Share

5

Author: Elina rooz
last update publish date: 2026-08-25 13:56:06

لم يكن الألم يطاق.

هايلي ملقاة على أرض غرفتها الباردة، جسدها كله يرتجف. ليس من برد الشمال، بل من نار داخلية. الحمى الفضية التي سحبتها من ليا لم تكن كأي حمى رأتها من قبل..

كانت ثقيلة. قديمة. كأنها سم تراكم في دم عائلة فلديمير لسنوات.

حرارتها ارتفعت لدرجة أنها ترى الغرفة تتراقص أمامها. ثوب نومها الأبيض التصق بظهرها من العرق البارد. حاولت أن تزحف نحو السرير، لكن ذراعيها خانتاها.

وفجأة... طرق على الباب.

"ايتها الاميرة ؟"

صوته. سيريس.

تجمدت. ثم طرق أقوى.

"هايلي، أعرف أنكِ مستيقظة. افتحي الباب."

لم تستطع الكلام. صوتها محبوس. إذا فتح الباب ورآها هكذا... سيرى الضوء الفضي الخافت الذي لا يزال يخرج من صدرها، سيرى عروقها التي أصبحت تلمع بضوء فضي تحت الجلد للحظات. سيرى لعنتها.

زحفت بصعوبة، بكل ما تبقى لديها من قوة، نحو الباب. يدها ترتجف وهي تحاول فتح المزلاج. فتحته قليلاً، فقط شق صغير، وأخفت جسدها خلف الباب الخشبي الثقيل.

كان يقف قريبًا جدًا. قريبًا لدرجة أنها ترى قطرات الثلج الذائب على كتفيه. عيناه الذهبيتان تبحثان عنها من خلال الشق.

وكان على وشك أن يدفع الباب ويدخل.

"لا تدخل!" صرخت، لكن صوتها خرج مبحوحًا وضعيفًا.

توقف. يده توقفت على الباب.

"ماذا يحدث؟

"أنا... أنا معبة قليلا " قالت بسرعة، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا رغم ارتجافه. "أنا... غير مرتدية لشيء. عارية. وأحتاج ميرا فقط."

كذبة. كذبة يائسة.

رأته يتصلب. تراجع خطوة صغيرة للخلف، كأن كلمتها لسعته. لكنه لم يبتعد كثيرًا.

"أريد أن أرى وجهكِ فقط." قال بصوت منخفض، عنيد. "لأتأكد أنكِ بخير. ليا تقول أنكِ كنتِ..."

"قلتُ لكَ إني لا أرتدي شيئًا!" قالت هذه المرة بصوت أخفض، يكاد يكون همسًا، مليئًا بالخجل المصطنع والذعر الحقيقي. "ألا تفهم؟ لا تدخل!"

صمت. سمعت أنفاسه الثقيلة. كان يصارع نفسه. دوق الشمال الذي يقتحم ساحات المعارك دون تردد، يقف الآن مترددًا أمام باب غرفة زوجته.

أخيرًا، استدار وصاح بصوت جهوري جعل الخدم في نهاية الممر يقفزون:

"ميرا! تعالي حالًا إلى غرفة الأميرة!"

بعد دقيقة، جاءت ميرا تركض، وجهها قلق.

"نعم يا سيدي؟"

"ادخلي إليها. وانظري ما بها."

دخلت ميرا بسرعة. هايلي كانت قد ركضت - أو بالأحرى تعثرت - خلف الحاجز الخشبي المزخرف الذي يفصل زاوية تغيير الملابس عن باقي الغرفة. اختبأت خلفه، جلست على الأرض، وضمت ركبتيها إلى صدرها. جسدها يحترق.

"صاحبة السمو؟" نادت ميرا ، تبحث عنها في الغرفة.

"أنا هنا... خلف الحاجز." قالت هايلي بصوت ضعيف.

"هل أنتِ بخير؟ الدوق..."

"ميرا، أرجوكِ." قاطعتها، وصوتها يرتجف من الحمى، ففسرته ميرا على أنه خجل. "أحتاج حمامًا. حالًا."

"بالطبع، سأجهز لكِ ماءً دافئًا والكثير من الأعشاب..."

"لا." قالت هايلي بسرعة. "لا أريد دافئًا. أريد حمامًا... بماء متجمد. من البئر الخارجي. بدون تسخين. بارد كالثلج."

صمتت ميرا.

"هل... هل تقصدين ماءً دافئ، سموكِ؟"

"قلتُ متجمدًا." همست هايلي، وأسندت رأسها المحموم على الحاجز الخشبي البارد. "بارد جدًا. أرجوكِ، ميرا.."

ترددت العجوز للحظة، ثم أومأت رغم أن هايلي لا تراها.

"أمركِ."

خرجت ميرا مسرعة. في الخارج، كان سيريس لا يزال واقفًا، ذراعاه متقاطعتان، وجهه كعاصفة ثلجية.

"كيف هي؟" سأل فور خروجها.

هزت ميرا رأسها بحيرة. "لم أرها يا سيدي. كانت خلف حاجز تغيير الملابس طوال الوقت. لم أرها. فقط..."

"فقط ماذا؟"

"طلبت حمامًا بماء متجمد. من البئر الخارجي."

قطب سيريس حاجبيه. "ماء متجمد؟ في هذا البرد؟ هل جُنت؟"

"لا أعرف يا سيدي. صوتها كان... متعبًا جدًا."

سكت سيريس. نظر إلى الباب المغلق. تذكر الضوء الفضي الذي رآه من تحت الباب قبل قليل. تذكر رائحة المانا التي تشبه رائحة والدته. تذكر كيف كانت ليا تحترق، وكيف فجأة شفيت.

شيء غير منطقي يحدث. وهو يكره الأشياء غير المنطقية.

"دعي الخدم يحضرون الماء. ولا تدعي أحدًا يدخل." أمر ببرود. ثم، بعد لحظة صمت، أضاف بصوت أجش، كأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث ميرا: "وما شأني أنا بها؟ تفعل ما تريد. إن أرادت أن تجمد نفسها حتى الموت، فهذا شأنها. هي من اختارت المجيء إلى الشمال."

قالها بقسوة، واستدار وابتعد. خطواته ثقيلة، غاضبة، عادت نحو جناح أخته. لكنه لم يذهب مباشرة. وقف عند نهاية الممر، في الظل، حيث لا يراه أحد، وظل هناك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس التنين الاسود    17

    مر أسبوع على يوم رؤساء القرى.أصبحت قلعة التنين مكانًا مختلفًا. القرويون يأتون كل يوم، ليس ليطلبوا طعامًا، بل ليروا الدوقة الفضية. امرأة عجوز جاءت بطفلها الذي لا ينام من السعال، ورجل قطعت أصابعه من الصقيع. كانت هايلي تعالجهم واحدًا واحدًا في ساحة القلعة، وسيريس يقف خلفها، ذراعاه متقاطعتان، يراقب. لا يمنعها. فقط يتأكد أن لا أحد يقترب منها أكثر من اللازم.في البداية كان العلاج يرهقها. الآن، بعد أن تعلمت كيف تشارك الألم مع الأرض كما علمها سيريس، لم تعد تشحب. كانت تضع يدها، يخرج ضوء فضي، ويعود الرجل سليمًا. والفرق الوحيد أنها تصبح جائعة جدًا بعدها، فتأكل ثلاث أطباق من حساء ميرا.لينا كانت أسعد من الجميع. أصبحت مساعدة هايلي الرسمية. تحمل لها المناديل، وتقول للمرضى: "لا تخافوا، أختي لا تعض. أخي هو الذي يعض."كل شيء كان مثاليًا. مثاليًا جدًا.حتى بدأت الأحلام.في الليلة السابعة، استيقظت هايلي تصرخ.كان سيريس أول من وصل إلى غرفتها، سيفه في يده، عيناه الذهبيتان متوهجتان في الظلام، يظن أن هناك هجومًا.وجدها جالسة على السرير، تتنفس بسرعة، يداها تمسكان برأسها، والتاج الفضي على الطاولة بجانبها يهت

  • عروس التنين الاسود    16

    مرت ثلاثة أيام على شفاء لينا.ثلاثة أيام لم تمر كأيام في قلعة التنين من قبل.لينا التي كانت تنام عشر ساعات وتستيقظ متعبة، أصبحت تستيقظ قبل الجميع. تركض في الممرات، تتسلق الرفوف في المكتبة، تساعد ميرا في المطبخ، وتسأل كل خمس دقائق: "أختي هايلي، هل أستطيع الخروج للعب في الثلج؟ أستطيع الآن، أليس كذلك؟ الطبيب قال إنني قوية!"وسيريس... سيريس لم يعد يمنعها. بل كان يقف عند النافذة يراقبها وهي تلعب في الثلج مع أطفال الخدم، ومعطفه الأسود على كتفيه، وعلى وجهه تعبير لم تره هايلي من قبل. ليس عبوسًا. بل خوف هادئ، كأنه يخاف أن تختفي سعادتها إذا رمش.أما هايلي، فكانت ترتدي التاج الفضي كل يوم.لم تخلعه منذ وضعه سيريس على رأسها. كان خفيفًا، بسيطًا، لكنه جعل الخدم ينظرون إليها بشكل مختلف. لم تعد "الأميرة الجنوبية التي أرسلها الإمبراطور". أصبحت "الدوقة ذات التاج الفضي". نفس لقب والدته.في صباح اليوم الرابع، استدعاها سيريس إلى ساحة التدريب.كانت الساحة مغطاة بالثلج، والفرسان يتدربون بالسيوف. عندما رأوها بالتاج الفضي والمعطف الأبيض، توقفوا وانحنوا جميعًا، دون أن يأمرهم سيريس."ماذا؟" سألته وهي تقترب، مرتب

  • عروس التنين الاسود    15

    وصلا إلى القلعة مع أول ضوء للشمس.كانت ميرا تنتظرهما عند الباب، تلف نفسها بشال سميك. عندما رأت العلبة الزجاجية في يد سيريس تتوهج باللون الأزرق الشفاف، وضعت يدها على فمها ودمعت عيناها."أحضرتها... زهرة القمر حقيقية...""أين لينا؟" سأل سيريس وهو ينفض الثلج عن كتفيه. صوته مبحوح من التعب، لكن عينيه تلمعان."نائمة في غرفتها. حماها ارتفعت قليلاً هذه الليلة، لكنها مستقرة."صعدا بسرعة. لم يخلعا حتى معطفيهما المبللين.كانت لينا نائمة في سريرها الصغير، وجهها متورد قليلاً من الحمى الخفيفة المعتادة، وشعرها الأسود الذي ظفرته لها هايلي قبل يومين لا يزال مرتبًا. تتنفس بصعوبة خفيفة، كأن شيئًا ثقيلًا على صدرها.جلس سيريس على طرف السرير، ووضع يده الكبيرة على جبينها بحنان نادر."لينا." همس.فتحت عينيها الذهبيتين ببطء. عندما رأتهما، ابتسمت رغم التعب."أخي؟ أختي هايلي؟ هل رأيتما القمر الأزرق؟""رأيناه، وأحضرنا لكِ هدية من عنده." قالت هايلي وجلست على الجانب الآخر.فتح سيريس العلبة الزجاجية. انسكب الضوء الأزرق على وجه لينا الشاحب، فشهقت بدهشة طفولية."زهرة من زجاج؟""زهرة من ضوء القمر." صحح سيريس. "ستأكلين

  • عروس التنين الاسود    14

    استيقظت هايلي على رائحة الأعشاب المحترقة.فتحت عينيها ببطء. كانت في غرفة سيريس. ليست غرفتها. الغرفة أكبر، أثاثها من خشب أسود ثقيل، والجدران مغطاة بسيوف ودروع قديمة..يدها اليمنى كانت ملفوفة بضمادة بيضاء سميكة. تذكرت الألم. تذكرت النار السوداء وهي تدخل جسدها. رفعت يدها. لا تزال تؤلمها، لكن الألم محتمل."استيقظتِ أخيرًا."كان سيريس جالسًا على الكرسي المقابل، يرتدي قميصًا أسود بسيطًا، شعره لا يزال مبعثرًا. عيناه الذهبيتان تراقبانها. لم يعد فيهما سواد الأمس. لكن تحتهما هالات سوداء من التعب."كم نمت؟" سألت وهي تحاول الجلوس."يوم كامل." قال. "ليلة أمس واليوم كله. القمر الأزرق الليلة."تجمدت. الليلة؟ ليلة زهرة القمر؟"لماذا لم توقظني؟ كان يجب أن نستعد! الكهف! الزهرة!""كنتِ تحترقين من الحمى." قال ببرود، لكنه وقف وأحضر لها كوب ماء. "نقلتِ ناري السوداء إلى جسدكِ. كدتِ تموتين. ميرا قالت إن قلبكِ كان ينبض بسرعة مخيفة."أخذت الكوب. يدها ترتجف."ولينا؟ هل هي بخير؟""لينا بخير. لا تعرف شيئًا. ميرا أخبرتها أنكِ مريضة."صمت. نظر إلى يدها الملفوفة."لماذا فعلتِ ذلك؟" سأل فجأة، بصوت منخفض، ليس غاضبًا،

  • عروس التنين الاسود    13

    لم يكن من المفترض أن يخرجا إلى الكهف اليوم.كان من المفترض أن يخرجا فجر الغد. ليلة القمر الأزرق.لكن في الرابعة فجرًا، انفتح باب غرفة هايلي بعنف.لم يكن سيريس. كان قائد الحرس، رجل في الخمسين، وجهه مغطى بالثلج والدم."صاحبة السمو! أين الدوق؟"قفزت هايلي من سريرها. "ما الذي حدث؟""الوحوش! قطيع من ذئاب الجليد المتوحشة، ومعها دب جليدي أعمى! تقتحم قرية الحدود، قرية هولت! حاولنا إيقافها لكنها كثيرة! الدوق..."لم يكمل. سيريس كان خلفه، يرتدي نصف درعه فقط، سيفه في يده، شعره الأسود مبعثر من النوم."كم عددهم؟" سأل بصوت هادئ جدًا، لكن عينيه الذهبيتين كانتا تتوهجان في الظلام. توهجًا حقيقيًا، ليس انعكاس ضوء."أكثر من ثلاثين ذئبًا، يا سيدي، ودب واحد. قتلوا اثنين من رجالنا. القرية... فيها أطفال."لم يقل سيريس كلمة أخرى. استدار ونزل السلالم ركضًا، يصيح بأسماء فرسانه.ركضت هايلي خلفه، بالشال الأبيض فقط فوق ثوب نومها."سيريس! انتظر! خذني معك! أستطيع المساعدة! أستطيع علاج الجرحى!"توقف عند باب القلعة الرئيسي. الثلج يتساقط كالجنون في الخارج. عشرة فرسان على خيول سوداء ينتظرون، بخار أنفاس خيولهم يتصاعد.نظر

  • عروس التنين الاسود    12

    بعد ليلة الرسالة المحروقة، تغير شيء في القلعة.لم يصبح سيريس لطيفًا. أبدًا. لكنه توقف عن قول "اخرجي من قلعتكِ". في الصباح التالي، وجدت هايلي باب المكتبة مفتوحًا على مصراعيه، وكتابًا أسودًا واحدًا على الطاولة، وفوقه ورقة صغيرة بخط خشن وسريع:لا تلمسي الحمراء بعد. اقرأي هذا أولاً. دخلت. فتحت الكتاب الأسود. لم يكن كتاب سحر. كان سجل وفيات قلعة التنين، بخط يد سيريس نفسه.سنة 314: الدوقة إيلينا فلديمير - السبب الرسمي: حمى فضية. السبب الحقيقي: تسمم بالغبار الفضي - سم إمبراطوري بطيء يقتل حاملي المانا الفضية بأن يجعل المانا تأكل جسد صاحبها. وجدت القارورة في غرفة الخادمة التي أرسلتها العاصمة.سنة 315: الدوق آرثر فلديمير - السبب الرسمي: نوبة قلبية. السبب الحقيقي: نفس السم، وضع له في النبيذ بعد أن طالب بالتحقيق في موت زوجته.سنة 318 حتى الآن: لينا فلديمير - الأعراض: حمى متقطعة، شحوب، ضعف. التشخيص: بقايا الغبار الفضي انتقل إليها عبر حليب الأم المسمومة وهي رضيعة. السم لا يزال في دمها.أغلقت هايلي الكتاب. قلبها يدق بقوة.إذن سيريس يعلم. يعلم منذ عشر سنوات أن والدته لم تمت بحمى، بل قُتلت. ويعلم أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status