เข้าสู่ระบบبعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا.
عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟" "كنت أريد أن أقرأ." نظر إلى الكتاب. ثم قال: "منذ متى وأنتِ تقرئين من دون أن تقاطعي أحدًا كل خمس دقائق؟" ضحكت إليان. "اليوم قررت أن أكون هادئة." "هذا مخيف أكثر." نظرت إليه بعبوس. "أليكس." ضحك. ثم ساد الصمت بينهما. عادت إليان إلى كتابها. لكن أليكس لاحظ أنها لا تقرأ فعلًا. كانت عيناها تتحركان فوق السطور دون أن تتوقف عند الكلمات. قال: "ما زلتِ تفكرين في الغابة." أغلقت الكتاب. "نعم." "والقلادة؟" وضعت يدها على عنقها. "نعم." سكت قليلًا. ثم قال: "هل تخافين؟" نظرت إليه. "لا." فكر أليكس للحظة. "إذن أنتِ قلقة." أشاحت بنظرها. "ربما." ابتسم. "وأنتِ تعرفين أنني سأذهب معك مهما حدث." نظرت إليه. "حتى لو قلت لك لا؟" "حتى لو قلتِ." ضحكت. "كنت أعرف." ثم ساد الصمت من جديد. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يغلبها. أغلقت الكتاب. "سأخرج." وقف أليكس. "إلى أين؟" "إلى غرفتي." "هذه المرة، لا تذهبي إلى الغابة." التفتت إليه. "أنا أصلًا لم أقل إنني سأذهب." "أعرفك." رفعت حاجبها. "مثل أبي؟" ابتسم. "ربما." خرجت من المكتبة. وبقي أليكس يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الممر. --- حلّ الليل. هدأ القصر تمامًا. كانت معظم الأضواء مطفأة، ولم يبقَ في الممرات سوى مصابيح صغيرة معلقة على الجدران. في غرفة إليان، كانت تقف أمام المرآة. ارتدت ثوبًا مريحًا للنوم، وتركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا على ظهرها. أمسكت الفرشاة، وبدأت تمشطه ببطء. كانت تنظر إلى انعكاسها. عشرون عامًا. مرّت عشرون سنة منذ ولادتها. عشرون سنة منذ أن أصبحت أول شخص في عائلتها يحمل دم عالمين معًا. وضعت الفرشاة جانبًا. ثم لمست القلادة. كانت ساكنة. لم تضيء. تنفست براحة. لكن… فجأة. سمعت صوتًا. توقفت. رفعت رأسها. "من؟" لم يجبها أحد. نظرت نحو الباب. لا شيء. ثم جاء الصوت مجددًا. هذه المرة كان أوضح. همسة بعيدة. "إليان…" تجمدت في مكانها. التفتت بسرعة نحو النافذة. الريح. المطر. لا شيء. ثم جاء النداء مرة ثالثة. "إليان…" وضعت يدها على القلادة. فأضاءت فورًا. شهقت بخفوت. "هذا غير معقول…" اقتربت من الباب. فتحته. خرجت إلى الممر. كان القصر مظلمًا وهادئًا. لكن الصوت… كان لا يزال موجودًا. يتحرك بين الممرات. مرة من اليمين. ثم من اليسار. ثم من مكان بعيد أمامها. تبعت إليان الصوت. خطوة. ثم أخرى. كلما تقدمت، أصبح الصوت أوضح. مرت بجانب الدرج. ثم الممر الطويل. ثم الجدار القديم الذي لم يكن أحد يستخدمه تقريبًا. توقفت. وضعت يدها على القلادة. كان الضوء أقوى الآن. نظرت أمامها. لم يكن هناك سوى حائط حجري. حائط عادي. لكن الصوت خرج من خلفه. "إليان…" تقدمت خطوة. رفعت يدها. لمست الحجر. وفجأة… اهتز القصر. تراجعت إليان. ظهرت خطوط دقيقة على الجدار. أولًا خط واحد. ثم آخر. ثم بدأت ترسم شكلًا يشبه الباب. اتسعت عيناها. "الباب…" لمست القلادة. اشتد الضوء. ثم صدر صوت حجري عميق. تحرك الجدار. وانفتح أمامها. لم يكن خلفه ممر. بل فراغ مظلم، تتخلله خيوط من الضوء الفضي، كأن السماء نفسها كانت محبوسة في الجانب الآخر. تراجعت إليان خطوة. لكن الصوت عاد. هذه المرة من داخل الباب. "إليان…" اقتربت ببطء. كان قلبها يخفق بقوة. ثم شعرت بجذب خفيف. وكأن الباب يريدها أن تدخل. مدت يدها. وقبل أن تتخذ خطوة أخرى… ظهر أليكس في نهاية الممر. "إليان!" استدارت. "أليكس؟" كان يركض نحوها. نظر إلى الباب. وتغير وجهه. "لا تدخلي!" لكن الصوت نادى إليان مرة أخرى. هذه المرة كان أقرب. وأقوى. شدت القلادة حول عنقها. وكأن شيئًا بداخلها دفعها إلى الأمام. خطت خطوة داخل الباب. صرخ أليكس: "إليان!" حاول الوصول إليها. لكن قبل أن تُغلق البوابة، حدث شيء غريب. تحرك جسده للحظة، ثم انخفض إلى الأرض وتحول إلى قطة سوداء بسرعة خاطفة. اتسعت عينا إليان. "أليكس؟!" قفز القط داخل الباب وراءها. وقبل أن ينغلق، اندفع خلفه صوت خافت كأنه زئير بعيد. ثم تغير شكل القطة مرة أخرى. ارتفعت في الهواء لحظة… وتحول أليكس إلى غراب أسود، فرد جناحيه وطار داخل الفراغ. وفي اللحظة نفسها… أغلق الباب. اختفى كل شيء. --- لم تعرف إليان أين كانت. كانت تسقط عبر فضاء مليء بالضوء والظلال. لم تشعر بالأرض. ولا بالسماء. ولا بأي اتجاه. كل ما سمعته كان أصواتًا بعيدة متداخلة. صوت المطر. صوت الريح. وصوت شخص ينادي اسمها. مدت يدها. "أليكس!" كان الغراب الأسود يطير بالقرب منها. اقترب منها، ثم عاد إلى شكله البشري للحظة، ومد يده نحوها. "أنا هنا!" لكن قبل أن يتمكن من الوصول إليها… انفتح الضوء أسفل قدميهما. وسقطا معًا. --- هبطت إليان على الأرض. فتحت عينيها ببطء. لم تعد في القصر. رفعت رأسها. تجمدت. أمامها… كانت هناك مدينة قديمة. أو ما تبقى منها. أبراج مهدمة. جدران حجرية مكسورة. طرق قديمة غطاها العشب. نوافذ بلا زجاج. وأطلال قصور غارقة في الصمت. لم تكن مجرد أطلال. كان واضحًا أن المكان كان مملكة ذات يوم. وقفت إليان ببطء. نظرت حولها. "أليكس…" كان أليكس قد سقط على بعد خطوات منها. نهض وهو ينفض الغبار عن ملابسه. ثم نظر إلى المكان. صمت. قالت إليان: "أين نحن؟" لم يجب فورًا. كان يعرف أن هذا المكان ليس عاديًا. ثم رفع عينيه إلى الأبراج المهدمة. "فالوريان." التفتت إليه. "فالوريان؟" أومأ. "المملكة القديمة." اتسعت عينا إليان. هي تعرف الاسم. قرأت عنه. سمعت كريستين تتحدث عنه. المكان نفسه الذي ارتبط بالباب قبل آلاف السنين. نظرت حولها. "لكنها…" لم تكمل. كان كل شيء محطمًا. وكأن المملكة قد اختفت من العالم منذ زمن بعيد. وضعت يدها على القلادة. فأضاءت. مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم يكن الضوء ضعيفًا. بل كان واضحًا. قال أليكس: "القصر لم يكن يبالغ عندما قال إن المكان مرتبط بها." رفعت إليان رأسها. ثم شعرت بشيء. صوت. خفيف. بعيد. نفس النداء. "إليان…" استدارت. "سمعتَ؟" أومأ أليكس. "نعم." بدأت تمشي. "هناك." "انتظري." لم تتوقف. كان الصوت يقودها بين الأنقاض. تجاوزت سورًا حجريًا محطمًا. ثم عبرت ساحة واسعة غطاها العشب. حتى وصلت إلى درج حجري يؤدي إلى بناء ضخم. كان معبدًا قديمًا. وفوق مدخله… كان الرمز نفسه. الدائرة السوداء والخطوط الثلاثة. الرمز الذي رأته عشرات المرات في الكتب. والذي ظهر على الصندوق. توقفت إليان. "إنه نفسه." اقترب أليكس منها. لكن قبل أن يقول شيئًا… خرج النداء من داخل المعبد. أوضح. أقرب. "إليان…" رفعت يدها إلى القلادة. ثم صعدت الدرج. كان أليكس خلفها مباشرة. دخلا. كان المعبد مظلمًا. لكن في نهايته… ظهر باب حجري ضخم. توقفت إليان أمامه. كان سطحه مغطى بالنقوش نفسها. وبالقرب من وسطه… كان هناك مكان صغير يشبه شكل القلادة. نظرت إليه. ثم إلى القلادة. قال أليكس: "إليان، انتظري." لكنها شعرت بذلك النداء من جديد. رفعت يدها. "أعتقد أنه يريد مني أن ألمسه." "لا نعرف ماذا سيحدث." نظرت إليه. ثم ابتسمت ابتسامة هادئة. "لهذا السبب لن أبتعد." مدت يدها. وضعت كفها على الباب. في اللحظة نفسها… توقف كل شيء. حتى الهواء. ثم أضاء الرمز الموجود على الباب. انتشر ضوء أسود وفضي عبر النقوش. تراجعت إليان بدهشة. "أليكس…" "ابتعدي!" لكن الباب بدأ يتحرك. صدر صوت عميق اهتز له المعبد. وانفتح شق صغير. خرج منه ضوء قوي. أقوى من كل ما رأياه منذ دخولهما. رفعت إليان يدها لتحمي عينيها. ثم فجأة… اندفع الضوء نحوها. شعرت بقوة تسحبها إلى الأمام. "أليكس!" ركض نحوها. أمسك يدها. لكن القوة كانت أقوى. بدأ جسد إليان ينسحب نحو الباب. "لا!" تمسك أليكس بها بكل قوته. "لن أتركك!" لكن الأرض اهتزت. وانفتح الباب أكثر. ظهر داخله فراغ أبيض لا نهاية له. ثم جاء صوت قديم، عميق، لا يشبه أي صوت سمعاه من قبل. صوت واحد فقط… لكنه بدا وكأنه خرج من أعماق آلاف السنين. "عادت ابنة الدمين…" اتسعت عينا إليان. "ابنة الدمين…؟" نظر أليكس إليها. لكنه لم يجد وقتًا ليسأل. قوة الباب سحبتهما معًا. اختفت قدما إليان داخل الضوء. ثم نصف جسدها. وأليكس لا يزال ممسكًا بيدها. "إليان!" صرخت: "أليكس!" في اللحظة التالية… اختفى الاثنان داخل الباب. وأُغلق خلفهما. عاد المعبد إلى الصمت. وبقي الرمز فوق الباب مضيئًا لثوانٍ. ثم انطفأ. لكن في أعماق المكان… بدأ شيء آخر بالاستيقاظ. شيء كان ينتظر وصول إليان منذ آلاف السنين. وفي مكان آخر بعيد عن الزمن… فُتحت عينان للمرة الأولى منذ زمن طويل. وكان صاحبتهما تعرف تمامًا من وصلت. "أخيرًا…" همس الصوت. "جاءت الصغيرة الأخرى."لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







