Masukلم تعرف إليان كم من الوقت مرّ.
ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه. "أليكس!" وصلت إليه وجلست بجانبه. كان يفتح عينيه ببطء. وبمجرد أن فعل، قال مباشرة: "أنتِ بخير؟" تجمدت إليان للحظة. كانت هي التي أرادت أن تسأله أولًا، لكن صوتها علق في حلقها. لم يكن خوفها على نفسها هو ما أربكها، بل الطريقة التي نطق بها اسمها، كأنه كان يبحث عنها قبل أن يستعيد وعيه. قالت بسرعة: "نعم… أظن ذلك." جلس أليكس بصعوبة بسيطة، ثم نظر إليها من رأسها حتى قدميها. "متأكدة؟" "أجل." "لا شيء يؤلمك؟" هزت رأسها. "لا." ظل ينظر إليها لثوانٍ أخرى، وكأنه يحاول أن يطمئن إلى شيء لا تستطيع الكلمات إثباته. ثم قال بصوت أخفض: "حسنًا… لأنني لم أكن أعرف ماذا سأفعل لو لم تكوني بخير." رفعت إليان عينيها إليه، فصرف نظره سريعًا نحو المكان. "وأنت؟" سألت، محاولة إخفاء الارتجافة في صوتها. قال: "أنا بخير." ثم نظر حوله. تغيرت ملامحه. نهض ببطء، وأخذ يراقب المكان. "هذا ليس فالوريان." رفعت إليان رأسها. "كنت أفكر في الشيء نفسه." وقفت بجانبه، لكنها لم تبتعد عنه. لم يعلّق أليكس على ذلك، واكتفى بأن أبقى كتفه قريبًا من كتفها، كأن قربهما صار اتفاقًا صامتًا لا يحتاج إلى تفسير. كان المكان غريبًا بصورة جعلت حتى إليان، التي اعتادت على القصور السحرية والظواهر الغامضة، تشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي تمامًا هنا. لا ريح. لا طيور. لا أصوات بعيدة. ومع ذلك… كان هناك صوت. همهمة خافتة تأتي من كل الاتجاهات في الوقت نفسه. كأن المكان نفسه كان يتحدث. قال أليكس: "أين نحن؟" نظرت إليان إلى القلادة. كانت لا تزال حول عنقها. لكنها لم تعد سوداء تمامًا. كان داخل الدائرة وهج فضي خافت يتحرك ببطء. وضعت يدها عليها. "القلادة قادتنا إلى هنا." رد أليكس: "أو الباب." نظرت إليه. "أيهما؟" "لا أعرف." ثم التفت إليها وأضاف بصدق لم تعتده منه: "وهذا ما يخيفني." صمتت إليان لحظة. كان أليكس يمزح عادة حين يزداد الخطر، أما الآن فقد ترك خوفه ظاهرًا بين كلماته. لم تعرف لماذا جعلها ذلك أكثر اطمئنانًا، لكنه جعلها تدرك أنها ليست الوحيدة التي تحاول التظاهر بالثبات. قالت: "أنا خائفة أيضًا." نظر إليها. "حقًا؟" "لا تبدُ مصدومًا." "كنت أظنكِ ستقولين إنكِ تملكين خطة." ابتسمت ابتسامة باهتة. "كنت سأفعل… لو كانت لدي خطة." للمرة الأولى لم يرد بسخرية. اكتفى بأن أومأ، ثم قال: "إذًا سنخاف معًا، ونفكر معًا." نظرت إليه إليان، وشعرت بأن شيئًا صغيرًا، لكنه مهم، قد تغير بينهما. ثم نظر إلى الأرض. اقترب من إحدى المناطق الشفافة. رأى تحتها صورة لقاعة ضخمة مليئة بالناس. رمش. تغير المشهد فورًا. أصبحت الصورة لمدينة قديمة. ثم بحر. ثم جبل. ثم ظهرت صورة للقصر الأسود. اتسعت عيناه. "إليان…" اقتربت منه. "ماذا؟" أشار إلى الأرض. "هذا القصر." نظرت إليان. كانت الصورة أسفلهم تتحرك. رأت آريا. ثم لوسيان. ثم كريستين. ثم ريفين ونيكس. ثم اختفت الصورة. شهقت إليان. "أبي…" تحركت خطوة إلى الأمام. "هل يمكنهم رؤيتنا؟" هز أليكس رأسه. "لا أعرف." نظرت مجددًا إلى المكان الذي ظهرت فيه صورة القصر. لم تعد هناك أي صورة. فقط سطح شفاف يعكس ضوءًا غريبًا. وضعت إليان كفها عليه. "أبي…" لم يحدث شيء. حاولت مرة أخرى. ظهرت دوائر صغيرة من الضوء تحت أصابعها. ثم اختفى كل شيء. تراجعت إليان، وقد بدأ نفسها يضيق. "لماذا لا أستطيع الوصول إليهم؟" اقترب أليكس منها، لكنه لم يلمسها فورًا. "إليان…" هزت رأسها، وكأنها تمنعه من طمأنتها بكلمات لا يملكها. "لا تقل إن كل شيء سيكون بخير." توقف. ثم قال: "لن أقول ذلك." رفعت عينيها إليه. "لكنني سأقول إننا سنجد طريقًا للعودة. لا لأنني متأكد… بل لأنني لن أتركك تبحثين عنه وحدك." ثبتت نظرها عليه، ثم أومأت ببطء. قال أليكس بهدوء: "لأننا لسنا في عالمهم الآن." نظرت إليه. "إذًا أين نحن؟" ساد الصمت. ثم ظهر أمامهما شيء غريب. ساعة. لكنها لم تكن ساعة عادية. كانت معلقة في الهواء. دائرية، ضخمة، بلا عقارب. وبدل الأرقام… كانت عليها رموز. دار القرص ببطء. مرة. ثم مرة أخرى. ثم بدأت الرموز تتغير. قال أليكس: "لا ألمسها." نظرت إليه إليان. "لم أقل إنني سألمسها." "أعرف." "إذًا لماذا قلت ذلك؟" "لأنكِ تنظرين إليها بالطريقة نفسها التي تنظرين بها إلى كل شيء خطير." "وكيف أنظر إلى الأشياء الخطيرة؟" "كأنها تخفي إجابة تنتظر منكِ أن تكتشفيها." تأملت الساعة، ثم قالت: "وأنت تنظر إليها كأنها ستعضك." "ربما لأنها ستفعل." كادت تضحك، لكنها توقفت قبل أن تخرج الضحكة كاملة. كان الخوف لا يزال عالقًا في صدرها، إلا أن وجوده إلى جانبها جعله أقل اتساعًا. قالت: "أنت تعرفني كثيرًا." أجاب دون أن يبعد عينيه عن الساعة: "أحاول." كانت الكلمة بسيطة، لكنها لم تكن ساخرة. التفتت إليه، فوجدته ينظر إليها هذه المرة. "لماذا؟" سألت. تردد لحظة. "لأنني أريد أن أعرف متى تكونين شجاعة… ومتى تتظاهرين بذلك." شعرت إليان بأن دفاعها المعتاد تراجع قليلًا. "وأنت؟" "ماذا عني؟" "متى تكون شجاعًا، ومتى تتظاهر؟" ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "غالبًا أتظاهر." "كنت أعرف." "لكنني لا أتظاهر الآن." ساد بينهما صمت قصير. ثم عادت عيناها إلى الساعة. توقفت فجأة. وتغيرت الرموز عليها. ظهرت رموز قديمة تشبه الرمز الموجود على قلادتها. رفعت إليان يدها. أضاءت القلادة. وانطلقت من الساعة خيوط من الضوء امتدت في الهواء. ثم ظهرت أمامهما كلمات. لكنها لم تكن مكتوبة بلغة يعرفانها. اقترب أليكس، ثم توقف على مسافة قريبة منها. "هل تستطيعين قراءتها؟" هزت إليان رأسها. "لا." ثم نظرت إليه. "ابقَ قريبًا." لم يسألها لماذا. "لن أبتعد." لكن بعد لحظات… تغيرت الرموز. وتحولت إلى لغة مفهومة. تجمد الاثنان. كانت الجملة الوحيدة التي ظهرت أمامهما: "هذا المكان لا ينتمي إلى زمن واحد." قرأت إليان الكلمات بصوت منخفض. "لا ينتمي إلى زمن واحد…" ثم ظهرت جملة ثانية. "من يدخل إليه قد يجد ما مضى، وما هو قائم، وما لم يحدث بعد." رفع أليكس عينيه. "إذًا نحن…" أكملت إليان: "بين الأزمنة." وفجأة… ارتجف المكان كله. انطفأت الأنوار المحيطة بهما للحظة. ثم عادت. لكن هذه المرة ظهرت عشرات الصور في وقت واحد حولهما. أشخاص من عصور مختلفة. قصور. قرى. مدن. وجوه لم يعرفاها. وأماكن لم يزوراها. شعرت إليان بالدوار. أمسك أليكس بكتفها فورًا. "إليان." نظرت إليه. "أنا بخير." قال بحزم، وقد خان صوته خوف واضح: "لا تبتعدي عني." أومأت، وأمسكت بيده بدلًا من كتفه. تجمد للحظة، ثم أغلق أصابعه حول يدها بثبات. اختفت الصور. عاد المكان هادئًا. لكن شيئًا آخر كان قد تغير. في المسافة البعيدة، ظهر ممر طويل. لم يكن موجودًا قبل لحظات. وكان على جانبيه عدد لا نهائي من الأبواب. باب أبيض. باب أسود. باب خشبي قديم. باب حجري. وبعض الأبواب لم يكن لها شكل واضح أصلًا. قال أليكس: "هذا ليس طبيعيًا." ردت إليان: "أعرف." ثم نظرت إلى يدهما المتشابكتين، قبل أن ترفع عينيها إليه. "لكنني لا أريد أن أترك يدك." نظر إلى أصابعهما، ثم إليها. "جيد." "جيد؟" "لأنني لم أكن سأتركها." لم يكن في صوته أي مزاح هذه المرة. شعرت إليان بالخوف يعود، لكنه لم يعد خوفًا وحيدًا. ثم شعرت بقلادتها تتحرك. رفع الاثنان عينيهما. كان أحد الأبواب يضيء بضوء فضي خافت. وعليه… الرمز نفسه. الدائرة. والخطوط الثلاثة. حدقت إليان فيه. "هذا هو الطريق." وقف أليكس أمامها مباشرة. "هذه المرة نمشي معًا." ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم أن قلبها كان يخفق بعنف. "لم أكن سأذهب وحدي." نظر إليها. "أعرف." تقدما ببطء. كل خطوة كانا يخطوانها كانت تجعل الأرض تصدر صوتًا خافتًا، وكأنها تتذكر خطوات أشخاص مروا من هنا قبلهم. وعندما وصلا أمام الباب… ظهر على سطحه نقش جديد. لم يكن نفس الرمز. بل صورة امرأة تحمل طفلة صغيرة. تجمدت إليان. لم تعرف لماذا شعرت، بمجرد رؤيتها للصورة… أن قلبها عرف هذه المرأة. رفعت يدها نحو الباب. قال أليكس بسرعة: "انتظري." توقفت. "ماذا؟" حدق في الصورة. "لا أعرف لماذا… لكن أشعر أن هذا الباب ليس مجرد باب." نظرت إليه إليان. "وأنا أشعر أنني أعرف ما وراءه." "هل هذا جيد؟" "لا." "كنت أخشى ذلك." نظرت إليه، فرأت الخوف في عينيه بوضوح، لا خلف ابتسامة ولا تحت تعليق ساخر. وللمرة الأولى لم تحاول أن تخفي خوفها هي أيضًا. قالت: "إذا حدث شيء…" قاطعها: "سيحدث لنا معًا." "أليكس، أنا جادة." "وأنا أيضًا." شد على يدها. "لن أعدك بأنني لن أخاف. لكنني أعدك بأنني لن أهرب منك." نظرت إليه طويلًا، ثم أومأت. "وأنا لن أتركك." ثم إلى الصورة. ثم إلى القلادة. كان الضوء الفضي يزداد. وأخيرًا… جاء صوت من خلف الباب. صوت امرأة. هادئ. قديم. وكأنه كان ينتظر منذ زمن طويل. "إليان…" تراجعت إليان خطوة، فشعر أليكس بحركتها وشد على يدها. أما هو فتقدم أمامها مباشرة، دون أن يتركها. وقال: "من أنتِ؟" ساد الصمت. ثم جاء الرد. "الشخص الذي كان ينتظر ابنة الدمين الثانية." اتسعت عينا إليان. أما القلادة… فأضاءت للمرة الأولى بضوء قوي ملأ المكان كله.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







