LOGINلم يكن الدم الذي سال من صدر الذئب الأسود دمًا عاديًّا؛ فقد امتزج بلون داكن يشبه الحبر، وانساب فوق الأرض الحجرية في خطوط متعرجة، حتى بدا كأنه يرسم رموزًا قديمة لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استيعابها ارتجفت ألسنة اللهب داخل المشاعل، وانحنت تماثيل الذئاب المحيطة بالقاعة نحو الجسد الملقى أمام العرش، وكأنها تشهد سقوط ملك لم يُعلن موته بعد.
تراجعت ليان خطوة، ثم أخرى، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كان الذئب ضخمًا إلى حد جعل جسده يحتل مساحة واسعة من أرض القاعة، وكان فراؤه الأسود ملطخًا بالدماء، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة من بين أنيابه وعلى الرغم من الرعب الذي اجتاحها، لم تستطع الابتعاد عنه؛ فقد شعرت بشيء غريب يشدها إليه، إحساس لم تعرف له تفسيرًا، كأن الألم الذي يسكن صدره قد وجد طريقًا خفيًّا إلى قلبها.
صرخت باسمه: «راكان!»
لم يستجب.
اندفعت نحوه، غير عابئة بتحذيرات المرأة التي كانت تقف قرب العرش، وجثت على ركبتيها بجواره مدّت يدها المرتجفة نحو رأسه، لكنها توقفت قبل أن تلامس فراءه، حين سمعت صوت أخيها خلفها.
«إذا كنتِ تريدين الاحتفاظ بحياتك، فلا تلمسيه.»
استدارت إليه بعنف، وقد اختلط الخوف بالغضب في عينيها. «إنه يحتضر أمامي، وأنت تقف هناك وكأنك تشاهد مشهدًا لا يعنيك! أخبرني كيف أنقذه بدلًا من إطلاق التهديدات!»
هبط الرجل ذو الشعر الأبيض درجات العرش ببطء، ولم تفارق عيناه راكان لحظة كان وجهه هادئًا على نحو مستفز، لكن أصابعه كانت تنقبض وتنفرج كلما نظر إلى الدم الأسود المتجمع أسفل جسد الذئب.
قال: «إنه لا يحتضر بسبب جرحه، بل بسببك.»
حدقت فيه ليان، ثم قالت: «كفّ عن الحديث بالألغاز! ماذا فعلت به؟»
«لم أفعل شيئًا. أنتِ من لمستِ الرمز، وأنتِ من أطلقتِ النبوءة. لقد ارتبط دمك بدمه، وما أصابه ليس سوى بداية الثمن الذي ستدفعانه معًا.»
«أي ثمن؟ ولماذا يدفعه هو؟»
اقترب منها حتى لم تعد تفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم انحنى ليلتقط قطعة معدنية صغيرة سقطت من يدها كانت القطعة تحمل الرمز نفسه الذي ظهر على جسدها، غير أن الخطوط المحفورة عليها بدأت تتبدل أمام عينيها، لتشكل صورة ذئب أسود يلتف حول هلال مكسور.
رفع الرجل القطعة نحو الضوء، وقال: «لأن والدك لم يترك لكِ العرش وحده، بل ترك لكِ عهدًا قديمًا كان يجب ألا يستيقظ أبدًا.»
قالت ليان بحدة: «أريد إجابة واضحة. من أنت؟ ولماذا تشبهني؟ وما علاقتك بأبي؟»
ساد الصمت لحظات، ثم رفع الرجل عينيه إليها وقال: «اسمي كايل. أنا أخوكِ الأكبر، والوريث الذي محا أبي اسمه من سجلات المملكة حتى يضمن بقاءكِ على قيد الحياة.»
تجمدت ملامح ليان.
«أبي؟ الرجل الذي ربّاني؟»
«ذلك الرجل لم يكن والدكِ الحقيقي.»
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها. حاولت أن تتكلم، لكن الكلمات اختنقت في حلقها، بينما تتابعت في ذهنها ذكريات طفولتها: يد أبيها وهي تمسح على شعرها، صوته حين كان يطلب منها ألا تقترب من الغابة، نظراته القلقة كلما سألته عن أمها، والليالي التي كان يغلق فيها باب غرفته ويظل مستيقظًا حتى الفجر.
هل كان كل ذلك كذبًا؟
أمسكت ليان برأسها، ثم قالت بصوت مبحوح: «لا... أنت تكذب. لقد كان أبي، وهو من ربّاني وحماني. لا يحق لك أن تمحو حياتي كلها بكلمات تلقيها أمامي!»
لم يبدُ على كايل أنه تأثر بانفعالها، لكنه أدار وجهه للحظة، وكأن كلماتها أصابت جرحًا قديمًا حاول إخفاءه طويلًا.
قال: «لم أقل إنه لم يحبكِ. قلت إنه لم يكن والدكِ بالدم. وهناك فرق لم يسمح لكِ أحد بفهمه.»
«وأين أبي الحقيقي إذن؟»
لم يجب.
ارتفعت أنفاس ليان، ثم نهضت واقفة وقالت: «أنتم جميعًا تعرفون شيئًا عن حياتي، وكل واحد منكم يقرر متى يخبرني بجزء منه، وكأنني طفلة لا تستطيع تحمل الحقيقة. لن أسمح لأحد بفعل ذلك بي مرة أخرى. إذا كنت أخي حقًّا، فأثبت لي أنك لا تحاول استغلالي، وأخبرني أين أبي.»
قبل أن يجيب، انطلقت زمجرة عميقة من خلفها.
التفتت ليان بسرعة، لتجد راكان يحاول النهوض. ارتفع جسده الضخم عن الأرض بصعوبة، وانغرست مخالبه في الحجر، بينما كان الدم الأسود يتساقط من صدره. حاول أن يتقدم نحوها، لكن ساقيه خانتاه، فسقط مجددًا، وخرج من حلقه صوت مؤلم جعل قلبها ينقبض.
لم تفكر ليان طويلًا. ركعت بجواره، ومدت يدها هذه المرة إلى رأسه.
«راكان، أرجوك، انظر إليّ. لا أعرف ماذا يحدث، لكنني لن أتركك هنا.»
ما إن لامست أصابعها فراءه حتى انطلق ضوء ذهبي من كفها، وانتشر على جسده كخيوط رقيقة. توقف النزيف للحظة، وارتفع رأس الذئب نحوها، ثم انبعث من صدره صوت يشبه الزئير المكتوم.
صرخ كايل: «ابتعدي عنه فورًا!»
لكن ليان لم تتحرك.
قالت وهي تحدق في العلامة التي ظهرت على معصمها: «إنه يتألم! إذا كنت تعرف طريقة لإنقاذه، فأخبرني بدلًا من الصراخ!»
اندفعت المرأة ذات الثوب الأبيض نحوهما، وأمسكت بذراع ليان محاولة إبعادها، لكن بمجرد أن لامست جلدها، انطلقت موجة من الطاقة أطاحت بها إلى الخلف. اصطدمت المرأة بأحد الأعمدة، وسقطت على الأرض، بينما ارتجت القاعة بأكملها.
تراجعت ليان مذعورة، ونظرت إلى كفها.
«ماذا فعلت؟»
نهضت المرأة بصعوبة، وكان الذهول واضحًا على وجهها. لم تنظر إلى ليان كما تنظر الأم إلى ابنتها، بل كما ينظر شخص إلى سلاح خطير خرج عن السيطرة.
قالت: «لقد بدأت قوتكِ تستجيب لرغبتكِ، وهذا أخطر مما توقعت.»
رفع كايل رأسه فجأة، ثم صاح: «أغلقي عينيكِ يا ليان! لا تنظري إلى العلامة!»
لكن الأوان كان قد فات.
شعرت ليان بحرارة تجتاح صدرها، ثم انفتحت أمام عينيها مشاهد لم تعشها من قبل. رأت قاعة أخرى، أكثر اتساعًا، يتوسطها عرش ذهبي. كانت امرأة شابة تحمل طفلة بين ذراعيها، بينما وقف رجل يرتدي عباءة سوداء أمام مجموعة من الذئاب الراكعة.
سمعت المرأة تقول: «إذا وصلوا إليها، فلن يبقى أحد منا حيًّا.»
ثم ظهر رجل آخر، وكانت ملامحه تشبه راكان إلى حد مخيف. اقترب من الطفلة، ووضع حول عنقها قلادة فضية، قبل أن يقول: «لن يعرف أحد حقيقتها، حتى يأتي اليوم الذي تختار فيه بنفسها بين الدم والوفاء.»
تبدلت الصورة فجأة.
النار تلتهم القصر، وصراخ يملأ الممرات، والمرأة الشابة تقف أمام باب ضخم وهي تبكي. وفي الجانب الآخر، كان الرجل الذي يشبه راكان يرفع سيفه في وجهها.
ثم سمعت صوتًا يهمس قرب أذنها:
«لا تثقي بالذئب الذي ينزف من أجل حمايتكِ... فهو يعرف من تكونين أكثر مما تعرفين أنتِ.»
شهقت ليان، وسحبت يدها من فوق جسد راكان، فتلاشى الضوء دفعة واحدة. عادت القاعة إلى سكونها، لكن شيئًا ما كان قد تغير؛ فالذئب الأسود لم يعد ينزف، بينما ظهرت على عنقه علامة صغيرة تشبه الهلال المشقوق.
رفع راكان رأسه ببطء، وحدق في ليان بعينين ذهبيتين غمرهما الذهول.
وفي اللحظة التالية، بدأ جسده يتقلص، وتراجع الفراء عن جلده، حتى عاد إلى هيئته البشرية. كان شاحبًا، وثيابه ممزقة عند موضع الجرح، لكنه استطاع النهوض مستندًا إلى أحد الأعمدة.
اقتربت ليان منه، ثم قالت بصوت منخفض: «ما الذي رأيته في ذاكرتي؟»
تصلبت ملامحه.
«لم أرَ شيئًا.»
«لا تكذب عليّ يا راكان رأيت رجلًا يشبهك، ورأيت امرأة تحمل طفلة، وسمعت صوتًا يقول إنك تعرف حقيقتي من كان ذلك الرجل؟»
نظر إليها طويلًا، ثم قال: «أبي.»
«ولماذا كان يواجه تلك المرأة بالسيف؟»
أدار راكان وجهه، ولم يجب.
تقدمت ليان خطوة، وقد بدأت الشكوك تنهش قلبها. «هل كنت تعرف أنني من العائلة الملكية؟ هل كنت تعرف أن أبي الذي ربّاني ليس أبي الحقيقي؟ هل أنقذتني في تلك الليلة لأنك أردت حمايتي، أم لأنك كنت تبحث عن الوريثة التي اختفت منذ ثلاثة وعشرين عامًا؟»
رفع عينيه إليها، وكان في نظرته ألم لم تستطع تفسيره.
قال: «عندما وجدتكِ في القصر المحترق، لم أكن أعرف من تكونين. لكنني عرفت شيئًا واحدًا؛ أن ترككِ هناك كان سيعني موتكِ.»
«هذا لا يجيب عن أسئلتي.»
«لأنني لا أملك كل الإجابات.»
ضحكت ليان بمرارة، ثم ابتعدت عنه. «غريب. كل شخص أقابله يعرف جزءًا من حياتي، وكل شخص يطلب مني أن أثق به، لكن لا أحد يمنحني سببًا واحدًا يجعلني أفعل.»
وقبل أن يرد راكان، دوّى صوت ارتطام هائل خلف العرش، ثم انشق الجدار الحجري ببطء، كاشفًا عن ممر مظلم لم يظهر في القاعة من قبل. خرجت منه رائحة تراب قديم، تلتها خطوات متثاقلة.
تراجع كايل، وتغير وجه المرأة البيضاء إلى درجة أفقدتها قدرتها على الكلام.
أما راكان، فرفع رأسه نحو الممر، ثم همس: «هذا مستحيل...»
ظهر رجل مسنّ عند مدخل الممر، يرتدي ثيابًا ممزقة، وتتدلى من عنقه قلادة ملكية مكسورة. كان شعره أبيض بالكامل، ووجهه يحمل ندبة طويلة تمتد من جبهته حتى ذقنه.
نظر إلى ليان، ثم انحنى ببطء.
«مولاتي... لقد تأخرتِ كثيرًا.»
تقدمت ليان بحذر. «من أنت؟»
رفع الرجل رأسه، ثم نظر إلى راكان نظرة طويلة قبل أن يقول: «أنا آخر حراس العهد القديم. جئت لأخبركِ بالحقيقة التي أخفاها الجميع عنكِ.»
قالت ليان: «أي حقيقة؟»
أجاب الرجل: «أن أمكِ ليست المرأة التي تقف أمامكِ.»
تجمدت القاعة.
استدارت ليان ببطء نحو المرأة ذات الثوب الأبيض، التي تراجعت خطوة وهي تهمس: «لا تصدقيه... إنه مجنون.»
لكن الرجل العجوز لم ينظر إليها. أخرج من ثيابه قطعة قماش قديمة، وفتحها أمام ليان، فكشف عن صورة باهتة لامرأة تحمل طفلة صغيرة.
كانت الطفلة تحمل العلامة نفسها.
أما المرأة التي تحملها...
فكانت تشبه ليان تمامًا.
قال الرجل العجوز: «هذه أمكِ الحقيقية. وقد قُتلت في الليلة التي اختفيتِ فيها.»
شعرت ليان بأن قلبها توقف.
ثم أضاف الرجل، وهو ينظر مباشرة إلى راكان:
«والشخص الذي قتلها لم يكن والدكِ... ولا أم راكان... بل الرجل الذي أنقذكِ في الليلة نفسها، ثم أقسم أمام الجميع أنه لم يركِ قط.»
اتسعت عينا ليان، بينما تحولت ملامح راكان إلى جمود مرعب.
همس آسر، الذي ظهر عند مدخل القاعة دون أن ينتبه إليه أحد: «من تقصد؟»
رفع الرجل العجوز إصبعه، وأشار إلى راكان.
«أقصد والده.»
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب القصر القديم بعنف، واندفع أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ:
«سيدي! لقد عاد الملك الميت!»
توقف الجميع عن التنفس.
أما راكان، فقد شحب وجهه للمرة الأولى منذ عرفته ليان، وهمس بكلمات لم يسمعها سواها:
«أبي... كان ميتًا.»
لكن من أعماق الممر المظلم، جاء صوت رجل يعرفه راكان أكثر من أي صوت آخر:
«كنت ميتًا بالفعل يا بني... إلى أن استيقظت الملكة.»
ثم ظهرت عينان ذهبيتان في الظلام.
عينان تشبهان عيني راكان تمامًا.
لكن ليان لم تستطع إبعاد عينيها عن التمثال. كانت تسمع صوتًا خافتًا داخل رأسها، صوتًا يناديها باسم لم تسمعه من قبل.«إيلارا...»وضعت يدها على أذنها، وقالت: «من يناديني؟»أجابها الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أشد:«إيلارا، ابنة الملكة... عودي إلى العهد.»شهقت ليان، ثم انحنت من الألم، بينما انطفأ الضوء الذهبي حولها. اندفع راكان ليمسك بها قبل أن تسقط، لكنه ما إن لمس يدها حتى ظهرت على كفه علامة سوداء مطابقة لتلك التي ظهرت على جسدها.نظر الاثنان إلى العلامة في ذهول.ثم تردد صوت أدهم في القاعة، وقد اختفى الهدوء من نبرته للمرة الأولى:«لقد بدأ العهد يختار وريثه.»رفع راكان رأسه إليه.«أي عهد؟»لم يجب أدهم. كان ينظر إلى كف ابنه، ثم إلى ليان، وكأنه يشاهد كابوسًا ظن أنه انتهى منذ زمن بعيد.اقتربت ليان من راكان، وهمست: «ما الذي يحدث لنا؟»أمسك يدها، وقال: «لا أعرف، لكنني لن أسمح لأحد بأخذك مني.»نظرت إليه طويلًا، ثم قالت: «لا تعدني بما لا تستطيع الوفاء به.»وقبل أن يجيب، انشق التمثال الأبيض بالكامل، وسقطت قطع الحجر على الأرض، كاشفة عن تجويف صغير في صدره. كان داخله صندوق فضي، مغلقًا بقفل يحمل رمزً
لم تكن العينان الذهبيتان اللتان ظهرتا في نهاية الممر انعكاسًا لضوء المشاعل، ولم يكن الصوت الذي خرج من الظلام وهمًا صنعه الخوف في عقول الواقفين. كان هناك رجل يتقدم نحو القاعة بخطوات بطيئة، وكأن السنوات الثلاثين التي مرت على اختفائه لم تترك في جسده أثرًا واحدًا. ارتدى عباءة سوداء طويلة، وتدلت من كتفيه سلاسل فضية تحمل رموزًا قديمة، بينما أحاطت بوجهه ندوب دقيقة بدت كأنها آثار مخالب لم تستطع تمزيقه بالكامل.تراجع الحراس الذين كانوا قد دخلوا خلف آسر، وانحنى بعضهم دون وعي، أما راكان فظل واقفًا في مكانه، جامد الملامح، كأن جسده رفض تصديق ما تراه عيناه. كان يعرف ذلك الوجه، ويحفظ تفاصيله رغم السنوات التي قضاها يتخيل ملامح أبيه في ذكرياته القديمة. لقد رأى صورته في القاعة الملكية، وسمع حكايات والدته عنه، وقرأ التقارير التي أعلنت مقتله في المعركة الأخيرة بين العشائر، لكنه لم يتخيل أن يراه يومًا يقف أمامه حيًّا.خرج صوته أخيرًا، خشنًا ومختنقًا: «أبي؟»توقف الرجل على مسافة خطوات منه، ثم نظر إليه نظرة طويلة، وقال: «لقد كبرت يا راكان.»لم تكن تلك الكلمات كافية لتفسير ما يحدث، بل بدت مستفزة على نحو جعل
لم يكن الدم الذي سال من صدر الذئب الأسود دمًا عاديًّا؛ فقد امتزج بلون داكن يشبه الحبر، وانساب فوق الأرض الحجرية في خطوط متعرجة، حتى بدا كأنه يرسم رموزًا قديمة لم تعد الذاكرة البشرية قادرة على استيعابها ارتجفت ألسنة اللهب داخل المشاعل، وانحنت تماثيل الذئاب المحيطة بالقاعة نحو الجسد الملقى أمام العرش، وكأنها تشهد سقوط ملك لم يُعلن موته بعد.تراجعت ليان خطوة، ثم أخرى، غير قادرة على استيعاب ما تراه. كان الذئب ضخمًا إلى حد جعل جسده يحتل مساحة واسعة من أرض القاعة، وكان فراؤه الأسود ملطخًا بالدماء، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة من بين أنيابه وعلى الرغم من الرعب الذي اجتاحها، لم تستطع الابتعاد عنه؛ فقد شعرت بشيء غريب يشدها إليه، إحساس لم تعرف له تفسيرًا، كأن الألم الذي يسكن صدره قد وجد طريقًا خفيًّا إلى قلبها.صرخت باسمه: «راكان!»لم يستجب.اندفعت نحوه، غير عابئة بتحذيرات المرأة التي كانت تقف قرب العرش، وجثت على ركبتيها بجواره مدّت يدها المرتجفة نحو رأسه، لكنها توقفت قبل أن تلامس فراءه، حين سمعت صوت أخيها خلفها.«إذا كنتِ تريدين الاحتفاظ بحياتك، فلا تلمسيه.»استدارت إليه بعنف، وقد اختلط الخوف
انطفأت مشاعل القصر دفعة واحدة، وكأن يدًا خفية أطبقت على أنفاس المكان، ثم انطلقت عواءات الذئاب من الخارج متتابعة، حتى ارتجفت الجدران تحت وطأة الصوت. وفي اللحظة التي حاول فيها راكان الوصول إلى ليان، لم يجد أمامه سوى الهواء.استدار بعنف، وعيناه تشتعلان بالغضب، ثم صاح: «أغلقوا جميع المخارج! لا أحد يغادر القصر، ولا أحد يدخل إليه! فتشوا كل غرفة وكل ممر، وإذا وجد أحد ليان فلا يقترب منها حتى أصل إليه.»اندفع الحراس لتنفيذ أوامره، بينما كان آسر يركض نحو النوافذ والممرات الجانبية. أما أم راكان فظلت واقفة في مكانها، تنظر إلى الفراغ الذي كانت ليان تقف فيه قبل لحظات، وكأنها كانت تتوقع هذا منذ سنوات.اقترب منها راكان، وأمسك بذراعها بقوة وقال: «أين ذهبت؟»قالت بهدوء غريب: «لم يأخذها أحد.»«إذن أين هي؟»«ذهبت إلى المكان الذي كان ينتظرها منذ ولادتها.»اشتدت قبضته على ذراعها. «لا تتحدثي بالألغاز معي. لقد فقدت ثقتي بكِ مرة، ولن أسمح لكِ أن تفعلي ذلك ثانية. إذا كنت تعرفين مكانها فقولي.»رفعت عينيها إليه وقالت: «لو كنت أعرف كيف أوقف ما يحدث، لفعلت منذ ثلاثة وعشرين عامًا.»تدخل آسر وهو يلهث: «راكان، لا يوج
تجمّد الهواء داخل الغرفة بعد كلمات أم راكان، وكأن القصر بأكمله حبس أنفاسه في انتظار ما سيحدث بعدها. ظل راكان واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة لم تعتدها ليان منه من قبل؛ لم يكن في نظراته غضب فقط، بل كان هناك شيء أعمق، شيء يشبه الصدمة التي تحاول أن تجد لها مخرجًا.قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ: «قولي إنك تكذبين.»رفعت أمه عينيها إليه، ولم تجب.اقترب خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة، وقال: «سمعتِني. قولي إنك لم تقتلي عائلتها.»تنفست المرأة ببطء، ثم قالت: «لم يكن الأمر بهذه البساطة يا راكان.»ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرح، وقال: «كل شيء يصبح بسيطًا عندما يتعلق الأمر بالدم. إما أنك قتلتِهم أو لم تقتليهم.»تدخل آسر، الذي كان يقف قرب الباب مراقبًا المشهد، وقال بحذر: «راكان... هناك شيء غير منطقي. إذا كانت هي من قتلت عائلة ليان، فلماذا أبقت ليان حية؟ ولماذا أخفتها طوال هذه السنوات؟»التفتت إليه أم راكان، وقالت: «لأنني لم أكن أملك الحق في قتلها.»رفعت ليان رأسها فجأة، وكانت الدموع قد توقفت على وجهها من شدة الصدمة، وقالت: «أنا لا أفهم شيئًا... أنتم جميعًا تتحدثون عن
لم يحتج الباب إلى أن يُفتح بالكامل حتى شعر راكان بأن شيئًا في هذا القصر انقلب رأسًا على عقب؛ فقد كان الصوت الذي خرج من خلفه مستحيلًا، صوتًا دفنه بنفسه في ذاكرته منذ سبعة عشر عامًا، صوت امرأة كان يظن أن العالم كله انتهى يوم اختفائها، ومع ذلك كان يسمعه الآن واضحًا، ينادي اسمًا لم يكن من المفترض أن تعرفه صاحبة الصوت أصلًا."ليان..."تراجعت ليان خطوة وهي تحدق في الفتحة السوداء بين الباب وإطاره، بينما رفع آسر سيفه واستعد للهجوم، وقال بصوت خافت: "لا أحد يدخل قبلي." لكن راكان أمسك بذراعه وأبعده، ثم قال: "لا." نظر إليه آسر باستغراب، فأضاف راكان: "إن كانت هي فعلًا... فسأدخل وحدي."قالت ليان بسرعة: "لن تدخل وحدك."التفت إليها."ماذا قلتِ؟"اقتربت منه رغم الخوف الذي كان ينهشها، وقالت: "إن كان الصوت يناديني، فسأعرف من صاحبته."قال راكان بصرامة: "لن تفعلي."رفعت ذقنها بعناد: "ومنذ متى تقرر أنت كل شيء يخصني؟"اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "منذ أصبحتِ الهدف الأول لكل شخص يريد إسقاط هذه المملكة."ردت دون أن تتراجع: "وأنا لم أطلب أن أكون ملكة ولا أن أكون هدفًا لأحد







