Share

عروس الجحيم
عروس الجحيم
Author: سايلا

1

Author: سايلا
last update publish date: 2026-03-29 07:36:11

في زاوية غرفتها الهادئة، كانت ليندا الراوي تتأمل انعكاسها في المرآة. اليوم أتمّت عامها الثامن عشر؛ شعرها البني الفاتح المنسدل على كتفيها كان يلمع تحت ضوء المصباح الخافت، وعيناها البنيتان تحملان بريقاً من الأمل الطفولي، وبشرتها الناصعة توردت قليلاً بفعل الحماس. كانت تظن أن بلوغها هذا السن يعني بداية استقلالها، بداية رسم طريقها الخاص.

​لكن الصمت الذي يلف القصر لم يكن صمت احتفال، بل كان أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة.

​انفتح الباب بقوة، ليدخل والدها، السيد عبد العزيز الراوي، بخطواته الواثقة، يتبعه شقيقها سالم الذي كان يبتسم بزهوٍ غريب. لم تكن في أيديهم هدايا، بل كانت ملامحهم تحمل طموحاً لا يعرف الرحمة

​وقف عبد العزيز أمام ابنته، وبدلاً من أن يطبع قبلة الأبوة على جبينها، قال بصوتٍ أجوف وجامد:

​—"انتهى وقت اللعب يا ليندا. اليوم أصبحتِ امرأة.. واليوم حان الوقت لتؤدي واجبكِ تجاه عائلة الراوي!"

​تسمرت ليندا في مكانها. الصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها الدموع؛ جفت المآقي وتجمدت الأنفاس. هذا الرجل الذي طالما دللها، الذي لم يرفض لها طلباً يوماً، يقف الآن ليقذف بها في جوف النار. وسالم، الأخ الذي وعدها مراراً بأنه سيكون درعها وحاميها، يقف الآن ليرى فيها مجرد "صفقة مربحة".

​همست بصوت مكسور: "أبي.. هل تمزح معي؟ ميثم؟ انه شخص خطير حد الجنون لاحد يجرأ على التعامل معه ؟ كيف تبيعني له؟ هل لهذه الدرجة انا حملاً عليك"

​لم تتحرك في والدها شعرة واحدة، بل ازداد جموداً وهو يقول بنبرة حادة هزت أركان الغرفة:

—"لا يمكنكِ الاعتراض! أنا لم آتِ هنا لآخذ رأيكِ، بل جئتُ لأضعكِ في الصورة فقط. لا تجعليني أندم لأنني أعطيتكِ أهمية وأخبرتكِ بنفسي. نحن نتحدث عن ميثم الهاشمي، صاحب السلطة والمنصب الذي سيجعل اسمنا في عنان السماء!"

​نظر إليها سالم بنظرة خالية من أي مودة أخوية، ثم أردف الأب وهو يلتفت ليغادر:

​—"هيا تجهزي وانزلي إلى الأسفل، المعازيم بانتظاركِ لإعلان الخطوبة. لا أريد أي تصرف أحمق يفسد هذه الليلة!"

​خرج عبد العزيز ولحق به ابنه سالم، تاركين خلفهما حطام فتاة كانت تظن أنها أميرة، لتكتشف أنها مجرد "عروس للجحيم".

.

.

.

في قصر الهاشمي:

​كان ميثم الهاشمي يقف أمام نافذته العملاقة، قامته التي تصل إلى 195 سم تمنحه هيبة طاغية حتى وهو يولي ظهره للغرفة. كانت بشرته الحنطية تلمع تحت ضوء الشمس الساطع، وعيناه الزيتونيتان تسحران الناظر لكنهما حادتان كحد السيف؛ نظرة واحدة منهما كفيلة بأن تجعل الجسد يقشعر بلا ريب.

​قطع صمته دخول مساعده الشخصي "حسام" الذي قال باحترام:

—"سيدي، كل شيء أضحى جاهزاً، في أي وقت نعتزم الذهاب؟"

​لم يلتفت ميثم، بل اكتفى بالرد بنبرة يغلفها البرود:

— "بعد ساعة من الآن."

— "أمرك سيدي." انحنى حسام بخفة ثم استدار وغادر الغرفة.

​بعد دقائق، توجه ميثم إلى جناحه الخاص، وبعد حمام سريع، ارتدى بدلة سوداء أنيقة من تصميم المصمم الشهير (ميثاق)، وسرح شعره الفاحم إلى الوراء بتسريحة عصرية زادته وسامة ووقاراً. وبينما هو يهم بالمغادرة، جاءت شقيقته الصغرى "مرجان" من خلفه ونادته بتساؤل:

— "أخي ميثم، إلى أين أنت ذاهب؟"

​استدار ميثم نحوها، واستحال بروده إلى دفء غامر وهو ينظر لمدللته:

— "مرمر، سأذهب لبعض الأعمال ومن المحتمل أن أتأخر قليلاً. انتبهي لنفسكِ ولا تخرجي من القصر، وإن احتجتِ شيئاً فاطلبيه من ريحانة مديرة الخدم."

​ثم غادر القصر بخطوات واثقة دون انتظار ردها. عبست مرجان بضيق، ثم اتجهت إلى الحديقة حيث كان "العم سعيد" يعتني بالأشجار. ما إن استشعر وجودها حتى التفت إليها بابتسامة حانية:

— "أهلاً يا صغيرتي، هل تحتاجين شيئاً؟"

​نظرت إليه مرجان بتذمر:

— "يا عم سعيد، هل تعلم أين ذهب ميثم؟ سألته ولم يجبني بوضوح! لقد وعدني الأسبوع الماضي أن يقضي هذا اليوم معي لنذهب للتسوق، لكنه أخلف وعده!" ضربت قدمها بالأرض بسخط وهي تلوي شفتيها بطفولية.

​ضحك العم سعيد على حركاتها:

— "يا لكِ من فتاة مدللة! لقد كبرتِ على هذه الحركات، والسيد ميثم أخبركِ أنه ذاهب للعمل، فماذا تريدين أن تعرفي أكثر يا آنسة مرمر؟"

​ردت مرجان بغضب:

— "أنا أعلم أنك تعرف أين ذهب! لا أفهم لماذا يصبح كل من يقترب من ميثم غامضاً وسرياً أكثر من اللازم! أنا شقيقته ومن حقي أن أعرف. لقد سمعت الخدم يتهامسون بأنه ذاهب لحفل ميلاد ابنة عائلة 'الراوي'.. لماذا يذهب إلى هناك وهو الذي لا يحضر مناسبات كهذه؟ هل يفضل حفلة غرباء على الجلوس معي؟"

​حاول العم سعيد تهدئتها بسرعة:

— "أنا متأكد أنه يود البقاء معكِ، لكن لديه أسبابه الخاصة، وأنا مجرد عامل بسيط لا يعلم خطط السيد. لذا اعذريني يا صغيرتي، لا يمكنني معرفة سر هذه الزيارة."

​عادت مرجان لغرفتها والأسئلة تنهش عقلها: ما الذي يثير اهتمام ميثم في ابنة عائلة الراوي؟

​في قصر الراوي:

​كانت الخادمات قد انتهين من إلباس ليندا فستاناً فخماً صُمم خصيصاً لهذه الليلة. بدأت خبيرة التجميل ومصفف الشعر بوضع اللمسات الأخيرة على وجهها الناصع. كانت عيناها الواسعتان تفيضان براءة، لذا اكتفوا بمكياج خفيف يبرز ملامحها الطفولية. رفضت ليندا أي تسريحة معقدة، واكتفت بترك شعرها البني الساحر ينسدل بتموجاته الطبيعية حتى تجاوز خصرها.

​نظرت إليها إحدى الخادمات بانبهار:

— "سيدتي، أنتِ جميلة للغاية.. كأنكِ دمية لستِ من هذا العالم! أنا متأكدة أن السيد ميثم الهاشمي سيُسحر بجمالكِ. نحن النساء لم نستطع شحذ أنظارنا عنكِ، فكيف به هو؟"

​لم تجبها ليندا، بل اكتفت بإيماءة فاترة وابتسامة مزيفة تخفي خلفها جبلاً من الهموم. دخلت والدتها "سماح" والغبطة تملأ صوتها:

— "كبرتِ يا صغيرتي وستصبحين أجمل عروس في الدنيا! ما كل هذا الجمال يا ملاكي؟"

​نظرت إليها ليندا بعيون مغرورقة بالدموع:

— "أمي.. لكني لا أريد أن أكون عروساً!"

​اقتربت سماح منها وربتت على كتفها بقوة تحاول بث الشجاعة فيها:

— "ليندا، هذا قرار والدكِ ولا حيلة لنا في تبديله. عليكِ ببره وتنفيذ أوامره. أنتِ أمل هذه العائلة لتصبح ذات نفوذ أكبر، وأنا لا أستطيع الوقوف في وجه والدكِ.. آسفة يا حبيبتي."

​مسحت دموع ابنتها وتابعت:

— "هيا يا صغيرتي، الضيوف وصلوا. الحزن لا يغير من القدر شيئاً."

​طُرق الباب ودخلت مساعدة(رفيف) والدها:

— "السيد عبد العزيز يقول قد حان وقت نزولكِ يا آنسة ليندا.. والسيد ميثم الهاشمي قد وصل للتو."

​خرجت سماح أولاً، وتبعتها ليندا بخطوات مثقلة. حين وصلت إلى رأس الدرج وهمت بالنزول، التفتت أنظار المعازيم نحوها، وساد صمت مفاجئ . انصعق الجميع بأيقونة الجمال التي أمامهم؛ لقد فهموا الآن لماذا كان والدها يخفيها عن الإعلام.. كانت تحفة فنية تمشي على الأرض.

​كانت تنزل الدرج شاردة، غير آبهة بالهمسات، لكنها في منتصف الطريق رفعت رأسها لتصطدم عيناها البنيتان بعيني ميثم. سرت قشعريرة باردة في جسدها حين التقت نظراتهما، وشعرت بهالته القوية التي تملأ المكان.

​قال والدها عبد العزيز بزهو:

— "يا سيد ميثم الهاشمي، هذه ابنتي 'ليندا الراوي'.. وزوجتك المستقبلية. ما رأيك بها؟"

​لم ينبس ميثم ببنت شفة، بل ظل يحدق في ليندا بنظراته الزيتونية العميقة التي اخترقت روحها.

​نزلت كلمات والدها عليها كالصاعقة؛ شعرت كأنها سلعة معروضة للمزايدة وليست بشراً. تحطمت صورة الأب "الحنون" في قلبها وتناثرت أشلاءً. كيف يمكن لهذا الرجل الذي دللها دائماً أن يراها اليوم مجرد صفقة؟ تشتت عقلها وابتعدت عن الواقع، حتى أعادها صوت شقيقها "سالم" وهو يناديها بحدة:

— "ليندا! هيا انزلي، لماذا توقفتِ؟"

​في تلك اللحظة، تقدم ميثم بخطواته الرزينة حتى وقف أمامها، ومد يده الكبيرة لمساعدتها على نزول الدرجات المتبقية في حركة نبيلة، لكنها كانت تحمل في طياتها بداية "الامتلاك".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس الجحيم   13

    استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ​ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." ​صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ​ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ

  • عروس الجحيم   12

    وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." ​خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" ​رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." ​في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." ​لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" ​أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر

  • عروس الجحيم   11

    بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ​ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ​ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" ​صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س

  • عروس الجحيم   10

    فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . ​كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. ​حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ

  • عروس الجحيم   9

    هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. ​عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! ​تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" ​دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه

  • عروس الجحيم   8

    وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" ​التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ​ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" ​جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. ​كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status