Mag-log inعاد لوسيان وآريا من المكتبة بعد وقتٍ ليس بالقصير.
وكان الصمت يرافقهما طوال الممر. لم تتحدث آريا كثيرًا هذه المرة، إذ ظلت أفكارها عالقة بكل ما قالته كريستين. الوريث الهجين. الرمز القديم. والصندوق الذي بدا مرتبطًا بإليان بطريقة لم يفهموها بعد. لكن كل تلك الأفكار تلاشت في اللحظة التي اقتربت فيها من غرفة الجلوس. كان أول ما خطر في ذهنها... طفلتها. وما إن فُتح الباب حتى دخلت آريا مسرعة. "إليان؟" رفعت صوتها قليلًا. "أين هي؟" التفتت نيكس إليها وابتسمت. "إنها هنا." توقفت آريا. كانت إليان نائمة بهدوء بين ذراعي جدها. كان والد آريا جالسًا على المقعد، وقد أسند رأسه إلى الخلف قليلًا، بينما كانت الصغيرة مستلقية فوق صدره، ملفوفة بغطائها الناعم. وكان أليكس جالسًا بالقرب منهما، يتأمل الطفلة بصمت، وكأنه لا يزال غير مصدق أن هذا الكائن الصغير أصبح جزءًا من العائلة. اقتربت آريا بسرعة. "كيف حالها؟" ابتسم والدها. "إنها بخير." ثم نظر إلى إليان. "لقد نامت منذ وقتٍ قصير." اقتربت آريا أكثر، ووضعت يدها برفق على رأس طفلتها. "هل أصابها مكروه؟" ضحكت نيكس. "لا، كانت أمك تحاول فقط أن تجعلها تنام." قال والد آريا: "وأنا كنت جالسًا هنا." ثم أشار إلى نفسه. "وبالمناسبة، إنها تحب النوم على صدري." ابتسمت آريا. "بالطبع." انحنت قليلًا وقبّلت رأس إليان. "لقد اشتقت إليكِ." فتحت إليان عينيها قليلًا، ثم أغمضتهما من جديد. ضحكت آريا براحة. "إنها بخير." قال لوسيان، الذي كان قد دخل خلفها: "لقد أخبرتكِ أنها ستكون بخير." نظرت إليه آريا. "أعلم." ثم عادت إلى طفلتها. "لكن قلبي لا يهدأ." ابتسم والدها. "هذه طبيعة الأمهات." جلست آريا إلى جانبه، وظلت تنظر إلى إليان. وبعد لحظات، قال والدها: "لقد كانت هادئة طوال الوقت." رفعت آريا عينيها إليه. "حتى إنها لم تبكِ؟" هز رأسه. "إلا مرة واحدة." تغير وجه آريا. "ماذا حدث؟" قال بسرعة: "لا شيء." ثم ابتسم. "كانت تحرك يديها فحسب." تنفست آريا براحة. "آه." أما أليكس، الذي كان يراقب المشهد منذ البداية، فتحدث للمرة الأولى: "إنها غريبة بطريقة جميلة." نظرت آريا إليه. "ماذا تقصد؟" أشار إلى عيني إليان. "حتى وهي نائمة... أشعر بأنها تراقب المكان." ضحكت آريا. "ربما لأنها ابنة لوسيان." قال لوسيان من خلفها: "لقد سمعت ذلك." فضحك الجميع. اقترب أليكس من الطفلة أكثر. "هل يمكنني حملها؟" نظرت آريا إلى والدها، ثم إلى أليكس. "بالطبع." استدار والد آريا ليعطيه إليان، لكن لوسيان قال: "برفق." رفع أليكس حاجبه. "أعرف كيف أحمل طفلة." قال لوسيان بجدية: "أنا أذكّرك فحسب." ضحكت آريا. "لقد أصبح لوسيان يخشى على إليان من كل شيء." قال والدها: "هذا طبيعي." ثم حمل أليكس إليان بحذر. استقرت الصغيرة بين ذراعيه. فتح أليكس عينيه بدهشة. "إنها أخف مما توقعت." قالت نيكس: "لأنها صغيرة." نظر إليها. "أعلم." ثم ابتسم وهو ينظر إلى وجهها. "إنها جميلة." اقتربت آريا منه. كانت لا تزال متوترة بسبب كل ما حدث في المكتبة، لكن رؤيتها إليان بين ذراعي عائلتها جعلت قلبها يهدأ قليلًا. قالت: "كنت خائفة عليها." نظر والدها إليها. "لماذا؟" ترددت، ثم قالت: "لقد وجدنا شيئًا في المكتبة." توقف لوسيان لحظة. ثم قالت آريا: "لكنني لا أريد التحدث عن الأمر أمام إليان." نظر والدها إليها بقلق، لكنه لم يسأل أكثر. وقال فقط: "أيًّا كان ما وجدتموه، سنواجهه معًا." نظرت إليه آريا، ثم ابتسمت. "شكرًا." ثم مدت يدها نحو إليان. وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعها يد طفلتها... فتحت إليان عينيها. كانتا سوداويْن تمامًا. حدقت في آريا، ثم مدت أصابعها الصغيرة نحو وجهها. ابتسمت آريا فورًا. "أمك هنا." أغلقت إليان عينيها من جديد، فضحكت آريا بخفة. لكن لوسيان ظل يراقبها. وتذكر كلام كريستين. الوريث الهجين. والصندوق. والرمز. والرائحة. ثم نظر إلى ابنته. كان فيها شيء لم يفهمه بعد. شيء بدأ يظهر ببطء. اقترب من آريا، ووضع يده على كتفها. "مهما كان السر..." نظرت إليه. "ماذا؟" "سنكتشفه." ثم نظر إلى إليان. "معًا." وضعت آريا يدها فوق يده، ثم أسندت رأسها إلى كتفه. وفي وسط الغرفة... كانت إليان نائمة بهدوء بين أفراد عائلتها. لكن خلف ذلك الهدوء... كان هناك سر قديم جدًا بدأ يستيقظ. سر لم يكن كاسيان وحده يعرفه. وكان القصر الأسود... قد بدأ هو الآخر يتذكره.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







