LOGINبقي لوسيان واقفًا أمام كريستين، وعيناه لا تفارقان وجهها.
"أمي... أي باب؟" سادت لحظة صمت طويلة. كانت كريستين تعرف أن الوقت قد حان ليخبره أحد بالحقيقة، أو على الأقل بالجزء الذي تعرفه منها. نظرت إلى آريا أولًا. كانت آريا واقفة قرب سرير إليان، تراقب طفلتها النائمة. ثم عادت كريستين إلى لوسيان. "الباب..." توقفت قليلًا. "ليس بابًا عاديًا." اقترب لوسيان خطوة. "إلى أين يؤدي؟" قالت كريستين بهدوء: "إلى مكان لا ينتمي بالكامل إلى عالمنا." تغيرت ملامح لوسيان. "ماذا تقصدين؟" تنفست كريستين ببطء. "قديمًا جدًا، كانت هناك حكايات تتحدث عن باب يظهر مرة واحدة كل ألف عام." اتسعت عينا آريا. "كل ألف عام؟" أومأت كريستين. "نعم." ثم تابعت: "لا يبقى مفتوحًا طويلًا... ولا يظهر في المكان نفسه دائمًا." سأل لوسيان: "وماذا يوجد خلفه؟" رفعت كريستين عينيها إليه. "فاصل." "فاصل بين ماذا؟" قالت: "بين أكثر من شيء." ثم سكتت لحظة قبل أن تكمل: "بين عالم الأحياء... وعالم الأموات... وبين عالم مصاصي الدماء... وشيء آخر لا ينتمي إلى أي عالم معروف." شعرت آريا بقشعريرة خفيفة. "عالم الأموات؟" هزت كريستين رأسها. "نعم." ثم أضافت: "لكن لا تتخيليه كما تتخيلينه في القصص." اقتربت من النافذة ونظرت إلى القمر البعيد. "هو ليس عالمًا مليئًا بالأشباح التي تتجول بلا هدف." ثم التفتت إليهما. "إنه مكان خارج قوانين عالمنا." قال لوسيان: "وماذا عن الزمن؟" نظرت إليه كريستين بصمت. ثم قالت: "هناك... الزمن لا يسير بالطريقة نفسها." سأل: "كيف؟" "قد تمر لحظات بالنسبة لمن يدخل ذلك المكان..." ثم توقفت. "بينما تمر سنوات في عالمنا." حدقت آريا بها بدهشة. "يعني... شخص يدخل الباب، ويمكن أن يعود بعد لحظات بالنسبة له، بينما يكون قد مر وقت طويل هنا؟" أومأت كريستين. "أو العكس." ثم تابعت: "لذلك سُمّي في بعض السجلات القديمة بـ فاصل الزمن." نظر لوسيان إلى إليان. ثم قال: "ولماذا كُتب: إذا وُلدت واحدة أخرى... سيعود الباب؟" خفضت كريستين صوتها. "لأن ظهور الباب لم يكن يحدث عبثًا." "كان يرتبط دائمًا بوجود طفل يحمل دم عالمين." ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها. "إليان..." قالت كريستين: "الطفلة الأولى التي وُلدت بهذه الطبيعة كانت مرتبطة بالباب بطريقة لم يفهمها أحد." "ثم اختفت." قال لوسيان: "وبعدها اختفى الباب؟" "نعم." أجابته كريستين. "أغلق نفسه... واختفى من عالمنا." ثم أشارت إلى الكتاب الذي كانت تحمله. "ولهذا بقيت القصة سرًا." سأل لوسيان: "ولماذا أخفوا الأمر عن بقية السلالات؟" قالت كريستين: "لأن بعضهم أراد الوصول إلى الباب." "لماذا؟" "لأن من يعتقد أنه يستطيع عبوره..." توقفت. ثم قالت: "يعتقد أنه يستطيع الحصول على أشياء لا يمكن لأي مصاص دماء الحصول عليها في عالمه." قالت آريا بحذر: "مثل ماذا؟" نظرت كريستين إليها. "الوقت." ثم أضافت: "والأجوبة." "وربما..." سكتت لحظة. "...القدرة على الوصول إلى أماكن لا يستطيع أحد الوصول إليها." نظر لوسيان إلى أمه بجدية. "وهذا ما يريده كاسيان؟" لم تجب كريستين مباشرة. لكن صمتها كان كافيًا. شد لوسيان فكه. "كان يعرف." قالت كريستين: "ربما." "والصندوق؟" "ليس الصندوق هو المفتاح." نظر إليها باستغراب. "ماذا؟" قالت: "القلادة." رفعت الكتاب وفتحت الصفحة التي تحمل رسمها. "القلادة هي الشيء المرتبط بالطفل." ثم نظرت إلى إليان. "وإن كانت السجلات صحيحة..." توقفت. "...فالقلادة لم تُحفظ لكي تمنح القوة." سأل لوسيان: "إذن لماذا؟" أجابت: "لأنها كانت تُحفظ حتى يأتي طفل آخر." صمت الجميع. ثم اقترب لوسيان من ابنته. وقف بجانب سريرها، ونظر إلى وجهها الصغير. كانت نائمة بهدوء. لم تكن تعرف شيئًا عن الباب. ولا عن القلادة. ولا عن تاريخ يعود إلى آلاف السنين. مد لوسيان يده ووضعها برفق فوق حافة السرير. قال: "لن يقترب منها أحد." نظرت آريا إليه. ثم أمسكت بيده. أما كريستين... فبقيت صامتة. لأنها لم تخبرهما بكل شيء. لم تقل لهما إن الباب، بحسب آخر سطر في السجل القديم... لا يفتح فقط عندما يولد طفل جديد. بل يفتح عندما يستيقظ الطفل نفسه على حقيقته. وفي مكان بعيد جدًا تحت أنقاض مملكة اندثرت منذ آلاف السنين... اهتز حجر قديم. ثم ظهرت عليه الدائرة نفسها... وبداخلها الخطوط الثلاثة. وببطء... مرّ ضوء أحمر عبر الشقوق. كأن شيئًا ما... كان قد بدأ يستيقظ.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







