Share

135

last update publish date: 2026-10-02 13:49:27

لم تتغير حياة القصر الأسود بعد ولادة كايل.

بل تغيّرت أكثر مما توقع الجميع.

لم يعد الصمت الذي كان يملأ الممرات طويلًا كما في السابق، ولم تعد الوجوه تستيقظ على هدوء القصر نفسه.

فقد أصبح هناك صوت صغير يركض في كل مكان.

وضحكة تتردد في الممرات.

وبكاء يتحول بعد دقائق إلى ضحك.

وفوق كل ذلك…

أصبح هناك طفل واحد استطاع أن يجعل جميع أفراد العائلة ينسون أعمارهم ويعودون أطفالًا معه.

كايل.

منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذا الطفل لن يكون هادئًا.

كان يحرّك يديه وقدميه باستمرار، ويحدق بكل شيء من حوله بفضول شديد.

وكان أكثر شخص يتعلق به…

هو لوسيان.

في كل مرة كان لوسيان يحمله، كان كايل يهدأ سريعًا.

وكأن صوت جده وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالأمان.

وفي إحدى المرات، كان لوسيان جالسًا في القاعة الكبيرة، يحمل كايل بين ذراعيه.

كان الطفل قد كبر قليلًا، لكنه ما زال صغيرًا جدًا.

نظر إليه لوسيان طويلًا.

ثم قال:

— "أتعرف من أنا؟"

رفع كايل عينيه إليه.

ابتسم لوسيان.

— "أنا جدك."

فتح كايل فمه الصغير وأصدر صوتًا غريبًا.

ضحك لوسيان.

— "لا، لا تقل شيئًا. فقط استمع."

اقترب منه قليلًا.

— "أنت تعرف أن أمك كانت مشاغبة مثلك عندما كانت صغيرة؟"

ومن بعيد قالت آريا:

— "لوسيان!"

التفت إليها.

— "ماذا؟"

— "لا تلقِ اللوم على إليان."

ضحك.

ثم عاد لينظر إلى حفيده.

— "لكنني لا أظن أنك ستصبح مشاغبًا مثلها."

وبمجرد أن قال الجملة…

رفع كايل يده الصغيرة.

ووضعها فجأة على فم لوسيان.

توقف لوسيان.

ثم ضحك.

— "حسنًا… ربما استعجلت."

لكن كايل لم يكتفِ بذلك.

تحركت أصابعه الصغيرة حتى وصلت إلى أحد أنياب جده.

ثم أمسك به.

قال لوسيان بسرعة:

— "لا، لحظة…"

لكن كايل سحب يده فجأة.

اتسعت عينا لوسيان.

وشعر بشيء خفيف انفصل.

نظر إلى يده.

ثم إلى كايل.

ثم إلى فمه.

ثم…

صمت.

دخلت آريا في تلك اللحظة.

— "لوسيان؟"

رفع رأسه إليها ببطء.

— "نعم."

توقفت آريا عندما رأت وجهه.

— "ماذا حدث؟"

أشار لوسيان إلى فمه.

نظرت إليه.

ثم اتسعت عيناها.

— "أين نابك؟!"

أجاب لوسيان بهدوء غريب:

— "معه."

نظرت آريا إلى كايل.

كان الطفل يمسك الناب الصغير في يده وكأنه وجد لعبة جديدة.

شهقت آريا.

ثم وضعت يدها على فمها حتى لا تضحك.

— "لا تضحكي."

قالها لوسيان بجدية.

لكنها فشلت.

انفجرت ضاحكة.

— "أنت فقدت نابك على يد حفيدك!"

نظر إليها لوسيان.

ثم إلى كايل.

ثم قال بكل هدوء:

— "سينمو غدًا."

ضحكت آريا أكثر.

— "وأنت متأكد؟"

— "عشت قرونًا، آريا. أعرف جسدي."

تدخل ريفين من خلفها:

— "المشكلة ليست في جسدك."

نظر إليه لوسيان.

قال ريفين:

— "المشكلة أنك وقعت ضحية طفل."

أطلق لوسيان زفيرًا طويلًا.

أما كايل…

فكان يضحك.

وكأنه يعرف تمامًا ماذا فعل.

---

وفي اليوم التالي…

استيقظ لوسيان، وقف أمام المرآة، ثم فتح فمه.

نظر إلى انعكاسه.

ابتسم.

لقد عاد الناب.

دخلت آريا الغرفة.

— "كنت أعرف أنه سيعود."

قال لوسيان:

— "قلت لك."

ثم أضاف وهو ينظر نحو الباب:

— "لكن لا أحد سيخبر كايل أنه يستطيع فعل ذلك مرة أخرى."

ضحكت آريا.

— "أظن أنه سيكتشف بنفسه."

وكانت محقة.

---

مرت السنوات.

وكبر كايل.

ومع كل سنة كان يكبر فيها، كانت شخصيته تصبح أوضح.

كان ذكيًا.

فضوليًا.

سريع التعلم.

ومشاغبًا بطريقة جعلت القصر الأسود كله يستسلم له.

في طفولته، كان يحب الاختباء خلف الستائر، ثم يظهر فجأة أمام من يمر.

وكان يحب العبث بالأشياء القديمة التي ممنوع الاقتراب منها.

وفي إحدى المرات، وجده لوسيان جالسًا فوق طاولة المكتبة، وبجانبه أحد الكتب القديمة المفتوحة.

تجمد لوسيان.

— "كايل."

التفت الطفل إليه.

— "جدي!"

— "من سمح لك بالصعود إلى هنا؟"

— "أنا."

رفع لوسيان حاجبه.

— "هذا ليس جوابًا."

ابتسم كايل.

— "لكنني صعدت."

كان لوسيان يحاول الحفاظ على جديته.

لكنه فشل.

ضحك.

— "انزل."

— "حاضر."

ثم قفز إلى الأرض بسرعة.

هز لوسيان رأسه.

— "أنت نسخة مصغرة من أمك."

ومن خلفه مباشرة ظهرت إليان.

— "سمعت ذلك."

التفت لوسيان.

— "كنت أتكلم عنك."

— "أعرف."

ثم نظرت إلى ابنها.

— "ماذا فعل هذه المرة؟"

أجاب كايل:

— "لا شيء."

قال لوسيان:

— "هذه الكلمة بحد ذاتها تجعلني أشك."

ضحكت إليان.

---

كبر كايل أكثر.

وبدأ الجميع يلاحظ شيئًا غريبًا في عينيه.

لم تكونا سوداويين مثل عيني إليان.

كان لونهما مختلفًا.

أخضر داكنًا في الضوء الهادئ، لكنه كان يحمل في عمقه لمعة حمراء خافتة، تظهر أكثر عندما يستخدم قوته.

لون لم يشبه عيني أحد تمامًا.

لون جديد.

وكأنه جمع جزءًا من والده آرن…

وجزءًا من والدته إليان…

وصنع شيئًا خاصًا به.

وفي كل مرة كانت آريا تنظر إلى عينيه، كانت تبتسم.

كانت تعرف أن التاريخ لم يعد يكرر نفسه بالطريقة نفسها.

بل كان يكتب شيئًا جديدًا.

---

وفي مرحلة طفولته المتأخرة، أصبح كايل شديد التعلق بجدته آريا.

كان يجلس معها في الحديقة.

يسألها عن والدته عندما كانت صغيرة.

وعندما تسأله لماذا يريد معرفة كل شيء، كان يجيب:

— "لأعرف من أين جاءت أمي بهذه الأفكار."

فتضحك آريا.

— "أنت لا تعرف حتى الآن أن أمك كانت أهدأ منك."

كان كايل يحدق بها بدهشة.

— "أمي؟ هادئة؟"

فتنفجر آريا بالضحك.

— "كنت أتوقع ألا تصدق."

وفي الجهة الأخرى، كان لوسيان يراقبهما.

وفي كثير من الأحيان، كان يجلس إلى جوار كايل ويخبره قصصًا عن إليان عندما كانت صغيرة.

لكن كايل كان يفضل سماع القصص التي تتحدث عن مغامراتها ومشاغباتها.

ثم يقول:

— "أبي لا يبدو أنه فعل هذا كثيرًا."

يجيبه لوسيان:

— "لأنني كنت أسمح لها بأشياء كثيرة."

— "ستسمح لي أنا أيضًا؟"

يصمت لوسيان.

ثم يقول:

— "لا."

يضحك كايل.

— "كنت أعرف."

---

ومع مرور المزيد من السنوات، أصبح كايل أكثر هدوءًا.

لكن ذلك الهدوء لم يلغِ مشاغباته.

بل جعلها أكثر ذكاءً.

كان يعرف كيف يهرب من العقاب.

وكيف يجعل الجميع يضحكون رغم أنهم كانوا غاضبين منه.

وكانت أكثر شخص تستطيع كشفه بسهولة…

لورا

ابنة أليكس وريفانا.

كانت أصغر من كايل بعام واحد.

وكان اسمها…

لورا.

منذ طفولتهما، كانت لورا قريبة من كايل.

نشآ في القصر نفسه تقريبًا.

كانا يلعبان معًا.

ويتشاجران.

ثم يتصالحان بعد دقائق.

وكان كايل دائمًا يتصرف معها بطريقة مختلفة قليلًا.

إذا سأل أحد عن السبب، كان يجيب بسرعة:

— "لا يوجد شيء."

لكن الحقيقة…

أنه كان يحمل إعجابًا صامتًا بها.

إعجابًا لم يخبر به أحد.

ولا حتى أمه.

وكان كلما دخلت لورا القاعة، يتغير أسلوبه دون أن يشعر.

يصبح أكثر هدوءًا.

ويهتم فجأة بمظهره.

ويحاول أن يبدو أكثر نضجًا.

وكان أليكس يلاحظ ذلك أحيانًا.

وفي إحدى المرات، نظر إلى ابنته ثم إلى كايل.

ابتسم.

لكن لم يقل شيئًا.

أما لورا، فكانت تتعامل مع كايل بعفوية تامة.

وكان هذا أكثر ما يجعله مرتبكًا.

وفي يوم من الأيام، قالت له:

— "أنت غريب."

نظر إليها.

— "لماذا؟"

— "لأنك تكون مشاغبًا مع الجميع، لكن عندما أتكلم معك تصبح هادئًا."

تجمد.

ثم قال:

— "أنا هادئ دائمًا."

ضحكت لورا.

— "كاذب."

ثم تركته وذهبت.

بقي كايل واقفًا مكانه.

ثم تمتم:

— "كيف اكتشفت ذلك؟"

وكان ريفين واقفًا خلفه.

قال:

— "لأنها أذكى منك."

استدار كايل بسرعة.

— "كنت هنا؟"

— "منذ البداية."

أغلق كايل عينيه.

— "لا تخبر أحدًا."

ضحك ريفين.

— "سر."

---

مرت السنوات أكثر.

وأصبح كايل شابًا.

وصارت القلعة تعرف خطواته.

لكن رغم تقدمه في العمر، لم يتغير شيء واحد.

كان يعود دائمًا إلى القصر الأسود.

يجلس مع لوسيان.

يستمع إلى قصصه.

ويجلس مع آريا.

ويستمع إلى نصائحها.

وكانت إليان وآرن يزوران القصر مع لورا وبقية العائلة في المناسبات.

وفي كل مرة تجتمع العائلة فيها، كان لوسيان ينظر إلى كايل للحظات طويلة.

كان يتذكر الطفل الذي حمله بين ذراعيه لأول مرة.

الطفل الذي سحب أحد أنيابه.

الطفل الذي كان يركض في الممرات.

والآن…

كان شابًا.

أكبر.

أكثر نضجًا.

وله طريقه الخاص.

كما أن كايل لم يكتفِ بالنضج داخل القصر الأسود، بل تعلم منذ شبابه كيف يكون أميرًا مسؤولًا في فالوريان. كان يرافق والده آرن في شؤون الحكم، ويحضر الاجتماعات، ويستمع إلى مشاكل الشعب، ويتعلم كيف يتخذ القرارات بحكمة وعدل. ومع مرور الوقت، أصبح آرن يعتمد عليه أكثر، حتى تولى كايل الحكم إلى جانب أبيه، وأصبح شريكًا حقيقيًا له في إدارة فالوريان وحماية مستقبلها.

---

مرت الأيام.

حتى جاءت ليلة هادئة.

كانت السماء ملبدة بالغيوم.

وكان المطر ينزل بخفة فوق الحديقة.

وقفت آريا وحدها على شرفة القصر الأسود.

كانت تمسك بحافة الشرفة، وتنظر إلى الحديقة الممتدة تحت ضوء القمر الخافت.

كانت أضواء القصر تنعكس فوق قطرات المطر، والهواء البارد يحمل معه رائحة الأرض المبتلة.

بقيت هادئة لبعض الوقت.

حتى شعرت بشخص يقترب منها.

لم تكن بحاجة إلى الالتفات.

عرفت خطواته.

جاء لوسيان.

اقترب منها بصمت.

ثم وضع بطانية خفيفة على كتفيها.

نظرت إليه.

ابتسمت.

— "لم أشعر بالبرد."

— "أعرف."

جلَس إلى جوارها.

ثم سألها:

— "بماذا تفكرين؟"

ظلت آريا تنظر إلى المطر.

— "أفكر أننا وصلنا إلى هنا."

نظر إليها لوسيان.

— "إلى أين؟"

ابتسمت.

— "إلى كل هذا."

ثم نظرت إلى داخل القصر.

— "إليان… آرن… كايل… أليكس… ريفانا… لورا… كريس… نيكس… ريفين… كريستين… كاسيان… الجميع."

تنفست ببطء.

— "لا أستوعب أننا وصلنا إلى هذه المرحلة."

نظر لوسيان إلى يدها.

ثم أمسكها.

قال بهدوء:

— "أنا وصلت إلى هنا بفضلك."

التفتت إليه.

— "بفضلي؟"

أومأ.

— "لو لم تدخلي حياتي…"

توقف لحظة.

ثم أكمل:

— "لما حصلت على أي شيء من هذا."

نظر إلى القصر.

— "لم أكن لأعرف معنى العائلة كما أعرفه الآن."

ثم نظر إليها.

— "ولا كنت سأملك ابنة."

ضغط على يدها برفق.

— "ولا حفيدًا."

ابتسم.

— "ولا كل هؤلاء الأشخاص الذين يحبونني."

ضحكت آريا بخفة.

لكن عينيها امتلأتا بالدموع.

قال:

— "كل ما أملكه الآن بدأ يوم اخترتِ أن تبقي بجانبي."

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

— "وأنا محظوظة."

هز رأسه.

— "أنا المحظوظ."

اقتربت منه واحتضنته.

أحاط لوسيان ذراعيه بها.

وبقي الاثنان تحت المطر الخفيف، يستمعان إلى صوت القصر من خلفهما.

قالت آريا:

— "تعرف ماذا أريد؟"

— "ماذا؟"

— "أن نبقى هكذا."

— "كيف؟"

ابتسمت.

— "معًا."

رفع لوسيان يده ووضعها فوق يدها.

— "سنفعل."

قالت:

— "مهما طال العمر."

أجابها:

— "مهما طال."

ثم أضاف:

— "وحتى لو تغير كل شيء حولنا، ستبقين أول شيء اخترته."

ابتسمت آريا.

— "وأنت آخر شيء سأختاره."

تشابكت أصابعهما.

ثم بقيا هناك.

لا حاجة إلى نبوءة.

ولا إلى باب بين الأزمنة.

ولا إلى أسرار قديمة.

فقد انتهت كل تلك الأشياء منذ زمن.

الذي بقي…

هو الحب الذي بدأ بين مصاص دماء وإنسانة.

ثم أصبح عائلة.

ثم أصبح بيتًا.

ثم امتد إلى جيل جديد.

إليان.

كايل.

ولورا.

وكل من جاء بعدهم.

وفي تلك اللحظة، ضحك أحدهم من داخل القصر.

ثم سُمع صوت كايل في أحد الممرات، يشتكي من شيء ما، وتبعه صوت إليان وهي توبخه.

ضحكت آريا.

وضَحِك لوسيان معها.

نظر إلى القصر وقال:

— "يبدو أن الهدوء انتهى."

أجابته آريا وهي تبتسم:

— "لم يكن موجودًا أصلًا."

ثم عادت لتنظر إلى المطر.

وكان القصر الأسود مضاءً بالكامل.

ليس لأنه كان يعيش على الأسرار كما في الماضي…

بل لأنه أصبح بيتًا مليئًا بالحياة.

وهكذا…

لم تنتهِ حكاية الدمين عند إليان.

بل وُلد من حبها طفلٌ يحمل دمين جديدين، كايل، بعينين بلون لم يعرفه أحد من قبل، لتبدأ حكاية أخرى لم يكن أحد يعرف إلى أين ستقودهم.

أما لوسيان وآريا…

فبعد كل ما مرّا به، وبعد كل الخوف والأبواب والنبوءات والسنوات…

بقيا معًا.

تمامًا كما وعد كل منهما الآخر.

وفي القصر الأسود…

استمرت الحياة.

واستمرت الحكاية.

لكن هذه المرة…

لم تكن حكاية نبوءة.

كانت حكاية عائلة اختارت بعضها.

النهاية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    💞💌💞

    إلى كل من قرأ «عروس القصر الأسود» 🤍 قبل أن أقول أي شيء عن نهاية الرواية، أريد أن أقول شكرًا. شكرًا لكل شخص أعطى هذه الرواية جزءًا من وقته، حتى لو كانت دقائق قليلة. شكرًا لكل من فتح فصلًا، وقرأ سطرًا، أو تابع شخصية، أو انتظر معرفة ماذا سيحدث بعدها. قد لا تكون «عروس القصر الأسود» الرواية المثالية، وربما لم تكن كل أحداثها ممتعة كما كنت أتمنى، وربما كان هناك الكثير من الأشياء التي كان بإمكاني كتابتها بطريقة أفضل. لكن رغم كل ذلك… أنا تعبت فيها. كتبتها، وفكرت بأحداثها، وعشت مع شخصياتها، وفرحت معهم، وحزنت معهم، ووصلت معهم إلى النهاية. ولهذا، يكفيني جدًا أن هناك أشخاصًا قرأوا شيئًا أنا كتبته. يكفيني أن كلماتي وصلت إلى أحدكم، حتى ولو لم تترك الرواية أثرًا كبيرًا. يكفيني أن شخصًا ما قرر أن يعطيها من وقته، لأن وقت الإنسان شيء ثمين، وأنا أقدّر كل دقيقة قضاها أحدكم بين صفحاتها. ولكل شخص قرأها ولم يترك تعليقًا، ولم يضع إعجابًا، ولم يقل شيئًا… شكرًا لك أيضًا. 🤍 وجودك كقارئ لا يحتاج إلى إثبات. مجرد أنك قرأت… يعني أن جزءًا من الوقت الذي كان بإمكانك أن تقضيه في أي مكان آخر، قضيته هنا.

  • عروس القصر لأسود    135

    لم تتغير حياة القصر الأسود بعد ولادة كايل. بل تغيّرت أكثر مما توقع الجميع. لم يعد الصمت الذي كان يملأ الممرات طويلًا كما في السابق، ولم تعد الوجوه تستيقظ على هدوء القصر نفسه. فقد أصبح هناك صوت صغير يركض في كل مكان. وضحكة تتردد في الممرات. وبكاء يتحول بعد دقائق إلى ضحك. وفوق كل ذلك… أصبح هناك طفل واحد استطاع أن يجعل جميع أفراد العائلة ينسون أعمارهم ويعودون أطفالًا معه. كايل. منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذا الطفل لن يكون هادئًا. كان يحرّك يديه وقدميه باستمرار، ويحدق بكل شيء من حوله بفضول شديد. وكان أكثر شخص يتعلق به… هو لوسيان. في كل مرة كان لوسيان يحمله، كان كايل يهدأ سريعًا. وكأن صوت جده وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالأمان. وفي إحدى المرات، كان لوسيان جالسًا في القاعة الكبيرة، يحمل كايل بين ذراعيه. كان الطفل قد كبر قليلًا، لكنه ما زال صغيرًا جدًا. نظر إليه لوسيان طويلًا. ثم قال: — "أتعرف من أنا؟" رفع كايل عينيه إليه. ابتسم لوسيان. — "أنا جدك." فتح كايل فمه الصغير وأصدر صوتًا غريبًا. ضحك لوسيان. — "لا، لا تقل شيئًا. فقط استمع." اقترب منه قليلًا. — "أنت ت

  • عروس القصر لأسود    134

    منذ اليوم الذي أخبرت فيه إليان عائلتها بخبر حملها، لم تعد حياتها في فالوريان كما كانت. ولا حياة أي شخص في العائلتين. في البداية، حاولت إليان أن تتعامل مع الأمر بهدوء. كانت تجلس في الحديقة مع أرن، تضع يدها على بطنها، وتراقب السماء وهي تبتسم. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوسيان… كان قد أعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يبتعد عنها طوال فترة الحمل. وعندما قالت له إليان إن الطبيب في فالوريان يتابع حالتها وأنها بخير، أجابها ببساطة: — "وأنا أتابع الطبيب." رفعت إليان حاجبها. — "أبي." — "ماذا؟" — "لا يمكنك مراقبة الطبيب." قال بجدية: — "يمكنني." ضحكت آريا من الطرف الآخر. — "دعه. منذ عرف أنك حامل وهو لا يعرف كيف يتصرف." التفت لوسيان إليها. — "أنا أعرف تمامًا كيف أتصرف." قال ريفين: — "أنت منذ ثلاثة أيام تسأل أرن كل ساعتين إذا كانت إليان قد تناولت الطعام." قال لوسيان: — "هذا طبيعي." وأضاف كريس: — "وسألني أنا أيضًا." نظر إليه لوسيان. — "لأنك كنت معها." قال كريس: — "كنت ألعب!" — "وهذا سبب إضافي لأتأكد." ضحك الجميع. أما إليان… فكانت تنظر إلى عائلتها وتشعر بدفء لم تعرفه من

  • عروس القصر لأسود    133

    مرت عدة أشهر منذ أن انتقلت إليان إلى فالوريان برفقة أرن. ورغم أن حياتها الجديدة أصبحت أكثر هدوءًا، فإنها لم تسمح للمسافة بأن تبعدها عن عائلتها. كانت تزور القصر الأسود باستمرار. أحيانًا كانت تقضي أيامًا كاملة مع آريا ولوسيان، وأحيانًا كانت تعود إلى فالوريان بعد ساعات قليلة. وفي كل مرة تدخل فيها القصر، كان كريس أول من يركض نحوها. وكان لوسيان، مهما حاول أن يبدو هادئًا، ينتظر عودتها أكثر مما يعترف به. وفي ذلك الصباح… فُتح باب القصر الأسود. دخلت إليان برفقة أرن. لكن هذه المرة كانت مختلفة قليلًا. كانت تحمل حقيبة صغيرة بيدها، بينما كان أرن يسير إلى جانبها بهدوء. رفع ريفين رأسه فور أن رآهما. — "إليان!" ابتسمت. — "مرحبًا، عمي ريفين." اقترب منها بسرعة. — "أين كنتِ؟ لقد تأخرتِ." ضحكت. — "قلت لك إن الطريق من فالوريان ليس قصيرًا." ظهرت نيكس من خلفه. — "دعها تدخل أولًا، أيها الغراب." ثم احتضنت إليان. — "اشتقت إليكِ." — "وأنا أيضًا." جاء كريس بعدها مباشرة. — "إليان!" واحتضنها بحماس. — "هذه المرة بقيتِ أكثر من أسبوعين!" ضحكت. — "كيف عرفت؟" رفع حاجبه. — "أنا أراقب الجميع

  • عروس القصر لأسود    132

    بعد أن انتهت مراسم الزفاف، بقيت القاعة مضاءة بالشموع، بينما كانت أصوات الضحك والتهاني تتردد بين جدران القصر الأسود. وقفت إليان إلى جانب أرن، وما زالت ملامح الفرح واضحة على وجهها، فيما كانت عائلتها تقترب منهما واحدًا تلو الآخر. احتضنتها آريا أولًا. وضعت يديها على كتفي ابنتها، وتأملتها طويلًا، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل وجهها في ذاكرتها. ثم ابتسمت، رغم اللمعة الواضحة في عينيها. — "مبارك يا ابنتي." ابتسمت إليان. — "شكرًا يا أمي." اقترب لوسيان بعد ذلك. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها. ثم وضع يده فوق رأسها كما كان يفعل منذ أن كانت طفلة. — "لقد كبرتِ." ضحكت إليان وسط دموعها. — "أبي… لقد قلتها كثيرًا." — "وسأكررها أكثر." ثم احتضنها. أغلقت إليان عينيها للحظات. كان حضنه المكان الذي شعرت فيه بالأمان منذ أول يوم في حياتها. اقترب أرن منهما بعد لحظة. فقال لوسيان له بهدوء: — "اعتنِ بها." أجاب أرن دون تردد: — "سأفعل." نظر إليه لوسيان لثوانٍ، ثم أومأ. — "أعرف." رفعت إليان رأسها ونظرت إليهما. للمرة الأولى شعرت أن والدها، رغم حذره الدائم، كان يسلّمها فعلًا إلى شخ

  • عروس القصر لأسود    131

    بقيت القاعة صامتة لوقت طويل بعد اعتراف كاسيان. حتى القصر الأسود نفسه بدا وكأنه توقف عن إصدار أصواته المعتادة. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. كانت آريا تنظر إلى ريفانا وكاسيان، وقد بدت متأثرة بالمشهد الذي رأته أمامها. أما إليان… فكانت لا تزال تنظر إلى القلادة حول عنقها. الهدية التي ظنت طوال هذه السنوات أنها مجرد أثر غامض من الماضي… كانت في الحقيقة هدية أب لابنته. قالت آريا أخيرًا بصوت هادئ: — "كم من الأشياء تغيّرت بسبب الخوف." نظر كاسيان إليها. خفض رأسه قليلًا. — "أعرف." اقتربت آريا منه. — "لكنك عدت الآن." رفع كاسيان عينيه إليها. — "لم أعد أطلب شيئًا." ثم نظر إلى ريفانا. — "كل ما أريده هو أن تكون ابنتي بخير." أمسكت ريفانا يده للحظة. لم تقل شيئًا. لكن تلك الحركة الصغيرة جعلت الجميع يدركون أن السنوات الطويلة من الفقد بدأت أخيرًا تنتهي. أما لوسيان، فكان واقفًا على مسافة قريبة. قال: — "أخطأت كثيرًا." نظر إليه كاسيان. — "نعم." — "وتسببت في سقوط مملكة كاملة." — "نعم." توقف لوسيان قليلًا. ثم قال: — "لكنني أرى أنك تحاول إصلاح ما تستطيع." فوجئ الجميع بنبرته. رفع كاس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status