Masukبعد أن غادر لوسيان وآريا المكتبة...
بقيت كريستين وحدها. أغلقت باب المكتبة خلفهما، ثم عادت ببطء نحو الطاولة. كان الصندوق الأسود لا يزال في مكانه. ساكنًا. باردًا. وكأن شيئًا لم يحدث. لكن كريستين لم تستطع تجاهله. اقتربت منه، ثم سحبت الكرسي وجلست أمامه. وضعت الكتاب الأسود القديم أمامها. ثم بدأت تقلب صفحاته من جديد. صفحة... ثم أخرى... ثم أخرى. كانت معظم الكلمات مكتوبة بلغة قديمة لم تعد تُستخدم منذ آلاف السنين، وبعض الصفحات لم يبقَ منها سوى أجزاء صغيرة. رفعت كريستين إحدى الصفحات أمام الضوء. كانت هناك رسمة باهتة. طفلة صغيرة. وشعرها طويل، وعيناها مختلفتان بشكل غريب، وبالقرب منها رمز الدائرة والخطوط الثلاثة. ضيقت كريستين عينيها. "مستحيل..." قلبت الصفحة بسرعة. ثم وجدت رسمة أخرى. هذه المرة... كانت هناك قلادة. توقفت يدها. حدقت فيها طويلًا. كانت القلادة قديمة جدًا، وسلسلتها رفيعة، وفي منتصفها قطعة صغيرة داكنة تحمل الرمز نفسه الموجود على الصندوق. مررت كريستين إصبعها فوق الرسم دون أن تلمسه. ثم قرأت الكلمات المكتوبة أسفل الصورة. ساد الصمت. وبدا على وجهها الذهول. "إذن... هذا هو." قلبت الصفحة. وكان هناك عنوان واضح: "أمانة الدمّين." بدأت تقرأ بصوت منخفض. "قلادة تُحفظ في صندوق أسود، ولا تُسلَّم إلا لمن يولد من اتحاد إنسان ومصاص دماء..." توقفت. ثم تابعت القراءة. "وكان أول من حملها طفلة وُلدت قبل آلاف السنين، من اتحاد بين بشرية وأحد أفراد سلالة مصاصي الدماء..." اتسعت عينا كريستين. "أول طفلة..." نظرت نحو الصندوق. ثم عادت إلى الكتاب. كان السجل يذكر بوضوح أن تلك الطفلة لم تكن من سلالة لوسيان مباشرة، لكنها كانت أول حالة معروفة لطفل يحمل دم الإنسان ومصاص الدماء معًا. ولهذا... تم إخفاء قصتها. لم تُذكر في السجلات الرسمية لمصاصي الدماء. ولم تُحفظ قصتها إلا في بعض الكتب السرية التي تناقلها عدد قليل جدًا من أفراد السلالات القديمة. قالت كريستين بصوت خافت: "كانوا يخافون منها..." قلبت الصفحة. لكن ما قرأته جعل تعبير وجهها يتغير تمامًا. كان هناك سطر واحد فقط. "اختفت الطفلة وهي لا تزال صغيرة." ثبتت كريستين نظرها عليه. "اختفت؟" بدأت تقلب الصفحات بسرعة. ربما كان هناك تفسير. مكان ذهبت إليه. أحد أخذها. شيء حدث لها. لكن... لم تجد شيئًا. لا اسمًا. لا مكانًا. ولا حتى تاريخًا واضحًا. كل ما وجدته كان جملة أخرى. "لم يعرف أحد أين ذهبت." أغلقت كريستين الكتاب للحظة. وأخذت نفسًا طويلًا. لكن شيئًا ما جعلها تعود إلى الصفحة الأخيرة. كانت هناك كلمات قليلة، مكتوبة بحبر أغمق من بقية النص. قرأتها ببطء: "إذا وُلدت واحدة أخرى... سيعود الباب." تجمدت. بقيت تحدق في الجملة. ثم همست: "الباب..." رفعت رأسها ببطء. وعادت ذاكرتها إلى المكان القديم. الباب الحجري المدفون تحت الأنقاض. والرمز نفسه. والرائحة الغريبة. ثم ظهرت في ذهنها صورة إليان. طفلة صغيرة... بعيون سوداء. ولدت من إنسانة ومصاص دماء. الحالة الثانية في التاريخ. وضعت كريستين يدها على الكتاب. "إليان..." في تلك اللحظة... تحرك الصندوق الأسود فوق الطاولة حركة خفيفة جدًا. رفعت كريستين رأسها بسرعة. لكن الصندوق عاد ساكنًا. ظلت تنظر إليه لعدة ثوانٍ. ثم أغلقت الكتاب. "لا." قالتها بهدوء. "لا يجب أن أخيف آريا قبل أن نفهم كل شيء." وقفت. وحملت الكتاب معها. ثم خرجت من المكتبة متجهة إلى غرفة لوسيان. --- بعد دقائق... كانت كريستين تقف أمام باب الغرفة. طرقت طرقًا خفيفًا. فتح لوسيان الباب. "أمي؟" نظرت إليه. "أحتاج إلى التحدث معك." لاحظ لوسيان تعبير وجهها. "وجدتِ شيئًا؟" أومأت. "نعم." دخلت. كانت آريا قريبة من إليان، التي كانت نائمة بهدوء. نظر لوسيان نحوها ثم عاد إلى أمه. "ما الأمر؟" تقدمت كريستين نحوه، وخفضت صوتها. "أعرف ما كان داخل الصندوق." تغيرت ملامح لوسيان. "ماذا؟" "قلادة." سأل: "أي قلادة؟" أجابت: "قلادة قديمة جدًا." ثم نظرت إلى إليان. "كانت تخص أول طفلة وُلدت من اتحاد إنسان ومصاص دماء في ذلك العصر." اتسعت عينا لوسيان. "طفلة؟" أومأت. "لكنها لم تكن من سلالتك مباشرة." اقترب أكثر. "وماذا حدث لها؟" صمتت كريستين. ثم قالت: "اختفت وهي صغيرة." عبس لوسيان. "اختفت؟ كيف؟" هزت رأسها. "لا أحد يعرف." ثم أضافت: "السجلات أُخفيت عمدًا، وقصتها حُذفت من معظم تاريخ مصاصي الدماء." نظر لوسيان نحو إليان. وبدأت ملامحه تتغير. "وهذا له علاقة بإليان." قالتها كريستين بحذر: "يبدو ذلك." ثم سكتت لحظة. وكأنها تفكر هل تخبره بالباقي أم لا. لاحظ لوسيان ترددها. "هناك شيء آخر." لم تجبه. "أمي." قالها بهدوء هذه المرة. رفعت كريستين عينيها إليه. فسألها: "ماذا كتبوا عن القلادة؟" اقتربت كريستين قليلًا. وقالت: "كتبوا شيئًا آخر." انتظر. ثم قالت: "إذا وُلدت واحدة أخرى... سيعود الباب." ساد الصمت. نظر لوسيان إليها. "أي باب؟" لم تجبه كريستين. بقيت تنظر إليه للحظات، ثم أدارت عينيها نحو إليان. كانت الصغيرة نائمة بهدوء، لا تعرف شيئًا عن الكلمات القديمة التي بدأت تغيّر تاريخها قبل أن تعرف حتى معنى اسمها. عاد لوسيان ينظر إلى أمه. "أمي... أي باب؟" تنفست كريستين ببطء. ثم قالت: "هذا..." وصمتت. وكأنها تعرف أن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أخطر من الصندوق نفسه.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







