LOGINبقيت القاعة صامتة لوقت طويل بعد اعتراف كاسيان.
حتى القصر الأسود نفسه بدا وكأنه توقف عن إصدار أصواته المعتادة. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. كانت آريا تنظر إلى ريفانا وكاسيان، وقد بدت متأثرة بالمشهد الذي رأته أمامها. أما إليان… فكانت لا تزال تنظر إلى القلادة حول عنقها. الهدية التي ظنت طوال هذه السنوات أنها مجرد أثر غامض من الماضي… كانت في الحقيقة هدية أب لابنته. قالت آريا أخيرًا بصوت هادئ: — "كم من الأشياء تغيّرت بسبب الخوف." نظر كاسيان إليها. خفض رأسه قليلًا. — "أعرف." اقتربت آريا منه. — "لكنك عدت الآن." رفع كاسيان عينيه إليها. — "لم أعد أطلب شيئًا." ثم نظر إلى ريفانا. — "كل ما أريده هو أن تكون ابنتي بخير." أمسكت ريفانا يده للحظة. لم تقل شيئًا. لكن تلك الحركة الصغيرة جعلت الجميع يدركون أن السنوات الطويلة من الفقد بدأت أخيرًا تنتهي. أما لوسيان، فكان واقفًا على مسافة قريبة. قال: — "أخطأت كثيرًا." نظر إليه كاسيان. — "نعم." — "وتسببت في سقوط مملكة كاملة." — "نعم." توقف لوسيان قليلًا. ثم قال: — "لكنني أرى أنك تحاول إصلاح ما تستطيع." فوجئ الجميع بنبرته. رفع كاسيان حاجبه. — "وهل هذا يعني أنك سامحتني؟" ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة. — "لم أقل ذلك." ضحك كاسيان للمرة الأولى. — "كنت أتوقع هذا." وتبادلا نظرة طويلة. لم تتحول إلى ثقة كاملة. ولا إلى صداقة فورية. لكنها كانت بداية شيء جديد. شيء لم يكن موجودًا بينهما من قبل. --- مرت الأيام التالية ببطء، وبدأ أثر المصالحة يظهر في تفاصيل القصر اليومية. لم تختفِ الجراح القديمة بين ليلة وضحاها، لكن الصمت لم يعد ثقيلًا كما كان، وصار أفراد العائلتين يلتقون دون أن يشعروا بأن الماضي يقف بينهم في كل مرة. وبعد فترة قصيرة، جلس أرن في القاعة الكبيرة مع إليان وعائلتها. كان واضحًا أنه ما زال يحاول فهم عالمهم. كان ينظر إلى السقف المرتفع، والشموع التي أضاءت نفسها، واللوحات التي تحركت أحيانًا دون أن يلمسها أحد. قال كريس وهو يراقبه: — "أنت غريب." نظر أرن إليه. — "أنا؟" — "نعم." ثم أضاف كريس: — "لكنك لست مخيفًا مثل العم لوسيان." من الطرف الآخر، قال لوسيان: — "سمعتك." اختبأ كريس خلف ريفين. ضحك أرن للمرة الأولى بصوت واضح. نظرت إليان إليه مبتسمة. كانت سعيدة لأنه بدأ يشعر بالراحة. اقتربت آريا منه. — "أرن." التفت إليها. — "نعم؟" — "أريد أن أسألك شيئًا." اعتدل في جلسته. — "اسألي." قالت بلطف: — "ماذا عن عائلتك؟" سكت أرن. ثم نظر إلى إليان. — "والداي ما زالا هناك." قالت إليان: — "في فالوريان؟" — "نعم." تدخل أليكس: — "ولا يمكنهما عبور الباب؟" أجاب أرن: — "يمكنهما، لكنهما لن يفهما هذا العالم بسهولة." رفعت آريا حاجبها. — "القصر الأسود كبير بما يكفي." ابتسمت إليان. — "بل كبير جدًا." ثم نظرت إلى لوسيان. فهم والدها ما تفكر فيه قبل أن تتكلم. قال: — "أحضرهما." نظر أرن إليه بدهشة. — "ماذا؟" — "أحضر عائلتك." أضاف لوسيان: — "إن كان هذا المكان أصبح موطنك، فمن الطبيعي أن يكون لأهلك مكان فيه." قالت آريا: — "يمكنهما العيش معنا." وأضاف كريس بحماس: — "ونحن نريد أن نراهما!" ضحكت نيكس. — "نحن؟" قال كريس: — "أنا واثق أن الجميع يريدون." رفع ريفين يده. — "أنا لا أضمن شيئًا." ردت نيكس: — "أيها الغراب، اصمت." قال أرن ببطء: — "أنتم جادون؟" أجابت آريا: — "نعم." نظر أرن إلى إليان. كانت تبتسم. — "أريد لعائلتك أن تكون قريبة منك." بقي أرن صامتًا لحظة. ثم قال: — "شكرًا." --- في اليوم التالي، عاد أرن إلى فالوريان لفترة قصيرة. وحين عاد بعد ساعات، لم يكن وحده هذه المرة. دخل الملك والملكة وعدد من أفراد العائلة عبر الباب بين الأزمنة، وهم ينظرون حولهم بدهشة. كان القصر الأسود مختلفًا عن أي شيء عرفوه. لكن آريا استقبلتهم بابتسامة. — "مرحبًا بكم." ثم أضافت: — "من اليوم، اعتبروا هذا بيتكم." خفض ملك فالوريان رأسه باحترام. — "نشكر لكم كرمكم." قال أليكس: — "لا داعي للألقاب داخل القصر." نظر إليه الملك بدهشة. ثم ابتسم. — "إذن يبدو أننا سنبدأ من جديد." ومع مرور الأسابيع، بدأ الجميع يتأقلم تدريجيًا. والدة أرن أصبحت تجلس أحيانًا مع آريا في الحديقة. والده دخل في نقاشات طويلة مع لوسيان حول تاريخ العالمين. وكريستين وجدت في الملك رجلًا يشاركها حب المخطوطات القديمة. أما كريس… فقد قرر أن مهمته الأولى هي تعليمهم كل قوانين القصر الأسود. مع أن نصف قوانينه من اختراعه شخصيًا. --- لكن في الأيام الأولى، لم يكن أهل أرن قادرين على التأقلم بسهولة مع كل ما رأوه. كانوا يعرفون أن القصر الأسود موطن مصاصي الدماء، لكن المعرفة بشيء وسماع الحكايات عنه لم تكونا مثل الوقوف داخله ورؤية الحقيقة أمام أعينهم. وفي اليوم نفسه الذي وصلوا فيه من فالوريان، اجتمعت العائلتان في القاعة الكبيرة. كانت والدة أرن تتحدث مع آريا، بينما وقف والده قرب إحدى النوافذ يتأمل الحديقة المظلمة. أما أرن، فكان يعرّفهم إلى أفراد عائلة إليان واحدًا تلو الآخر. وعندما وصل إلى لوسيان، قال: — "وهذا لوسيان." التفت لوسيان إليهم بهدوء. — "مرحبًا بكم." تجمدت والدة أرن في مكانها. تغير وجه والده، وتراجع أحد أفراد العائلة خطوة إلى الخلف دون أن يشعر. كان لوسيان واقفًا أمامهم بهدوء، لكن عينيه الحمراوين وأنيابه الظاهرة قليلًا لم تتركا مجالًا للشك. همس أحدهم: — "إنه… مصاص دماء." ساد الصمت في القاعة. نظر أهل أرن إلى لوسيان بصدمة واضحة، وكأنهم لم يتوقعوا أن يروا مصاص دماء أمامهم بهذه السرعة، ولا أن يكون بهذه الهيبة والقرب من عائلتهم. تحرك أرن فورًا ليقف بينهم. — "لا تخافوا. لوسيان لن يؤذيكم." لكن والده ظل متوترًا. — "أنت قلت إنهم يعيشون هنا… لم تقل إنهم…" توقف، غير قادر على إكمال جملته. قالت إليان بهدوء: — "نحن مصاصو دماء، نعم. لكننا لسنا الوحوش التي سمعتم عنها في حكاياتكم." وأضافت آريا: — "لن يجبركم أحد على الاقتراب من أي شخص لا تشعرون بالراحة تجاهه." ظل لوسيان صامتًا للحظات، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، مانحًا إياهم مساحة أكبر. — "أفهم صدمتكم." نظر إليه والد أرن بحذر. — "أنت لا تبدو كما توقعت." ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة. — "وأنا لا ألومك. معظم البشر يتخيلوننا أسوأ مما نحن عليه." قال كريس من الخلف: — "إلا العم لوسيان، فهو مخيف فعلًا." التفت إليه لوسيان. — "كريس." اختبأ كريس خلف ريفين، بينما ضحك أرن رغم توتره. وبعد لحظات، اقتربت والدة أرن من إليان وهمست: — "هل أنتم جميعًا…؟" أومأت إليان. — "نعم." نظرت المرأة إلى ابنتها المستقبلية، ثم إلى لوسيان، ثم إلى القصر من حولها. كان الخوف لا يزال حاضرًا في عينيها، لكن الفضول بدأ يتغلب عليه. قالت آريا بلطف: — "لا داعي لأن تتقبلوا كل شيء في ليلة واحدة. خذوا وقتكم." أمسك أرن بيد والدته. — "أنا هنا، ولن أترككم وحدكم." تنفست ببطء، ثم أومأت. — "سنحاول." ومنذ ذلك اليوم، بدأ أهل أرن يكتشفون أن مصاصي الدماء لم يكونوا كما تخيلوا. اكتشفوا أن آريا تحب الزهور. وأن ريفانا تقضي ساعات طويلة في قراءة المخطوطات. وأن كريس يبالغ في قصصه أكثر من أي شخص آخر. أما لوسيان، فظل أكثرهم إثارة للخوف في البداية. لكنهم لاحظوا أنه كان يحافظ على مسافة بينهم، ولا يقترب إلا عندما يتحدثون إليه. وبعد أسابيع، تجرأت والدة أرن على سؤاله: — "هل صحيح أنك عشت قرونًا؟" أجاب لوسيان: — "أكثر مما أحب أن أتذكر." — "وهل اعتدت أن يخاف منك الناس؟" نظر إليها لحظة. — "نعم." ثم أضاف: — "لكنني لم أعتد أن أكون جديرًا بثقتهم." صمتت المرأة، ثم قالت: — "ربما يمكنك أن تبدأ معنا." رفع لوسيان عينيه إليها. كانت تلك أول مرة لا تنظر إليه فيها كوحش، بل كشخص يحاول أن يثبت نفسه. أومأ بهدوء. — "ربما." ومع مرور الأشهر، لم يختفِ خوف أهل أرن تمامًا، لكنه لم يعد أقوى من معرفتهم به. صاروا يلقون التحية على لوسيان دون تردد. وصارت والدة أرن تجلس أحيانًا مع آريا في الحديقة. أما والده، فدخل في نقاشات طويلة مع لوسيان حول تاريخ العالمين، رغم أنه كان يتوتر في كل مرة يقترب فيها لوسيان فجأة. وكان كريس يصر على أن يخبرهم بكل قوانين القصر الأسود. مع أن نصف قوانينه من اختراعه شخصيًا. --- وخلال تلك الفترة، كان هناك شخصان آخران بدآ يقتربان من بعضهما دون أن يلاحظ أحد في البداية. أليكس وريفانا. في البداية كان الأمر مجرد حديث. ثم أصبحا يلتقيان في المكتبة. ثم أصبح أليكس يرافقها إلى الحديقة. ومع مرور الشهور، صار كل منهما يكتشف شيئًا جديدًا عن الآخر. ذات مساء، كانت ريفانا تقف بين الأشجار، تنظر إلى القمر. وصل أليكس ووقف إلى جوارها. قالت: — "لم أتخيل أنني سأعيش في مكان كهذا." ابتسم. — "وأنا لم أتخيل أنني سأقابل فتاة عاشت آلاف الأسرار ثم تجعلني أعتاد وجودها بهذه السرعة." نظرت إليه ريفانا. — "هل هذه شكوى؟" — "لا." ابتسم. — "هذه مشكلة." ضحكت. ومنذ تلك الليلة… لم يعد الأمر مجرد صداقة. --- أما إليان وأرن، فلم يحتجا إلى وقت طويل حتى أصبح أرن جزءًا حقيقيًا من حياتها. ومع مرور السنوات، صار وجودهما معًا أمرًا مألوفًا في القصر؛ كانا يظهران في الممرات، وفي الحديقة، وفي المكتبة، وبين أفراد العائلة. وكان لوسيان لا يزال يراقبه بحذر. وذات مرة قال له: — "أنا أراقبك." أجاب أرن بهدوء: — "أعرف." — "ولا أنوي التوقف." ابتسم أرن. — "وأنا لم أتوقع منك غير ذلك." من بعيد، قالت إليان: — "أبي!" ضحك الجميع. حتى كاسيان. وبمرور الوقت، حدث شيء لم يتوقعه أحد. أصبح لوسيان وكاسيان يتحدثان كثيرًا. في البداية عن ريفانا. ثم عن القصر. ثم عن الماضي. ثم عن أخطاء كل واحد منهما. وفي إحدى الليالي، كانا يجلسان في الشرفة. قال كاسيان: — "لم أتخيل يومًا أنني سأجلس مع شخص من سلالتي وأتحدث معه بهذا الهدوء." رد لوسيان: — "ولا أنا." ثم أضاف: — "لكن ربما بعد كل هذه السنوات، تعبنا من القتال." ضحك كاسيان. — "ربما." ومنذ ذلك اليوم، بدأت الصداقة بينهما تأخذ مكان العداوة القديمة. --- مرت سنوات أخرى. ولم تعد إليان الفتاة التي عادت من فالوريان وهي تحمل الحزن في قلبها. لقد كبرت أكثر. وأصبحت أكثر هدوءًا وثقة. وكان أرن إلى جوارها طوال تلك السنوات. لم يكن وجوده مجرد نتيجة للباب. ولم تكن علاقتها به مجرد حادثة سببها تغيّر التاريخ. لقد اختارت هي البقاء معه. واختار هو عبور الزمن من أجلها. وقبل موعد الزفاف بأيام، كانت إليان تقف مع أرن في شرفة القصر، تراقب ضوء القمر وهو ينساب فوق الحديقة. كان كل شيء من حولهما هادئًا، لكن قلبها لم يكن كذلك. لاحظ أرن شرودها، فاقترب منها. — "أنتِ متوترة." حاولت إليان أن تبتسم. — "قليلًا." — "بسبب الزفاف؟" هزت رأسها، ثم سكتت لحظة قبل أن تقول: — "ليس بسبب الزفاف نفسه." نظر إليها أرن باهتمام. — "إذن ماذا هناك؟" خفضت عينيها إلى يديهما المتشابكتين. — "أفكر في المستقبل." — "أي مستقبل؟" تنفست ببطء. — "أنا مصاصة دماء يا أرن… وأنت بشري." ظل صامتًا. تابعت بصوت خافت: — "أنا سأعيش أطول منك. وربما أكثر بكثير. قد تمر قرون وأنا ما زلت هنا، بينما أنت…" توقفت، وكأنها لم تستطع إكمال الجملة. ثم قالت: — "أخاف أن أعيش بعدك طويلًا. أخاف أن أحبك، ثم أضطر إلى مشاهدة الزمن يأخذك مني." أمسك أرن بوجهها برفق. — "إليان، أنا أعرف الفرق بيننا." — "لكن هل تعرف ماذا يعني ذلك؟" — "أعرف أنه يعني أن وقتنا ليس متساويًا." اقترب منها أكثر. — "لكنه لا يعني أن ما بيننا أقل قيمة." امتلأت عيناها بالدموع. — "أنا لا أريد أن أخسرك." ابتسم أرن بحزن وحنان. — "ولا أنا أريد أن أخسرك. لكن لا يمكننا أن نرفض الحياة التي أمامنا خوفًا من نهايتها." وضعت إليان جبينها على صدره. — "كنت أتمنى لو كان بإمكاني أن أمنحك عمري." — "وأنا كنت أتمنى لو كان بإمكاني أن أعيش معك إلى الأبد." ثم رفع ذقنها لينظر إليها. — "لكنني لا أحتاج إلى الأبد كي أختارك. أحتاج إلى كل يوم تمنحينني إياه." أغمضت إليان عينيها، واحتضنته بقوة. وفي تلك الليلة، لم يختفِ خوفها تمامًا. لكنه لم يعد أقوى من حبها. --- وفي اليوم التالي، كان لوسيان يقف وحده في الممر المؤدي إلى الشرفة. لم يكن يقصد التنصت، لكنه رأى إليان وهي تغادر، ورأى الحزن في عينيها. ظل واقفًا مكانه طويلًا. كان يعرف معنى أن يعيش المرء أطول من الذين يحبهم. عرف معنى أن يرى الوجوه تتغير، والأجيال تختفي، بينما يبقى هو عالقًا في الزمن. لكن شيئًا آخر أدركه في تلك اللحظة. إليان لن تبقى معه إلى الأبد. حتى لو كانت ابنته، وحتى لو امتد عمرها لقرون، سيأتي يوم تختار فيه طريقها، وتبني حياتها بعيدًا عنه. وربما سيأتي يوم يقف فيه وحده، يتذكر صوتها وضحكتها، دون أن تكون قريبة منه كما هي الآن. نظر لوسيان إلى القصر من حوله. للمرة الأولى، لم يرَ خلوده قوة. رآه وعدًا طويلًا بالفقد. قال بصوت خافت: — "لن تكوني معي إلى الأبد…" ثم ابتسم بحزن. — "لكنني سأكون معكِ ما دمتِ تحتاجين إليّ." كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل في داخله. فهم أن حبّه لإليان لا يعني أن يحتفظ بها إلى جانبه، بل أن يسمح لها بأن تعيش حياتها، حتى لو قاده ذلك يومًا إلى الوحدة. --- وفي يوم مشمس داخل القصر الأسود، بعد أن مضت سنوات على وصول أرن واستقرت العائلتان في حياتهما الجديدة، اجتمعت العائلتان. كان المكان مزينًا بالورود والشموع. وقفت إليان إلى جانب أرن. ونظرت إلى عائلتها. إلى آريا. إلى لوسيان. إلى أليكس. إلى ريفانا. إلى كريس وريفين ونيكس. وحتى إلى كاسيان. كانت عيناها تمتلئان بالدموع. قالت آريا وهي تبتسم: — "يبدو أن طفلتنا كبرت." اعترضت إليان: — "ماما!" ضحك لوسيان. — "بالنسبة إليكِ… ستبقين طفلتنا مهما كبرتِ." أمسكت إليان بيد أرن. نظرت إليه. ثم قالت: — "أنا اخترت هذا." ابتسم أرن. — "وأنا اخترتكِ." ولم تكن هناك نبوءة تجبرهما. ولا باب يقرر عنهما. ولا قوة تدفع قلبيهما. كان القرار قرارهما. وبعد قليل، أصبحت إليان زوجة أرن. وفي تلك اللحظة، لم تعد ابنة الدمين الثانية مجرد فتاة ظهرت في صفحات التاريخ. لقد أصبحت هي من اختارت كيف تُكتب قصتها. وكانت البداية الجديدة تنتظرها بعد ذلك بسنوات، داخل القصر الأسود.إلى كل من قرأ «عروس القصر الأسود» 🤍 قبل أن أقول أي شيء عن نهاية الرواية، أريد أن أقول شكرًا. شكرًا لكل شخص أعطى هذه الرواية جزءًا من وقته، حتى لو كانت دقائق قليلة. شكرًا لكل من فتح فصلًا، وقرأ سطرًا، أو تابع شخصية، أو انتظر معرفة ماذا سيحدث بعدها. قد لا تكون «عروس القصر الأسود» الرواية المثالية، وربما لم تكن كل أحداثها ممتعة كما كنت أتمنى، وربما كان هناك الكثير من الأشياء التي كان بإمكاني كتابتها بطريقة أفضل. لكن رغم كل ذلك… أنا تعبت فيها. كتبتها، وفكرت بأحداثها، وعشت مع شخصياتها، وفرحت معهم، وحزنت معهم، ووصلت معهم إلى النهاية. ولهذا، يكفيني جدًا أن هناك أشخاصًا قرأوا شيئًا أنا كتبته. يكفيني أن كلماتي وصلت إلى أحدكم، حتى ولو لم تترك الرواية أثرًا كبيرًا. يكفيني أن شخصًا ما قرر أن يعطيها من وقته، لأن وقت الإنسان شيء ثمين، وأنا أقدّر كل دقيقة قضاها أحدكم بين صفحاتها. ولكل شخص قرأها ولم يترك تعليقًا، ولم يضع إعجابًا، ولم يقل شيئًا… شكرًا لك أيضًا. 🤍 وجودك كقارئ لا يحتاج إلى إثبات. مجرد أنك قرأت… يعني أن جزءًا من الوقت الذي كان بإمكانك أن تقضيه في أي مكان آخر، قضيته هنا.
لم تتغير حياة القصر الأسود بعد ولادة كايل. بل تغيّرت أكثر مما توقع الجميع. لم يعد الصمت الذي كان يملأ الممرات طويلًا كما في السابق، ولم تعد الوجوه تستيقظ على هدوء القصر نفسه. فقد أصبح هناك صوت صغير يركض في كل مكان. وضحكة تتردد في الممرات. وبكاء يتحول بعد دقائق إلى ضحك. وفوق كل ذلك… أصبح هناك طفل واحد استطاع أن يجعل جميع أفراد العائلة ينسون أعمارهم ويعودون أطفالًا معه. كايل. منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذا الطفل لن يكون هادئًا. كان يحرّك يديه وقدميه باستمرار، ويحدق بكل شيء من حوله بفضول شديد. وكان أكثر شخص يتعلق به… هو لوسيان. في كل مرة كان لوسيان يحمله، كان كايل يهدأ سريعًا. وكأن صوت جده وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالأمان. وفي إحدى المرات، كان لوسيان جالسًا في القاعة الكبيرة، يحمل كايل بين ذراعيه. كان الطفل قد كبر قليلًا، لكنه ما زال صغيرًا جدًا. نظر إليه لوسيان طويلًا. ثم قال: — "أتعرف من أنا؟" رفع كايل عينيه إليه. ابتسم لوسيان. — "أنا جدك." فتح كايل فمه الصغير وأصدر صوتًا غريبًا. ضحك لوسيان. — "لا، لا تقل شيئًا. فقط استمع." اقترب منه قليلًا. — "أنت ت
منذ اليوم الذي أخبرت فيه إليان عائلتها بخبر حملها، لم تعد حياتها في فالوريان كما كانت. ولا حياة أي شخص في العائلتين. في البداية، حاولت إليان أن تتعامل مع الأمر بهدوء. كانت تجلس في الحديقة مع أرن، تضع يدها على بطنها، وتراقب السماء وهي تبتسم. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوسيان… كان قد أعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يبتعد عنها طوال فترة الحمل. وعندما قالت له إليان إن الطبيب في فالوريان يتابع حالتها وأنها بخير، أجابها ببساطة: — "وأنا أتابع الطبيب." رفعت إليان حاجبها. — "أبي." — "ماذا؟" — "لا يمكنك مراقبة الطبيب." قال بجدية: — "يمكنني." ضحكت آريا من الطرف الآخر. — "دعه. منذ عرف أنك حامل وهو لا يعرف كيف يتصرف." التفت لوسيان إليها. — "أنا أعرف تمامًا كيف أتصرف." قال ريفين: — "أنت منذ ثلاثة أيام تسأل أرن كل ساعتين إذا كانت إليان قد تناولت الطعام." قال لوسيان: — "هذا طبيعي." وأضاف كريس: — "وسألني أنا أيضًا." نظر إليه لوسيان. — "لأنك كنت معها." قال كريس: — "كنت ألعب!" — "وهذا سبب إضافي لأتأكد." ضحك الجميع. أما إليان… فكانت تنظر إلى عائلتها وتشعر بدفء لم تعرفه من
مرت عدة أشهر منذ أن انتقلت إليان إلى فالوريان برفقة أرن. ورغم أن حياتها الجديدة أصبحت أكثر هدوءًا، فإنها لم تسمح للمسافة بأن تبعدها عن عائلتها. كانت تزور القصر الأسود باستمرار. أحيانًا كانت تقضي أيامًا كاملة مع آريا ولوسيان، وأحيانًا كانت تعود إلى فالوريان بعد ساعات قليلة. وفي كل مرة تدخل فيها القصر، كان كريس أول من يركض نحوها. وكان لوسيان، مهما حاول أن يبدو هادئًا، ينتظر عودتها أكثر مما يعترف به. وفي ذلك الصباح… فُتح باب القصر الأسود. دخلت إليان برفقة أرن. لكن هذه المرة كانت مختلفة قليلًا. كانت تحمل حقيبة صغيرة بيدها، بينما كان أرن يسير إلى جانبها بهدوء. رفع ريفين رأسه فور أن رآهما. — "إليان!" ابتسمت. — "مرحبًا، عمي ريفين." اقترب منها بسرعة. — "أين كنتِ؟ لقد تأخرتِ." ضحكت. — "قلت لك إن الطريق من فالوريان ليس قصيرًا." ظهرت نيكس من خلفه. — "دعها تدخل أولًا، أيها الغراب." ثم احتضنت إليان. — "اشتقت إليكِ." — "وأنا أيضًا." جاء كريس بعدها مباشرة. — "إليان!" واحتضنها بحماس. — "هذه المرة بقيتِ أكثر من أسبوعين!" ضحكت. — "كيف عرفت؟" رفع حاجبه. — "أنا أراقب الجميع
بعد أن انتهت مراسم الزفاف، بقيت القاعة مضاءة بالشموع، بينما كانت أصوات الضحك والتهاني تتردد بين جدران القصر الأسود. وقفت إليان إلى جانب أرن، وما زالت ملامح الفرح واضحة على وجهها، فيما كانت عائلتها تقترب منهما واحدًا تلو الآخر. احتضنتها آريا أولًا. وضعت يديها على كتفي ابنتها، وتأملتها طويلًا، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل وجهها في ذاكرتها. ثم ابتسمت، رغم اللمعة الواضحة في عينيها. — "مبارك يا ابنتي." ابتسمت إليان. — "شكرًا يا أمي." اقترب لوسيان بعد ذلك. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها. ثم وضع يده فوق رأسها كما كان يفعل منذ أن كانت طفلة. — "لقد كبرتِ." ضحكت إليان وسط دموعها. — "أبي… لقد قلتها كثيرًا." — "وسأكررها أكثر." ثم احتضنها. أغلقت إليان عينيها للحظات. كان حضنه المكان الذي شعرت فيه بالأمان منذ أول يوم في حياتها. اقترب أرن منهما بعد لحظة. فقال لوسيان له بهدوء: — "اعتنِ بها." أجاب أرن دون تردد: — "سأفعل." نظر إليه لوسيان لثوانٍ، ثم أومأ. — "أعرف." رفعت إليان رأسها ونظرت إليهما. للمرة الأولى شعرت أن والدها، رغم حذره الدائم، كان يسلّمها فعلًا إلى شخ
بقيت القاعة صامتة لوقت طويل بعد اعتراف كاسيان. حتى القصر الأسود نفسه بدا وكأنه توقف عن إصدار أصواته المعتادة. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. كانت آريا تنظر إلى ريفانا وكاسيان، وقد بدت متأثرة بالمشهد الذي رأته أمامها. أما إليان… فكانت لا تزال تنظر إلى القلادة حول عنقها. الهدية التي ظنت طوال هذه السنوات أنها مجرد أثر غامض من الماضي… كانت في الحقيقة هدية أب لابنته. قالت آريا أخيرًا بصوت هادئ: — "كم من الأشياء تغيّرت بسبب الخوف." نظر كاسيان إليها. خفض رأسه قليلًا. — "أعرف." اقتربت آريا منه. — "لكنك عدت الآن." رفع كاسيان عينيه إليها. — "لم أعد أطلب شيئًا." ثم نظر إلى ريفانا. — "كل ما أريده هو أن تكون ابنتي بخير." أمسكت ريفانا يده للحظة. لم تقل شيئًا. لكن تلك الحركة الصغيرة جعلت الجميع يدركون أن السنوات الطويلة من الفقد بدأت أخيرًا تنتهي. أما لوسيان، فكان واقفًا على مسافة قريبة. قال: — "أخطأت كثيرًا." نظر إليه كاسيان. — "نعم." — "وتسببت في سقوط مملكة كاملة." — "نعم." توقف لوسيان قليلًا. ثم قال: — "لكنني أرى أنك تحاول إصلاح ما تستطيع." فوجئ الجميع بنبرته. رفع كاس







