحدهم كان يقرأ هنا طوال الليل. اقتربت هايلي. كان كتابًا عن التنانين القديمة. رسمة لتنين أسود ضخم، وتحته جملة بلغة قديمة لم تفهمها، لكنها ترجمت كلمة واحدة: "العهد". وفجأة، سمعت صوتًا. صوت سعال خافت. التفتت. في زاوية المكتبة، على كرسي هزاز، كانت تجلس فتاة صغيرة، في الثامنة تقريبًا، بشعر أسود وعينين ذهبيتين... تشبه سيريس كثيرًا. لكنها شاحبة، نحيلة، وتلف بطانية سميكة. "من أنتِ؟" سألت الفتاة بصوت ضعيف. "أنا... أنا هايلي." قالت هايلي بلطف واقتربت. "ومن أنتِ؟" "أنا ليا. ليا فلديمير." قالت الصغيرة. "هل أنتِ زوجة أخي الجديدة؟ أخي قال إنكِ أميرة شريرة من العاصمة." لم تستطع هايلي منع نفسها من الضحك. أول ضحكة حقيقية منذ عودتها للحياة. "أحيانًا أكون شريرة، نعم. هل أنتِ أخت سيريس؟" هزت رأسها. "أخته الصغيرة. هو لا يسمح لي بالخروج لأنني مريضة. مثـ... مثل أمي." تجمد قلب هايلي. أخت؟ في حياتها السابقة، لم يكن لسيريس أي أخت. كل السجلات قالت إنه الناجي الوحيد من عائلة فلديمير. إذن هذه هي السر. هذا هو ما يخفيه الإمبراطور. سيريس لا يخفي جيشًا. إنه يخفي أخته. قبل أن تسأل شيئًا، انفتح باب المكتبة بعنف. وقف سيريس هناك، وعندما رأى ليا معها، وجهه الذي كان باردًا دائمًا، شحب تمامًا. "ليا! قلتُ لكِ ألا تخرجي من غرفتكِ!" "لكنني مللتُ، أخي..." قالت الصغيرة بخوف. حملها سيريس بين ذراعيه بسرعة، ولفها بالبطانية. ثم نظر إلى هايلي، ونظرة الكراهية التي كانت تراها سابقًا، تحولت إلى شيء أسوأ: خوف ورعب حقيقي. "ماذا قالت لكِ؟" سألها بصوت منخفض ومرتجف. "ماذا سمعتِ؟" "لم تقل شيئًا. فقط اسمها." قالت هايلي، ورفعت يديها. "أقسم لك." اقترب منها، حتى أصبحت ترى الرعب في عينيه الذهبيتين عن قرب. "اسمعيني جيدًا، يا أميرة." همس، وصوته يرتجف غضبًا. "إذا أخبرتِ والدكِ بوجودها، إذا كتبتِ حرفًا واحدًا عنها في رسائلكِ... سأنسى أنكِ زوجتي. وسأقتلكِ بيديّ. هل تفهمين؟" لم تكن تهديدًا فارغًا. كان وعدًا. لكن هايلي لم ترَ قاتلًا أمامه. رأت أخًا خائفًا يخفي أخته الوحيدة عن إمبراطورية قتلت أمه. وهنا فهمت لماذا في حياتها السابقة، أصبح سيريس عدو الإمبراطورية. ليس لأنه أراد العرش. بل لأنهم لم يتركوا له شيئًا ليخسره. نظرت إلى ليا الصغيرة التي تختبئ في حضن أخيها، ثم إلى سيريس. "لن أخبر أحدًا." قالت بهدوء. "لكن بشرط." "لا يحق لكِ أن تشترطي." "شرط واحد. دعني أساعدها. أختي الصغيرة ماتت بنفس المرض الذي تعاني منه ليا. الحمى الفضية. أعرف كيف أعالجها." صدم سيريس. للمرة الثانية في يومين، جعلته يصمت. "أنتِ... تكذبين." "جربني." قالت هايلي، ومدت يدها نحو ليا، التي نظرت إليها بعيون واسعة مليئة بالأمل. "ما الذي ستخسره؟ أنا بالفعل سجينتك هنا. إذا فشلت، يمكنك قتلي كما وعدت." ظل سيريس صامتًا طويلاً. الرياح تعوي خارج المكتبة. النار تفرقع. أخيرًا، قال بصوت متعب جدًا، كأنه لم ينم منذ سنوات: "إذا لمستِ شعرة منها..." "أعرف. ستقتلني." أكملت عنه وابتسمت. "أصبحت مملة، يا دوق. هددني بشيء جديد." ولأول مرة، رأت زاوية فمه ترتفع. ليس ابتسامة. لكنه لم يكن غضبًا أيضًا. "اتبعيني." قال وهو يحمل ليا. "سأريكِ غرفتها. وبعدها... سنرى إن كانت الأميرة المدللة تعرف شيئًا عن الطب أم لا." خرج، وتبعته هايلي، قلبها يدق بسرعة. لقد وجدت أول خيط. أول سر. وأول فرصة لتكسب ثقة التنين الأسود.استيقظت هايلي في الصباح، وشعرت أنها تستطيع التنفس أخيرًا.التعب الثقيل الذي كان يجثم على صدرها منذ ليلتين خف كثيرًا. لم يختفِ تمامًا، لا يزال هناك ثقل في أطرافها كأنها لم تنم جيدًا، لكن النار انطفأت. لمست جبينها. بارد. لمست شفتيها. عاد إليهما لون وردي خفيف جدًا، ليس كثيرًا، لكنه أفضل من البياض المخيف أمس.نظرت في المرآة. لا تزال شاحبة، لكنها لم تعد تبدو كشبح. بدت... كفتاة لم تنم جيدًا فقط.ابتسمت لنفسها. يبدو أن الحمام المتجمد والعناد ينفعان أحيانًا.قررت اليوم أن تنزل. لن تبقى حبيسة البرج. إذا أرادت أن تكسب ثقة هذه القلعة، يجب أن تريهم أنها ليست أميرة مدللة تختبئ عندما تمرض.ارتدت فستانًا بسيطًا من الصوف الرمادي الفاتح، يليق بالشمال، وتركت شعرها الأسود الطويل جدًا منسدلاً هذه المرة، فقط ظفرت خصلتين صغيرتين من الأمام. بدت أبسط، وأصغر.نزلت إلى قاعة الطعام.كان سيريس هناك كالعادة، وحده، يأكل بصمت. عندما سمع خطواتها، لم يرفع رأسه فورًا. استمر يقطع الخبز الأسود بسكين.جلست هايلي في الكرسي المقابل له. الكرسي الذي كان فارغًا أمس."صباح الخير." قالت بهدوء.نظر إليها بطرف عينه. ثم نظر نظرة س
استيقظت هايلي في المساء.ضوء الشمس كان قد اختفى تمامًا. الغرفة غارقة في عتمة باردة، لا يضيئها إلا ضوء المدفأة التي أوشكت على الانطفاء. جلست ببطء.الصداع خفّ. النار في صدرها انطفأت تقريبًا، بقي منها رماد ثقيل وتعب عميق. لكنها تستطيع أن تتحرك الآن. لمست وجهها. لا يزال باردًا، وشفتاها لا تزالان باهتتين، لكنها لم تعد ترى نجومًا أمام عينيها عندما تجلس.كان عليها أن تخرج. البقاء في هذا البرج الخانق سيجعلها تفكر كثيرًا. وتفكيرها الآن كله يدور حول سؤال واحد: لماذا ليا تحمل نفس أعراض الحمى الفضية التي تحملها والدتها واختها الصغيرة المتوفية ؟ هل هي لعنة؟ أم سم؟وقفت أمام المرآة. شعرها الأسود الطويل جدًا - الذي يصل حتى أسفل قدميها تقريبًا - كان مبعثرًا، فوضويًا من التعرق والنوم. وجهها شاحب كتمثال من الرخام.لا. لن تظهر بهذا الشكل. لن تعطي أحدًا فرصة ليشفق عليها. وخصوصًا هو.فتحت صندوق ملابسها. معظم فساتينها من العاصمة بألوان زاهية: أزرق سماوي، وردي، ذهبي. ألوان لا تنتمي إلى هذا المكان. لكن في الأسفل، كان هناك فستان واحد أسود. بسيط، طويل، بأكمام طويلة، بدون زخرفة. كانت قد أحضرته لأنها ظنت أنها س
في الأسفل، كانت ميرا تحمل صينية الفطور كعادتها. لكن اليوم، أمرها الدوق بشيء غريب."اصعدي الى غرفتها. أخبريها أنني أنتظرها في قاعة الطعام."لم يقل "أحضريها". قال "أخبريها". كأنه لا يريد أن يجبرها.صعدت ميرا إلى البرج الشرقي. طرقت الباب."صاحبة السمو؟ الفطور جاهز. الدوق ينتظركِ في الأسفل."لا رد.طرقت مرة أخرى، أقوى."صاحبة السمو؟ الاميرة ؟"لا رد. صمت تام.توترت ميرا. تذكرت ليلة أمس، طلبها الغريب لحمام متجمد، وصوتها المتعب. دفعت الباب. كان غير مقفل هذه المرة."سأدخل، سامحيني..."دخلت. الغرفة كانت باردة وفوضوية قليلاً. الحوض الحجري في الوسط لا يزال مليئًا بالماء، والملابس المبللة مرمية بجانبه. وعلى السرير، كومة تحت البطانية.اقتربت ميرا. "صاحبة السمو؟"رفعت طرف البطانية قليلاً. ورأت وجه هايلي.شهقت. كانت نائمة، لكنها شاحبة جدًا. شاحبة لدرجة أن ميرا ظنت للحظة أنها لا تتنفس. شفتاها شاحبتان، وأنفاسها بطيئة ومتقطعة."صاحبة السمو! هايلي!" هزت كتفها برفق. "استيقظي يا اميرة !"تملت هايلي بصعوبة. فتحت عينيها بصعوبة شديدة، كأن جفنيها من حجر."ميرا...؟""ظننتُ... ظننتُ أنكِ..." لم تكمل. "ما بكِ؟
داخل الغرفة، سمعت هايلي خطوات الخدم وهم يجرون حوض الاستحمام الحجري الكبير، ويصبون فيه الماء. بخار بارد، لا دافئ، يتصاعد. ماء جليدي حرفيًا، قطع ثلج صغيرة تطفو فوقه."انتهينا يا سموكِ." قالت ميرا من وراء الحاجز. "هل تحتاجين شيئًا آخر؟""لا، شكرًا. اخرجي وأغلقي الباب. ولا تدعي أحدًا يدخل، هل تفهمين؟.""لكن...""أرجوكِ، ميرا. ثقي بي هذه المرة فقط."خرجت ميرا وأغلقت الباب.بقيت هايلي وحدها. نظرت إلى حوض الماء المتجمد. جسدها يحترق من الداخل لدرجة أنها تشعر أن عظامها تذوب. وفي نفس الوقت، ترتجف من البرد الخارجي.هذه هي الطريقة الوحيدة. يجب أن تخفض حرارة جسدها قبل أن تحترق أعضاؤها من الداخل. المانا الفضية لا تخرج إلا إذا احترقت هي بدلًا عن المريض.خلعت ثوبها الخارجي المبلل بالعرق، وبقيت بثوب داخلي خفيف يسترها، ثم أمسكت بحافة الحوض الحجرية.الماء كان كالسكاكين.وضعت قدمًا واحدة. شهقت. الألم كان مزدوجًا الآن. نار في الداخل، وجليد حاد في الخارج يقطع جلدها."آه..." كتمت أنينها بيدها.ثم، بلا تفكير، أنزلت جسدها كله دفعة واحدة في الماء المتجمد.كادت تصرخ. كادت تفقد الوعي. الماء الجليدي أحاط بها كألف
لم يكن الألم يطاق.هايلي ملقاة على أرض غرفتها الباردة، جسدها كله يرتجف. ليس من برد الشمال، بل من نار داخلية. الحمى الفضية التي سحبتها من ليا لم تكن كأي حمى رأتها من قبل.. كانت ثقيلة. قديمة. كأنها سم تراكم في دم عائلة فلديمير لسنوات.حرارتها ارتفعت لدرجة أنها ترى الغرفة تتراقص أمامها. ثوب نومها الأبيض التصق بظهرها من العرق البارد. حاولت أن تزحف نحو السرير، لكن ذراعيها خانتاها.وفجأة... طرق على الباب."ايتها الاميرة ؟"صوته. سيريس.تجمدت. ثم طرق أقوى."هايلي، أعرف أنكِ مستيقظة. افتحي الباب."لم تستطع الكلام. صوتها محبوس. إذا فتح الباب ورآها هكذا... سيرى الضوء الفضي الخافت الذي لا يزال يخرج من صدرها، سيرى عروقها التي أصبحت تلمع بضوء فضي تحت الجلد للحظات. سيرى لعنتها.زحفت بصعوبة، بكل ما تبقى لديها من قوة، نحو الباب. يدها ترتجف وهي تحاول فتح المزلاج. فتحته قليلاً، فقط شق صغير، وأخفت جسدها خلف الباب الخشبي الثقيل.كان يقف قريبًا جدًا. قريبًا لدرجة أنها ترى قطرات الثلج الذائب على كتفيه. عيناه الذهبيتان تبحثان عنها من خلال الشق.وكان على وشك أن يدفع الباب ويدخل."لا تدخل!" صرخت، لكن صوتها خ
لم يكن مرض لينا مرضًا عاديًا. هايلي عرفت ذلك منذ اللحظة التي لمست فيها يدها الصغيرة في المكتبة. كانت باردة كالثلج، لكن تحت الجلد، كان هناك نبض غريب، كأنه شرارة تحترق ببطء. في حياتها الأولى، كانت هايلي تخفي سرًا لم يعرفه حتى الإمبراطور. عندما كانت في العاشرة، سقطت أختها الصغيرة - الأميرة الحقيقية التي ماتت بالحمى - أمامها. صرخت هايلي وبكت، ووضعت يديها على صدرها المحموم، وتمنت لو تستطيع أن تأخذ الألم بدلًا عنها. وفجأة، حدث شيء. خرج من يديها ضوء فضي، كأنه غبار نجوم، كأنه موجة من المانا. انتقلت الحمى من جسد أختها إلى جسدها. لمدة ساعة، شعرت هايلي أنها تحترق من الداخل، ثم استيقظت. أختها كانت بخير ليوم واحد. لكن هايلي فهمت الدرس. هذه القوة لا تشفي، هي تنقل. تأخذ الألم لنفسها. ومنذ ذلك اليوم، أقسمت ألا تستخدمها أمام أحد. لأن في الإمبراطورية، السحر الفضي يعتبر لعنة. لعنة الساحرات اللاتي أحرقهن الإمبراطور الأول. كانت قد نسيت هذا السر حتى رأت لينا. في منتصف الليل، استيقظت القلعة كلها على صراخ. "لينا! لينا!" كان صوت سيريس. لم تسمعه هايلي يصرخ هكذا من قبل. ركضت حافية، بثوب نومها الأبيض،







